الشرح الممتع على زاد المستقنع (متجدد)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الأول بسم الله الرحمن الرحيم إن

صفحة 1 من 10 123 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 7 من 65
  1. رقم #1
     Icon200  العنوان : الشرح الممتع على زاد المستقنع (متجدد)
    بتاريخ : 18 Jul 2009 الساعة : 08:11 AM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية أبو رمزي

    رقم العضوية : 16928
    الانتساب : Jun 2009
    المشاركات : 1,330
    بمعدل : 0.44 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 11
    التقييم : Array
    أبو رمزي غير متصل



    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الأول </B>
    · مقدمة المؤلف ( الشيخ محمد بن صالح العثيمين )



    بسم الله الرحمن الرحيم


    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا , وسيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له , ومن يُضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمداً عبده ورسوله , صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ؛ والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين , وسلم تسليما كثيرا .
    أما بعدُ :
    فإن كتاب " زاد المستقنع في اختصار المقنع " – تأليف : أبي النجا موسى بن أحمد بن موسى الحجاوي – كتاب قليل الألفاظ , كثير المعاني , اختصره من " المقنع " , واقتصر فيه على قولٍ واحدٍ , وهو الراجح من مذهب الإمام أحمد بن حنبل , ولم يخرُج فيه عن المشهور من المذهب عند المتأخرين إلا قليلاً .
    وقد شُغِفَ به المبتدئون من طلاب العلم على مذهب الحنابلة , وحَفِظَهُ كثير منهم عن ظهر قلب .
    وكان شيخُنا عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي " رحمه الله تعالى " , يَحُثنا على حفظه , ويُدرِّسنا فيه .
    وقد انتفعنا به كثيرا ولله الحمد , وصرنا نُدرِّس الطلبة فيه بالجامع الكبير بعُنيزة , بحلِّ ألفاظه , وتبيين معانيه , وذِكر القول الراجح بدليله أو تعليله , وقد اعتنى به الطلبة وسجَّلوه وكتبوه .
    ولما كَثُرَ تداوله بين الناس عبر الأشرطة والمذكرات ؛ قام الشيخان الكريمان الدكتور سليمان بن عبد الله أبا الخيل , والدكتور خالد بن علي المشيقح بإخراجه في كتاب سُمِّيَ : " الشرح الممتع على زاد المستقنع " , فخرَّجا أحاديثه , ورقَّما آياته , وعلَّقا عليه ما رأياه مناسباً , وطبعاه الطبعة الأولى , فجزاهما الله خيراً .
    ولما كان الشرح بالتقرير لا يساوي الشرح بالتحرير ؛ من حيث انتقاء الألفاظ ؛ وتحرير العبارة ؛ واستيعاب الموضوع ؛ تَبيَّن أنَّ من الضروري إعادة النظر في الكتاب , وتهذيبه وترتيبه . وقد تمَّ ذلك فعلاً – ولله الحمد - ؛ فحذفنا ما لا يُحتاج إليه , وزدنا ما تدعو الحاجة إليه , وأبقينا الباقي على ما كان عليه .
    وقد كان في مقدمة من قرأه علينا في هذه الطبعة الدكتور خالد بن علي المشيقح , جزاه الله خيراً .
    والله أسأل ؛ أن يجعل عملنا خالصاً لوجهه , موافقاً لمرضاته , وأن ينفع به عباده , إنه سميعٌ قريبٌ , وصلى الله وسلم على نبينا محمد ؛ وعلى آله وأصحابه ؛ والتَّابعين لهم بإحسان .


    المؤلف


    محمد الصالح العثيمين


    4 / 6 / 1420 هـ
    منقول


    hgavp hgllju ugn .h] hglsjrku (lj[]])



    التعديل الأخير تم بواسطة أبو رمزي ; 18 Jul 2009 الساعة 08:15 AM

     



  2. رقم #2
     افتراضي  العنوان : رد: الشرح الممتع على زاد المستقنع (متجدد)
    كاتب الموضوع : أبو رمزي
    بتاريخ : 18 Jul 2009 الساعة : 08:13 AM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية أبو رمزي

    رقم العضوية : 16928
    الانتساب : Jun 2009
    المشاركات : 1,330
    بمعدل : 0.44 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 11
    التقييم : Array
    أبو رمزي غير متصل



    · شرح مقدمة الزاد



    قال المؤلف رحمه الله تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم
    قوله: «بسم الله» ، الجار والمجرور متعلِّق بمحذوف فعلٍ مؤخَّرٍ مناسبٍ للمقام، فعندما تريد أن تقرأ تقدِّر: بسم الله أقرأُ، وعندما تريد أن تتوضَّأ تقدِّر: بسم الله أتوضَّأُ، وعندما تريد أن تذبحَ تقدِّر: بسم الله أذبحُ، وإنما قَدَّرناه فعلاً، لأن الأصلَ في العمل للأفعال، وقدَّرناه مؤخَّراً لفائدتين:
    الأولى: التبرُّكُ بالبَداءة باسم الله سبحانه وتعالى.
    الثانية: إفادةُ الحصر؛ لأن تقديم المتعلِّق يُفيد الحصر.
    وقدّرناه مناسباً؛ لأنه أدلُّ على المُراد، فلو قلت مثلاً ـ عندما تريد أن تقرأَ كتاباً ـ: بسم الله أبتدئُ ما يُدْرَى بماذا تبتدئُ؟ لكن: بسم الله أقرأ، يكون أدلَّ على المراد الذي ابتدئ به.
    قوله: «الله»، هو عَلَمٌ على الباري جلَّ وعلا، وهو الاسم الذي تَتْبَعُه جميعُ الأسماء، حتى إِنه في قوله تعالى: { كِتابٌ أنزلناهُ إِليكَ لتُخرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلماتِ إِلى النُّور بإِذنِ رَبهم إِلى صِراطِ العزِيزِ الحميدِ * اللَّهِ الذي لهُ ما في السَّماواتِ وما في الأَرضِ } [إبراهيم: 1، 2] ، لا نقولُ: إِن لفظ الجلالة «الله» صفة، بل نقول: هو عطف بيان؛ لئلا يكون لفظُ الجلالة تابعاً.
    قوله: «الرحمن» ، من أسماء الله المختصَّة به، لا يُطلقُ على غيره، و«الرَّحْمن» معناه: المتَّصف بالرَّحمةِ الواسعةِ.
    قوله: «الرَّحيم» ، المُراد به ذو الرحمةِ الواصلةِ.
    وإِذا جُمِعَا ـ الرَّحمن الرَّحيم ـ صار المُراد بالرَّحيم: الموصل رحمته إلى من يشاء من عباده، كما قال تعالى: {{يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ *}} [العنكبوت] ، فهو ملحوظٌ فيه الفعل.
    وأما الرَّحمن: فهو الموصوف بالرَّحمة الواسعة؛ فهو ملحوظٌ فيه الصِّفةُ.
    وابتدأَ المؤلِّفُ كتابَه بالبسملة اقتداءً بكتاب الله عزّ وجل، فإِنه مبدوءٌ بالبسملة، واقتداءً بالنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فإنه كان يبدأ كُتُبَه بالبسملة[(1)].

    إِنَّ الحمدَ لله .................
    قوله: «الحمدُ لله» ، جملةٌ اسميَّةٌ مكوَّنةٌ من مبتدأ وخبر.
    والحمدُ: وصفُ المحمود بالكمال؛ سواءٌ كان ذلك كمالاً بالعَظَمة؛ أو كمالاً بالإحسان والنِّعمة. واللَّهُ تعالى محمودٌ على أوصافه كلِّها وأفعاله كلِّها.
    واللام في قوله: «لله»، قال أهل العلم: إنها للاختصاص والاستحقاق.
    فالمستحقُّ للحمد المطلق هو الله، والمختصُّ به هو الله، ولهذا كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إِذا أصابته السَّرَّاءُ قال: «الحمدُ لله الذي بنعَمِه تَتمُّ الصَّالحاتُ»، وإن أصابته الضَّرَّاءُ قال: «الحمدُ لله على كُلِّ حالٍ»[(2)].
    أما غيرُ اللَّهِ فيُحمَدُ على أشياءَ خاصَّة؛ ليس على كُلِّ حالٍ.
    وأيضاً: هي للاختصاص، فالذي يَختصُّ بالحمد المطلق الكامل هو الله، فهو المستحقُّ له المختصُّ به.

    حَمْداً لا يَنْفَدُ، أفضَلَ مَا يَنْبغِي أن يُحْمَدَ،..........
    قوله: «حمداً لا ينفد» ، «حمداً» مصدر، والعامل فيه المصدر قبله، فهو مصدرٌ معمولٌ لمصدر. والمصدر المحلَّى بأل يعمل مطلقاً، و«حمداً» مصدرٌ مؤكِّدٌ لعامله؛ لأنه إذا جاء المصدر بلفظ الفعل أو معناه فهو مؤكِّدٌ؛ كقوله تعالى: {{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا}} [النساء: 164] .
    ومع كونه مؤكِّداً وُصِفَ بقوله: «لا يَنفَدُ». فيكون أيضاً بصفته مبيِّناً لنوع الحمد؛ وأنَّه حمدٌ لا ينفَدُ، بل هو دائم، والربُّ عزّ وجل مُستحِقٌّ للحمد الدي لا ينفَد، لأن كمالاته لا تنفد، فكذلك الحمد ـ الذي هو وصفه بالكمالات ـ لا ينفَد.
    وليس المعنى: لا ينفَدُ منِّي قولاً، لأنَّه ينفَد منه بموته، أو بتشاغله، بغيره، ولكن المعنى: أن اللَّه مُستحِقٌّ للحمد الذي لا ينفَدُ باعتبار ذلك منسوباً إِليه؛ فهو لا ينفَدُ.
    قوله: «أَفْضَلَ ما يَنْبَغِي أنْ يُحمدَ» ، صفةٌ لحمد، فيكون المؤلِّفُ رحمه الله وصفَ الحمدَ بوصفين:
    الأول: الاستمرارية بقوله: «لا ينفَدُ».
    الثاني: كمالُ النَّوعيَّة بقوله: «أفضل ما ينبغي أن يُحمَد»، أي: أفضل حَمْدٍ يَستحقُّ أن يُحمدَهُ.
    وعلى هذا تكون «ما» نكرة موصوفة، يعني: أفضل حمدٍ ينبغي أن يُحمَده.

    وَصَلَّى الله وسَلَّمَ ...............
    قوله: «وصلَّى الله وسلَّمَ» ، لما أثنى على الله عزّ وجل بما ينبغي أن يُثْنَى عليه، ثَنَّى بالصَّلاة والسَّلام على أفضل الخلق.
    قال بعضُ العلماء: الصَّلاةُ من الله: الرَّحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدميين: الدُّعاء[(3)].
    والصَّواب ما قاله أبو العالية: «إنَّ الصَّلاة من الله ثناؤه على المُصَلَّى عليه في الملأ الأعلى»[(4)]، أي: عند الملائكة المقرَّبين، وهذا أخصُّ من الرَّحمة المطلقة.
    وعلى هذا، فمعنى «صلَّى الله على محمَّدٍ»، أي: أثنى عليه في الملأ الأعلى. وهذه جملة خبرية لفظاً، إنشائية معنى؛ لأنه ليس المراد أنِّي أُخبرُ بأن الله صلَّى؛ ولكنَّني أدعو الله عزّ وجل أن يُصلِّيَ، فهي بمعنى الدُّعاء، والدُّعاءُ إِنشاءٌ.
    وقوله: «وسلَّم» ، وهذه أيضاً جملةٌ خبريةٌ لفظاً، إِنشائيَّةٌ معنى، أي: أدعو الله تعالى بأن يُسَلِّمَ على محمَّدٍ صلّى الله عليه وسلّم.
    والسَّلامُ: هو السَّلامةُ من النقائص والآفات. فإِذا ضُمَّ السَّلامُ إلى الصَّلاةِ حَصَلَ به المطلوبُ، وزال به المرهوبُ، فَبالسَّلامِ يزولُ المرهوبُ وتنتفي النقائصُ، وبالصَّلاة يحصُلُ المطلوبُ وتَثْبُتُ الكمالاتُ.

    على أفضلِ المُصْطَفَيْنَ ................
    قوله: «المُصْطَفَيْن» ، بضمِّ الميم وفتح الفاء، أصله «المصتفين» بالتَّاء من الصفوة؛ وهي خُلاصة الشَّيء. والمصطفَوْنَ من الرُّسل: أولو العزم من الرُّسل. وهم مَذْكُورون في القرآن الكريم في موضعين: في سورة الأحزاب: {{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ}} [الآية: 7] ، وفي الشُّورى: {{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى}} [الشورى الآية: 13] .
    فهؤلاء الخمسة هم أولو العزم، ومحمَّدٌ صلّى الله عليه وسلّم أفضلهم. ويدلُّ على ذلك أنَّه خاتمهم[(5)]، وإمامُهم ليلة المعراج[(6)]؛ ولا يُقَدَّم إلا الأفضل، وصاحبُ الشَّفاعةِ العُظمى[(7)]، وهناك أشياء أخرى تدلُّ على أنَّه أفضلُهم لكن هذه أمثلة.

    محمَّدٍ، وعلى آلِهِ، ...................
    قوله: «محمد» ، عطفُ بيان؛ لأن أفضل المُصطَفَيْن لا يُعرف من هو، فإِذا قيل: «محمَّد»
    صار عطف بيان بَيَّنَ مَنْ هذا الأفضل.
    وهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطَّلب بن هاشم القُرشي؛ كما قال عن نفسه: «إن الله اصطفى من بني إسماعيل كِنانة، واصطفى من كِنانة قريشاً، واصطفى من قريشٍ بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم، فأنا خِيارٌ من خِيارٍ»[(8)].
    قوله: «وعلى آله» ، إذا ذُكِر «الآل» وحده فالمرادُ جميعُ أتباعه على دينه، ويدخلُ بالأولويَّة مَنْ على دينه من قرابته؛ لأنهم آلٌ من وجهين: من جهة الاتِّباع، ومن جهة القَرابة، وأما إِذا ذُكِرَ معه غيرُه فإِنَّه يكون المرادُ بحسب السِّياق، وهنا ذُكِرَ الآلُ والأصحابُ ومن تعبَّد، فنفسِّرُها بأنهم المؤمنون من قرابته؛ مثل عليِّ بن أبي طالب، وفاطمة، وابن عبَّاس، وحمزة، والعبَّاس، وغيرهم.

    وأصْحَابِهِ، وَمَنْ تَعَبَّدَ ..................
    قوله: «وأصحابِه» ، جمع صَحْب، وصَحْبٌ اسم جمعِ صاحبٍ، فأصحابه: كُلُّ من اجتمع به مؤمناً به، ومات على ذلك، ولو لم يَرَهُ ولو لم تَطُل الصُّحبةُ.
    وهذا من خصائصه صلّى الله عليه وسلّم، أما غيرُه من النَّاس فلا يكون صاحباً له إلا من لازمه مُدَّةً يَستحِقُّ بها أن ينطبق عليه وصفُ صاحب.
    قوله: «ومن تعبَّد» ، مَنْ: اسم موصول، وهي للعموم.
    وقوله: «تعبَّد»، أي: تعبَّد لله؛ وتذلَّل له بالعبادة والطَّاعة.
    والعبادة مبنيَّة على أمرين:
    1- الحُبّ.
    2- والتَّعظيم.
    فبالحبِّ يكون طلب الوصول إلى مرضاة المعبود، وبالتَّعظيم يكون الهرب من الوقوع في معصيته؛ لأنك تعظِّمه فتخافه، وتحبّه فتطلبه.
    وأما شرطا قَبولها فهما: الإِخلاصُ لله، والمتابعةُ لرسوله.
    وكلمة «من تعبّد» عامة في كل من تعبَّد لله من هذه الأمَّة، ومن غيرها؛ ولهذا قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في قولنا: السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين: «إنكم إذا قلتم ذلك فقد سلَّمتم على كُلِّ عبدٍ صالحٍ في السَّماء والأرض»[(9)] حتى الملائكة، وصالحو الجنِّ وأتباع الأنبياء السابقين يدخلون في هذا.
    وهل يدخل فيها أصحابُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وآله المؤمنون؟ هذا مبنيٌّ على الخلاف بين العلماء، هل إِذا عطفنا العامَّ على الخاصِّ يكون الخاصُّ داخلاً في العام، أو خارجاً بالتَّخصيص؟ في هذا قولان: فمنهم من يقول: إنه داخل فيه؛ لأن العموم يشمله. ومنهم من يقول: إِنَّ ذكره بخاصَّته يدلُّ على أنه غير مراد[(10)].
    وهذا الخلاف قد يترتَّبُ عليه بعضُ المسائل، لكن من قال: إنه يدخل في العموم قال: إن الخاصَّ يكون مذكوراً مرَّتين: مرَّة بالخصوص، ومرَّة بالعموم.

    أمَّا بَعْدُ: ................
    قوله: «أما بعد» ، هذه كلمة يُؤتى بها عند الدُّخول في الموضوع الذي يُقْصَدُ.
    وأما قول بعضهم: إنها كلمة يُؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر[(11)]، فهذا غيرُ صحيح، لأنه ينتقلُ العلماءُ دائماً من أسلوب إلى آخر، ولا يأتون بأمَّا بعدُ.
    وأما إعرابها فنقول: «أما» نائبة عن شرط وفعلِ الشَّرط، والتَّقدير: مهما يكن من شيءٍ بعد ذلك فهذا مختصرٌ، فيكون «أما» بمعنى مهما يكن من شيء، و«بعدُ» ظرف متعلِّق بـ«يكن» المحذوفة مع شرطها؛ مبني على الضمِّ في محلِّ نصبٍ، لأنه حُذف المضافُ إليه، ونُوِيَ معناه، وهذه الظُّروف ـ بعدُ وأخواتها ـ إِذا حُذف المضاف إليه ونُويَ معناه بُنيت على الضمِّ؛ كما في قوله تعالى: {{لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ}} [الروم: 4] .

    فهذا مخْتَصَرٌ فِي الفقهِ،..............
    قوله: «مختصرٌ» ، مُفْتَعَلٌ فهو اسم مفعول.
    والمختصر: قال العلماء: هو ما قلَّ لفظُه وكثُرَ معناه[(12)].
    قوله: «في الفقه» ، الفقة لغةً: الفهم، ومنه قوله تعالى: {{وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}} [الإسراء: 44] . وقوله: {{قَالُوا ياشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ}} [هود: 91] . بمعنى لا نفهم.
    وفي الشَّرع: معرفة أحكام الله العَقَديَّة والعَمَليَّة.
    فالفقه في الشَّرع ليس خاصاً بأفعال المكلَّفين، أو بالأحكام العمليَّة، بل يشمل حتى الأحكام العَقَديَّة، حتى إن بعضَ أهل العلم يقولون: إِن عِلمَ العقيدة هو الفقهُ الأكبرُ[(13)]. وهذا حَقٌّ، لأنك لا تتعبَّد للمعبود إلا بعد معرفة توحيده بربوبيّته وألوهيّتِه وأسمائه وصفاته، وإلا فكيف تتعبَّد لمجهول؟!
    ولذلك كان الأساسُ الأولُ هو التَّوحيدَ، وحُقَّ أن يُسمَّى بالفقه الأكبر.
    لكنَّ مرادَ المؤلِّف هنا: الفقه الاصطلاحي وهو: معرفة الأحكام العمليَّة بأدلتها التفصيلِيَّة.
    شرح التَّعريف:
    قولنا: «معرفة» ولم نقل: علم؛ لأن الفقه إما علمٌ وإما ظنٌّ. وليس كلُّ مسائل الفقه علميَّة قطعاً، ففيه كثيرٌ من المسائل الظنِّيَّة، وهذا كثيرٌ في المسائل الاجتهادية التي لا يصلُ فيها الإِنسان إلى درجة اليقين، لكن لا يُكلِّفُ اللَّهُ نفساً إلا وسعها.
    فقولنا: «معرفةُ» لأجل أن يتناول العلم والظنَّ.
    وقولنا: «العمليَّة» احترازاً من الأحكام العَقَديَّة، فلا تدخل في اسم الفقه في الاصطلاح، وإن كانت تدخل في الشرع.
    وقولنا: «بأدلتها التفصيليَّة» احترازاً من أصول الفقه، لأن البحث في أصول الفقه في أدلة الفقه الإجمالية، وربما تأتي بمسألة تفصيليَّة للتمثيل فقط.
    وعُلِمَ من قولنا: «بأدلَّتها» أن المقلِّدَ ليس فقيهاً؛ لأنه لا يعرف الأحكام بأدلَّتها، غايةُ ما هنالك أن يكرِّرَها كما في الكتاب فقط. وقد نقل ابنُ عبد البَرِّ الإجماعَ على ذلك[(14)].
    وبهذا نعرف أهميَّة معرفة الدَّليل، وأن طالب العلم يجب عليه أن يتلقَّى المسائل بدلائلها، وهذا هو الذي يُنجيه عند الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله سيقول له يوم القيامة: {{مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ}} [القصص: 65] ، ولن يقول: ماذا أجبتم المؤلِّفَ الفلاني، فإذاً لا بُدَّ أن نعرفَ ماذا قالت الرُّسل لنعمل به.
    ولكن التَّقليد عند الضَّرورة جائزٌ لقوله تعالى: {{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}} [النحل: 43] ، فإِذا كُنَّا لا نستطيع أن نعرف الحقَّ بدليله فلا بُدَّ أن نسأل؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن التَّقليد بمنزلة أكل الميتة، فإذا استطاع أن يستخرج الدَّليلَ بنفسه فلا يحلُّ له التقليد[(15)].

    من مُقْنعِ الإِمامِ ..................
    قوله: «من مُقْنِعِ» ، جار ومجرور، صفة لمختصر. و«مُقْنِع» اسم كتاب للموفّق رحمه الله، مؤلف «زاد المستقنع».
    قوله: «الإمام» ، هذا من باب التَّساهل بعض الشيءِ، لأن الموفَّق ليس كالإِمام أحمد، أو الشَّافعي، أو مالك، أو أبي حنيفة، لكنه إِمام مقيَّد، له مَنْ يَنْصُرُ أقوالَه ويأخذُ بها، فيكون إِماماً بهذا الاعتبار، أما الإِمامةُ التي مثل إِمامة الإِمام أحمد ومَنْ أشْبَهَهُ فإِنَّه لم يصلْ إلى دَرجتها.
    وقد كَثُر في الوقت الأخير إطلاق الإمام عند النَّاس؛ حتى إِنه يكون الملقَّب بها من أدنى أهل العلم، وهذا أمرٌ لو كان لا يتعدَّى اللفظَ لكان هيِّناً، لكنه يتعدَّى إلى المعنى؛ لأنَّ الإِنسان إِذا رأى هذا يُوصفُ بالإِمام تكون أقوالُه عنده قدوة؛ مع أنَّه لا يستحِقُّ. وهذا كقولهم الآن لكل مَنْ قُتِلَ في معركة: إِنَّه شهيد. وهذا حرام، فلا يجوز أن يُشْهَدَ لكل شخصٍ بعينه بالشَّهادة، وقد بَوَّبَ البخاريُّ رحمه الله على هذه المسألة بقوله: (بابٌ: لا يقول: فلانٌ شهيدٌ، وقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «واللَّهُ أعلمُ بمن يُجاهدُ في سبيله، والله أعلم بمن يُكْلَمُ في سبيله»)[(16)].
    وعمر بن الخطاب رضي الله عنه نهى عن ذلك[(17)].
    نعم يقال: من قُتِل في سبيل الله فهو شهيد، ومن قُتِل بهدمٍ، أو غرق فهو شهيد، لكن لا يُشْهَدُ لرَجُلٍ بعينه.
    ولو أنَّنَا سوَّغنا لأنفسنا هذا الأمر؛ لساغَ لنا أن نشهد للرَّجُلِ المعيَّن الذي مات على الإِيمان أنَّه في الجنَّة؛ لأنَّه مؤمنٌ، وهذا لا يجوز.

    المُوَفَّق أبي مُحَمَّد ...................
    قوله: «الموفَّق أبي محمَّد» ، الموفَّق: اسم مفعول، وهو لقب لهذا الرَّجل العالم رحمه الله[(18)].
    «والمقنع»: كتابٌ متوسِّطٌ يذكر فيه مؤلِّفُه القولين، والرِّوايتين، والوجهين، والاحتمالين في المذهب، ولكن بدون ذِكْرِ الأدلَّة أو التَّعليل إِلا نادراً.
    وله كتاب فوقه اسمه «الكافي» يذكر القولين، أو الرِّوايتين، أو الوجهين في المذهب، أو الاحتمالين، ولكنه يذكر الدَّليل والتَّعليل، إِلا أنَّه لا يخرج عن مذهب أحمد.
    وله كتاب فوق ذلك هو «المغني»، فقه مُقَارَنٌ يذكر القولين، والرِّوايتين عن الإِمام أحمد وغيره من علماء السَّلف والخلف.
    وله كتاب «العُمدة في الفقه» وهو مختصر على قول واحد، لكنه يذكر الأدلة مع الأحكام.
    ولذا قيل:
    وفي عصرنا كان الموفَّقُ حُجَّةً على فقهه الثَّبت الأصول معوَّل
    كفى الخلق بالكافي، وأقنع طالباً بمقنع فقه عن كتاب مطوَّل
    وأغنى بمغني الفقه مَنْ كان باحثاً وعمدته من يعتمدها يحصِّل
    وروضته ذات الأصول كروضة أماست بها الأزهار أنفاس شمأل
    تدلُّ على المنطوق أقوى دلالة وتحمل في المفهوم أحسن محمل
    وذلك مما قاله الأديب يحيى بن يوسف الصَّرصري من قصيدة طويلة يُثني بها على الله عزّ وجل ويمدح النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه رضي الله عنهم، ويذكر جماعة من التَّابعين وتابعيهم، ويَذكر الإِمام أحمد وجماعةً من أصحابه رحمهم الله تعالى[(19)].
    وقد تُوفِّيَ الموفَّق؛ عبد الله بن أحمد بن قُدامة المقدسي سنة (620هـ).

    على قَوْلٍ وَاحِدٍ، وهو الرَّاجِحُ ...................
    قوله: «على قولٍ واحد» ، بمعنى أنه لا يأتي بأكثرَ من قولٍ لأجل الاختصار؛ وعدم تشتيت ذهن الطَّالب.
    قوله: «وهو الرَّاجح» ، يعني: الرَّاجح من القولين، وقد لا يكون في المسألة إلا قولٌ واحد.

    في مَذْهَب أحْمَد.
    قوله: «في مذهب أحمد» ، المذهب في اللُّغَةِ: اسم لمكان الذَّهاب، أو زمانه، أو الذَّهاب نفسِه.
    وفي الاصطلاح: مذهب الشَّخص: ما قاله المجتهدُ بدليلٍ، ومات قائلاً به، فلو تغيَّر قولُه فمذهبه الأخير.
    وقولنا: ما قاله المجتهدُ. خرج به ما قاله المقلِّدُ؛ لأن المقلِّدَ لا مذهبَ له، وليس عنده علم، وقد تقدَّم حكايةُ ابنِ عبد البَرِّ الإِجماعَ على أنَّ المقلِّد ليس عالماً[(20)]، ولهذا قال ابنُ القيم رحمه الله في النونيَّة:
    العلم معرفةُ الهدى بدليله ما ذاك والتقليدُ يستويان[(21)]
    وأحمد: هو ابن حَنْبَل الشيباني، إِمام أهل السُّنَّة والفقه والحديث. فهو إِمام أهل السُّنَّة في العقائد والتَّوحيد، وإمام أهل الفقه في المسائل الفقهية، وإِمام أهل الحديث في روايته ونقد رجاله. وقد جرى عليه من المِحَنِ في ذات الله عزّ وجل، ما نرجو له به رِفْعَةَ الدَّرجات، وتكفير السَّيئات، ولم يصمُدْ أمام المأمون وأعوانه من المُحَرِّفين لكلام الله إِلا هو ونفرٌ قليل؛ ولكنَّه رحمه الله أشدُّهم وأوثقهم عند العامَّة؛ ولهذا كان النَّاس ينتظرون ما يقول أحمد في خلق القرآن، إلا أنَّه جزم بأنَّ القرآنَ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، حتى إِنهم كانوا يضربونه بالسِّياط فيُغشى عليه، ويجرُّونه في الأسواق، فأثابه الله بأن جعله إماماً {{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ *}} [السجدة] .
    واعلمْ أن قول العلماء: مذهب فلان، يُراد به أمران:
    الأول: المذهب الشَّخصي.
    الثاني: المذهب الاصطلاحي.
    والغالب عند المتأخِّرين إذا قالوا: هذا مذهب الشَّافعي، أو أحمد، أو ما أشبه ذلك، فالمراد المذهب الاصطلاحي، حتى إِنَّ الإِمام نفسَه قد يقول بخلاف ما يُسمَّى بمذهبه، ولكنهم يجعلون مذهبه ما اصطلحوا عليه.
    ومُراد المؤلِّف هنا بمذهب أحمد: المذهب الاصطلاحي.

    ورُبَّما حَذَفْتُ مِنْهُ مَسَائِلَ نَادِرَةَ الوقُوعِ، وزِدْتُ مَا على مِثْلِه يُعتَمد؛..............
    قوله: «وربما حَذفتُ منه مسائلَ» ، منه: الضَّميرُ عائدٌ على «المقنع».
    والمسائل: جمع مسألة، والمسألة ما يُستدلُّ له في العلم؛ ولهذا قالوا: العلم دلائل ومسائل. والدلائل سمعية: إِن كانت نصاً من كتاب أو سُنَّة أو إجماع، أو عقليَّة: إن كانت قياساً.
    قوله: «نادرةَ الوقوعِ» ، يعني: قليلة الوقوع؛ لأن المسائل النادرة لا ينبغي للإنسان أن يشغل بها نفسه.
    قوله: «وزدتُ ما على مثله يُعتَمد» ، «ما» اسم موصول بمعنى الذي، صلتها قوله: «يعتمد»، و«على مثله» متعلِّق بـ«يعتمد»، والمعنى: زدت من المسائل أشياء مهمة يُعتمد عليها.
    إذاً؛ هذا الكتاب اشتمل على ثلاثة أمور:
    الأول: الاقتصار على قول واحد.
    الثاني: حذف المسائل النادرة.
    الثالث: زيادة ما يُعتمد عليه من المسائل.

    إِذ الهِمَمُ قَد قَصُرَتُ، والأسباب المثبِّطَة عن نيل المُرادِ قد كَثُرَتْ.
    قوله: «إِذ الهِمَمُ قد قَصُرَتْ» ، إذ: حرف تعليل، والهمم مبتدأ، وجملة «قد قصرت» خبره.
    والهمم: جمع همَّة وهي الإِرادة الجازمة، وقد يُراد بالهمَّة ما دون الإرادة الجازمة، وهي شاملة لهذا وهذا.
    والجملة تعليلٌ لقوله: «مختصر»، و«حَذفتُ».
    قوله: «والأسباب المثبِّطةُ عن نيل المراد قد كَثُرت» ، مع قصور الهمم هناك صوارف، ولهذا قال: «والأسباب... إلخ».
    الأسباب: جمع سبب، وهو في اللغة: ما يُتَوَصَّلُ به إلى المطلوبِ، وهو المراد هنا.
    قوله: «المثبِّطة» بمعنى المفتِّرة للهمم.
    قوله: «قد كثُرت»، ولكن مع الاستعانة بالله عزّ وجل وبذل المجهود يحصُل المقصود. وليُعلَمْ أنه كلَّما قَويَ الصَّارف، فإِن الطَّالب في جهاد، وأنه كلَّما قوِيَ الصَّارف ودافعه الإِنسان فإِنه ينال بذلك أجرين: أجر العمل، وأجر دفع المقاوم؛ ولهذا قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إن أيام الصَّبر للعامل فيهن أجر خمسين من الصَّحابة»[(22)]. لأن هناك أسباباً مثبِّطة كثيرة، ولكن إِذا أَعْرَضْتَ فهذه المصيبة.
    والذُّنوب من أكبر العوائق. قال الله تعالى: {{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ}} [المائدة: 49] . وهذا دليل على أنَّ تولِّي الإِنسان عن الذِّكر سببه الذُّنوب، ولكن مع الاستغفار وصدق النيَّة يُيسِّر الله الأمر.
    واستنبط بعض العلماء من قوله تعالى: {{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا *وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا *}} [النساء] ، أنَّه ينبغي للإِنسان إذا نزلت به حادثةٌ، سواءٌ إِفتاء أو حكم قضائيٌّ، أن يُكْثِرَ من الاستغفار[(23)]؛ لأنَّ الله قال: {{لِتَحْكُمَ}} ثم قال: {{وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ}} وهذا ليس ببعيد؛ لأنَّ الذُّنوب تمنع من رؤية الحقِّ، قال تعالى: {{كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ *}} [المطففين] .

    ومعَ صغَر حجمه حَوَى ما يُغْني عن التَّطوِيلِ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلاَّ بِالله،...........
    قوله: «ومع صغر حجمه حَوى ما يُغني عن التَّطويل» ، حوى: جَمَعَ، وهو أجمع من كتاب الشيخ مرعي رحمه الله «دليل الطَّالب»، و«دليل الطَّالب» أحسن من هذا ترتيباً؛ لأنه يذكر الشُّروط، والأركان، والواجبات، والمستحبَّات، على وجه مفصَّل.
    قوله: «ولا حول ولا قُوَّة إلا بالله» ، لا: نافية للجنس، والحَوْلُ:التَّحوُّل وتَغيُّر الشيء عن وجهه.
    والقوَّة: صفة يستطيع بها القويُّ أن يفعل بدون ضعف.
    قوله: «إلا بالله»، الباء للاستعانة. فكأن المؤلِّف استعان بالله تعالى أن يُيَسِّرَ له الأمر.

    وهو حَسبُنَا، ونِعْمَ الْوَكِيلُ.
    قوله: «وهو حسبنا» ، الضَّمير «هو» عائدٌ إلى الله، والحَسْبُ بمعنى الكافي، وكلُّ من توكَّلَ على الله فهو حَسْبُه، كما قال تعالى: {{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}} [الطلاق: 3] ، ومن لا يتوكَّل عليه فليس الله حَسْبَه، بل هو موكول إلى من توكَّل عليه.
    قوله: «ونِعْمَ الوكيل» ، الوكيل: فاعل، وقال النَّحْويُّون: إن «نِعْم» يحتاج إلى فاعل ومخصوص. والمخصوص هنا محذوفٌ والتَّقدير: نِعْمَ الوكيل الله.
    والوكيل: هو الذي فُوِّضَ إليه الأمر. فيكون تفويضنا الأمر إلى الله تفويضَ افتقار وحاجة؛ لأنه هو الذي منه الإعداد والإِمداد، كما أنَّه هو الذي منه الإِيجاد.
    ونظيرُ هذا في القرآن قوله تعالى: {{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ *}} [آل عمران] .
    قال ابن عباس رضي الله عنهما: «قالها إبراهيمُ عليه الصَّلاة والسَّلام حين أُلقيَ في النَّار»[(24)] دفعاً للمكروه، وطلباً للمحبوب وهو النَّجاة.

    --------------------------------------------

    [1] مثال ذلك ما جاء في الحديث بلفظ: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إِلى هِرَقل عظيم الروم...» الحديث. رواه البخاري، كتاب بدء الوحي، رقم (7)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير: باب كتاب النبي صلّى الله عليه وسلّم إِلى هِرَقل، رقم (1773) من حديث ابن عباس عن أبي سفيان.
    [2] رواه ابن ماجه، كتاب الأدب: باب فضل الحامدين، رقم (3803)، والطبراني في «الدعاء»، رقم (1769)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة»، رقم (378)، والحاكم (1/499) من طرق عن الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن منصور بن عبد الرحمن، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة به.
    وهذا إِسناد ضعيف. زهير بن محمد ثقة؛ إِلا أن رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة؛ والراوي عنه الوليد بن مسلم دمشقي. أضف إِلى ذلك أن الوليد كثير التدليس والتسوية وقد عنعن.
    إِلا أن للحديث شواهد ـ يتقوَّى بها ـ من حديث ابن عباس، وعلي بن أبي طالب، وأبي هريرة، وغيرهم.
    انظر: «الأسماء والصفات» للبيهقي، رقم (150)، و«الدعاء» للطبراني، رقم (1770)، و«تاريخ بغداد» (3/131)، و«مسند البزار»، رقم (533)، و«شرح السنة» للبغوي، رقم (1380)، و«الحلية» لأبي نعيم (3/157).
    [3] انظر: «جلاء الأفهام» ص(256 ـ 276).
    [4] رواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم، كتاب التفسير: باب «إِن الله وملائكته يُصَلُّون على النبي»، رقم (4797).
    [5] قال تعالى: «{{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}} [الأحزاب: 40]».
    وروى البخاري، كتاب المناقب: باب خاتم النبيين، رقم (3535)، ومسلم، كتاب الفضائل: باب ذكر كونه خاتم النبيين، رقم (2286) بلفظ: «وأنا خاتم النبيين».
    [6] رواه أحمد (1/257) من حديث ابن عباس. قال ابن كثير: «إِسناده صحيح ولم يخرِّجوه». التفسير (5/26) (الإِسراء: 1). وله شاهد من حديث أنس بن مالك رواه النسائي، كتاب الصلاة: باب فرض الصلاة، (1/221) رقم (449).
    [7] حديث الشفاعة العُظمى رواه البخاري، كتاب الرقاق: باب صفة الجنة والنار، رقم (6565)، وفي كتاب التفسير: باب {{ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ}}، رقم (4712)، ومسلم كتاب الإِيمان: باب أدنى أهل الجنة منزلة رقم (193، 194).
    [8] رواه مسلم، كتاب الفضائل: باب فضل نسب النبي صلّى الله عليه وسلّم رقم (2276) إِلى قوله:«واصطفاني من بني هاشم»، من حديث واثلة بن الأسقع.
    وأما قوله: «فأنا خيار من خيار»، فرواه الطبراني في «الكبير» (12/رقم 13650)، وفي «الأوسط» رقم (6182) عن ابن عمر. قال الهيثمي: «فيه حمَّاد بن واقد وهو ضعيف يُعتبر به». «المجمع» (8/215).
    قال ابن حجر: «هذا حديث حسن... وحماد بن واقد لم ينفرد به، فقد رواه معه عبد الله بن بكر السهمي، وهو من رجال الصحيحين. وأما شيخهما محمد بن ذكوان فمختلف فيه، فحديثه حسن في الجُملة». «الأمالي المطلقة» لابن حجر ص(68).
    [9] رواه البخاري كتاب الاستئذان: باب السلام اسم من أسماء الله، رقم (6230)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب التشهد في الصلاة، رقم (402) بمعناه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
    [10] انظر: «مجموع الفتاوى» (20/188 ـ 191)، «جلاء الأفهام» ص(338).
    [11] انظر: «الروض المربع» (1/10).
    [12] انظر: «الروض المربع» (1/10)، «المصباح المنير» (1/170).
    [13] انظر: «مجموع الفتاوى» (19/307).
    [14] انظر: «جامع بيان العلم وفضله» ص(449، 452).
    [15] انظر: «مجموع الفتاوى» (20/203، 204).
    [16] رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم، كتاب الجهاد والسير: باب لا يقول فلان شهيد، رقم (2898).
    [17] رواه أحمد (1/48)، والنسائي، كتاب النكاح: باب القسط في الأصدقة، (6/119)، رقم (3349).
    قال الحافظ ابن حجر: «هو حديث حسن». «الفتح» شرح حديث رقم (2898).
    [18] انظر ترجمته في: «ذيل طبقات الحنابلة» (2/133).
    [19] انظر: «ذيل طبقات الحنابلة» (2/141).
    [20] انظر: ص(16).
    [21]انظر: «القصيدة النونية» ص(77).
    [22] رواه أبو داود، كتاب الملاحم: باب الأمر والنهي، رقم (4341)، والترمذي، كتاب تفسير القرآن: باب (ومن سورة المائدة)، رقم (3058) وقال: «حسن غريب»، وابن ماجه، كتاب الفتن: باب قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}} بمعناه من حديث أبي ثعلبة الخشني، وإِسناده ضعيف.
    إِلا أن له شاهداً من حديث ابن مسعود يتقوَّى به، رواه البزار رقم (1776)، والطبراني في «الكبير» رقم (10394)، قال الهيثمي: «ورجال البزار رجال الصحيح غير سهل بن عامر البجلي وثقة ابن حبان»، المجمع (7/282).
    [23] انظر: «إِعلام الموقعين» (4/172).
    [24] رواه البخاري، كتاب التفسير: باب {{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ}...} الآية، رقم (4563).



     



  3. رقم #3
     Icon200  العنوان : رد: الشرح الممتع على زاد المستقنع (متجدد)
    كاتب الموضوع : أبو رمزي
    بتاريخ : 18 Jul 2009 الساعة : 08:29 AM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية أبو رمزي

    رقم العضوية : 16928
    الانتساب : Jun 2009
    المشاركات : 1,330
    بمعدل : 0.44 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 11
    التقييم : Array
    أبو رمزي غير متصل



    · باب الآنية

    بابُ الآنية
    قوله: «باب» الباب: هو ما يُدخَلُ منه إلى الشَّيء، والعُلماء رحمهم الله تعالى يضعون: كتاباً، وباباً، وفصلاً.
    فالكتاب: عبارة عن جملة أبواب تدخل تحت جنس واحد، والباب نوع من ذلك الجنس كما نقول: «حَبٌّ» فيشمل الشعيرَ، والذُّرةَ، والرُّزَّ، لكنَّ الشعير شيءٌ، والرُّز شيءٌ آخر.
    فمثلاً: كتاب الطَّهارة يشمل كلَّ جنس يصدق عليه أنه طهارة، أو يتعلَّق بها.
    لكن الأبواب أنواع من ذلك الجنس، كباب المياه، وباب الوُضُوء، وباب الغسل ونحو ذلك.
    أما الفصول: فهي عبارة عن مسائل تتميَّز عن غيرها ببعض الأشياء، إِما بشروط أو تفصيلات.
    وأحياناً يُفَصِّلون الباب لطول مسائله، لا لأن بعضها له حكمٌ خاصٌّ، ولكن لطول المسائل يكتبون فصولاً.
    قوله: «الآنية» ، جمع إِناء، وهو الوعاء، وذكرها المؤلِّفُ هنا، وإِن كان لها صلة في باب الأطعمة ـ لأن الأطعمة لا تؤكل إِلا بأوانٍ ـ لأنَّ لها صلة في باب المياه، فإِن الماء جوهر سيَّال لا يمكن حفظه إلا بإِناء؛ ولذلك ذكروا باب الآنية بعد باب المياه، ومعلوم أنَّ من الأنسب إِذَا كان للشيء مناسبتان أن يُذكرَ في المناسبة الأولى ويُحَالُ عليه في الثَّانية؛ لأنَّه إِذا أُخِّرَ إِلى المناسبة الثَّانية فاتت فائدتُه في المناسبة الأولى، لكن إِذا قُدِّم في المناسبة الأولى؛ لم تَفُتْ فائدته في المناسبة الثانية اكتفاءً بما تقدَّم.
    والأصل في الآنية الحِلُّ، لأنها داخلة في عموم قوله تعالى: {{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا}} [البقرة: 29] ومنه الآنية؛ لأنها مما خُلِقَ في الأرض، لكن إِذا كان فيها شيء يوجب تحريمها، كما لو اتُّخذت على صورة حيوان مثلاً فهنا تحرم، لا لأنها آنية، ولكن لأنها صارت على صورة محرَّمةٍ.
    والدَّليل من السُّنَّة قوله صلّى الله عليه وسلّم: «وما سَكَتَ عنه فهو عَفْوٌ»[(89)].
    وقوله أيضاً: «إن الله فَرَض فرائض فلا تضيِّعوها، وحَدَّ حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمةً بكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها»[(90)].
    فيكون الأصل فيما سَكَتَ اللَّهُ عنه الحِلَّ إِلا في العبادات، فالأصل فيها التَّحريم؛ لأن العبادة طريقٌ موصلٌ إلى الله عزّ وجل، فإذا لم نعلم أن الله وضعه طريقاً إليه حَرُمَ علينا أن نتَّخذه طريقاً، وقد دلَّت الآيات والأحاديث على أن العبادات موقوفةٌ على الشَّرع.
    قال تعالى: {{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}} [الشورى: 21] ، فدلَّ على أن ما يَدينُ العبد به ربَّه لا بُدَّ أن يكون الله أَذِنَ به.
    وقال صلّى الله عليه وسلّم: «إيَّاكم ومحدثات الأمور، فإِن كُلَّ بدعةٍ ضلالة»[(91)].
    ولا فرق في إِباحة الآنية بين أن تكونَ الأواني صغيرةً أو كبيرةً، فالصَّغير والكبير مباح، قال تعالى عن نبيه سليمان صلّى الله عليه وسلّم: {{يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ}} [سبأ: 13] .
    الجَفْنَة: تشبه الصَّحفة. وقوله: «وقُدورٍ راسيات» لا تُحْمل لأنَّها كبيرة، راسية لكثرة ما يُطبخ فيها، فتبقى على مكانها، ولكن إذا خرج ذلك إلى حدِّ الإِسراف صار محرَّماً لغيره، وهو الإِسراف لقوله تعالى: {{إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}} [الأعراف: 31] .

    كُلُّ إِناءٍ طَاهِرٍ، ولو ثَمِيناً ............
    قوله: «كلُّ إناءٍ طاهر» ، هذا احتراز من النَّجس، فإِنَّه لا يجوز استعماله؛ لأنَّه قذر، وفيما قال المؤلِّفُ نظر، لأن النَّجس يباح استعمالُه إِذا كان على وجه لا يتعدَّى، والدَّليل على ذلك حديث جابر رضي الله عنه أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال حين فتح مكَّة: «إِن الله حرَّم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام»، قالوا: يا رسول الله؛ أرأيت شُحوم الميتة، فإِنَّها تُطلى بها السُّفن، وتُدهن بها الجلود، ويَستصبح بها النَّاس، فقال: «لا، هو حرام»[(92)]. فأقرَّ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم هذا الفعل مع أنَّ هذه الأشياء نجسة، فدلَّ ذلك على أن الانتفاع بالشيء النَّجس إذا كان على وجه لا يتعدَّى لا بأس به، مثاله أن يتَّخذ «زِنْبِيلاً» نجساً يحمل به التُّراب ونحوه، على وجهٍ لا يتعدَّى.
    قوله: «ولو ثميناً» ، «لو»: إِشارة خلاف، والمعنى: ولو كان غالياً مثل: الجواهر، والزُّمرُّد، والماس، وما شابه ذلك فإنه مباح اتَّخاذه واستعماله.
    وقال بعضُ العلماء: إِنَّ الثمين لا يُباح اتِّخاذه واستعماله، لما فيه من الخُيلاء، والإِسراف[(93)]، وعلى هذا يكون تحريمُه لغيره لا لذاته، وهو كونُه إسرافاً وداعياً إِلى الخُيلاء والفخر، لا لأنَّه ثمين.

    يُبَاحُ اتخاذُهُ واستِعْمَالُه، إلا آنيةَ ذَهَبٍ وفضَّةٍ،...............
    قوله: «يُباحُ اتِّخاذه واستعماله» ، «يُباحُ»: خبر المبتدأ وهو قوله: «كلُّ إِناء»، والتَّركيب هنا فيه شيء من الإِيهام؛ لأن قوله: «يُباح اتِّخاذُه واستعمَالُه» قد يَتَوَهَّم الواهم أنَّها صفة لا أنها خبر، ويتوقَّعُ الخبرَ، ولهذا لو قال: يُباح كُلُّ إِناءٍ طاهر ولو ثميناً. لكان أَوْلَى، ولكن على كُلِّ حالٍ المعنى واضح.
    وقوله: «اتِّخاذُه واستعمَالُه»، هناك فرق بين الاتِّخاذ والاستعمال، فالاتِّخاذ هو: أن يقتنيَه فقط إِما للزِّينة، أو لاستعماله في حالة الضَّرورة، أو للبيع فيه والشِّراء، وما أشبه ذلك.
    أما الاستعمال: فهو التلبُّس بالانتفاع به، بمعنى أن يستعمله فيما يستعمل فيه.
    فاتِّخاذها جائز، وإِن زادت على قَدْرِ الحاجة، فلو كان عند إِنسان إِبريق شاي وأراد أن يشتريَ إِبريقاً آخر جاز له ذلك، بمعنى أنه يجوز اتِّخاذه وإِن لم يستعمله الآن، لكن اتَّخذه لأنه رُبَّما يحتاجه فيبيعه، أو يستعيره منه أحد، أو يفسد ما عنده، أو يأتي ضيوف لا يكفيهم ما عنده.
    قوله: «إلا آنيةَ ذهب وفضَّة» ، من القواعد الأصولية: «أَن الاستثناء معيار العُمُوم».
    يعني: لو أنَّ أحداً استثنى من كلام عام فإِن ما سوى هذه الصُّورة داخل في الحكم، وعلى هذا فكلُّ شيء يُباحُ اتِّخاذه إِلا آنيةَ الذَّهب والفضَّة.
    وذكر بعض الفقهاء استثناءً آخر فقال: إلا عظم آدميٍّ وجلده، فلا يُباح اتِّخاذه واستعماله آنيةً، لأنَّه محترمٌ بحرمته[(94)]، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «كَسْرُ عظمِ الميِّتِ ككسره حيًّا»[(95)]، وإِسناده صحيح.
    قوله: «ذهب» معروف؛ وهو المعدِن الأحمر الثَّمين الذي تتعلَّقُ به النُّفوس، وتحبُّه، وتميل إِليه، وقد جعل الله في فطر الخلق الميلَ إلى هذا الذَّهب؛ وكذلك الفضَّة، وهي في نفوس الخلق دون الذَّهب؛ ولهذا كان تحريمُها أخفَّ من الذَّهب.
    وقوله: «إلا آنية ذهبٍ وفضَّةٍ» يشمل الصَّغير، والكبير حتى الملعقة، والسِّكين.

    ومُضَبَّباً بهما، فإنه يحرُمُ اتخاذُها واستعمالُها، ولو على أنثى..............
    قوله: «ومُضَبَّباً بهما، فإِنه يحرُمُ اتخاذُها واستعمالُها، ولو على أنثى» ، الضبَّةُ: التي أخذ منها التضبيب، وهي شريطٌ يَجْمَعُ بين طرفي المنكسر، فإِذا انكسرت الصَّحفَةُ من الخشب يخرزونها خرزاً، وهذا في السَّنوات الماضية، فيكون المضبَّبُ بهما حراماً، وسواءٌ كان خالصاً أو مخلوطاً إِلا ما استُثني. والدَّليل: حديث حذيفة رضي الله عنه: «لا تشربوا في آنية الذَّهب والفضَّة، ولا تأكلوا في صحافها، فإِنَّها لهم في الدُّنيا ولكم في الآخرة»[(96)].
    وحديث أمِّ سلمة رضي الله عنها: «الذي يشربُ في آنية الفضَّة فإنما يجرجرُ في بطنه نارَ جَهنَّمَ»[(97)] ، والنهي للتَّحريم، وفي حديث أمِّ سلمة توعَّده بنار جهنَّم، فيكون من كبائر الذُّنوب.
    فإن قيل: الأحاديث في الآنية نفسِها، فكيف حُرِّم المضبَّبُ؟
    فالجواب: أنه ورد في حديث رواه الدَّارقطني: «إِنَّه من شَرِب في آنية الذَّهب والفِضَّة، أو في شيء فيه منهما»[(98)].
    وأيضاً: المحرَّم مفسدةٌ، فإِن كان خالصاً فمفسدتُه خالصة، وإِن لم يكن خالصاً ففيه بقدْرِ هذه المفسدة.
    ولهذا فكلُّ شيء حرَّمه الشَّارع فقليله وكثيره حرام؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «وما نهيتكم عنه فاجتنبوه»[(99)].
    وعندنا هنا ثلاث حالات: اتِّخاذ، واستعمال، وأكل وشرب.
    أمَّا الأكل والشُّرب فيهما فهو حرام بالنَّص، وحكى بعضهم الإجماع عليه[(100)].
    وأما الاتِّخاذ فهو على المذهب حرام، وفي المذهب قول آخر[(101)]، وهو محكِيٌ عن الشَّافعي رحمه الله أنه ليس بحرام[(102)].
    وأما الاستعمال فهو محرَّم في المذهب قولاً واحداً.
    والصَّحيح: أن الاتِّخاذ والاستعمال في غير الأكل والشُّرب ليس بحرام؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عن شيء مخصوص وهو الأكل والشُّرب، ولو كان المحرَّم غيرَهما لكان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ـ وهو أبلغُ النَّاس، وأبينهم في الكلام ـ لا يخصُّ شيئاً دون شيء، بل إِن تخصيصه الأكل والشرب دليل على أن ما عداهما جائز؛ لأنَّ النَّاس ينتفعون بهما في غير ذلك.
    ولو كانت حراماً مطلقاً لأَمَر النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بتكسيرها، كما كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم لا يدعُ شيئاً فيه تصاوير إلا كسره أو هتكه[(103)]، لأنها إِذا كانت محرَّمة في كل الحالات ما كان لبقائها فائدة.
    ويدلُّ لذلك أن أمَّ سلمة ـ وهي راوية الحديث ـ كان عندها جُلجُل من فِضَّة جعلت فيه شعَرات من شعر النبي صلّى الله عليه وسلّم فكان الناس يستشفون بها، فيُشفون بإِذن الله، وهذا في «صحيح البخاري[(104)]»، وهذا استعمال في غير الأكل والشرب.
    فإن قال قائل: خصَّ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم الأكل والشرب لأنَّه الأغلب استعمالاً؛ وما علِّق به الحكم لكونه أغلب لا يقتضي تخصيصه به كقوله تعالى: {{وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ}} [النساء: 23] ، فتقييد تحريم الرَّبيبة بكونها في الحجر لا يمنع التَّحريم، بل تَحرُمُ، وإِن لم تكن في حِجره على قول أكثر أهل العلم[(105)]؟
    قلنا: هذا صحيح، لكن كون الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم يُعلِّق الحكم بالأكل والشُّرب؛ لأن مَظْهَرَ الأمة بالتَّرف في الأكل والشُّرب أبلغُ منه في مظهرها في غير ذلك، وهذه عِلَّة تقتضي تخصيص الحكم بالأكل والشُّرب، لأنه لا شكَّ أنَّ الذي أوانيه في الأكل والشُّرب ذهب وفِضَّة، ليس كمثل من يستعملها في حاجات تَخْفَى على كثير من النَّاس.
    وقوله: «ومضبَّباً بهما... إلخ» يشمل الرِّجال والنِّساء، فلا يجوز للمرأة أواني الذَّهب والفِضَّة.
    فإن قيل: أليس يجوز للمرأة أن تتحلَّى بالذَّهب؟
    فالجواب: بلى، ولكن الرَّجل لا يجوز له ذلك.
    فإن قيل: فما الفرق بين اتِّخاذ الحُلي واتِّخاذ الآنية واستعمالها فأُبيح الأوَّل دون الثاني؟
    فالجواب: أنَّ الفرق أنَّ المرأة بحاجة إلى التجمُّل، وتجمُّلها ليس لها وحدها، بل لها ولزوجها، فهو من مصلحةِ الجميع، والرَّجل ليس بحاجة إِلى ذلك فهو طالب لا مطلوب، والمرأة مطلوبة، فمن أجل ذلك أُبيح لها التَّحلِّي بالذَّهب دون الرَّجل، وأما الآنية فلا حاجة إِلى إِباحتها للنِّساء فضلاً عن الرِّجال.

    وتَصِحُّ الطهارةُ منها، ...................
    قوله: «وتصحُّ الطَّهارة منها» ، يعني: تصح الطَّهارة من آنية الذَّهب والفضَّة، فلو جعل إِنسان لوضوئه آنيةً من ذهب، فالطَّهارة صحيحةٌ، والاستعمال محرَّمٌ.
    وقال بعض العلماء: إِن الطَّهارة لا تصحُّ[(106)]، وهذا ضعيف؛ لأنَّ التَّحريم لا يعود إِلى نفس الوُضُوء، وإِنما يعود إلى استعمال إِنائه، والإِناء ليس شرطاً للوُضُوء، ولا تتوقَّف صِحَّة الوُضُوء على استعمال هذا الإِناء.
    فالطَّهارة تصحُّ من آنية الذهب والفِضَّة، وبها، وفيها، وإِليها.
    منها: بأن يغترف من الآنية.
    بها: أي يجعلها آلةً يصبُّ بها، أي: يغرف بآنية من ذهب فيصبُّ على رجليه، أو ذراعه.
    فيها: بمعنى أن تكون واسعة ينغمس فيها.
    إليها: بأن يكون الماء الذي ينزل منه؛ ينزل في إِناء من ذهب.
    فحروف الجرِّ هنا غيَّرت المعنى، وهذا دليل على قُوَّة فقه اللُّغة العربية.

    إلا ضَبَّةً يسيرةً من فضةٍ لحاجةٍ .................
    قوله: «إِلا ضبَّةً يسيرةً من فِضَّة لحاجةٍ» ، هذا مستثنى من قوله: «يَحْرُم اتِّخاذها واستعمالها».
    فشروطُ الجواز أربعةٌ:
    1 ـ أن تكون ضبَّةً.
    2 ـ أن تكون يسيرةً.
    3 ـ أن تكون من فضَّةٍ.
    4 ـ أن تكون لحاجةٍ.
    والدَّليل على ذلك: ما ثبت في «صحيح البخاري» من حديث أنس رضي الله عنه: «أن قدح النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم انكسر فاتَّخذ مكان الشَّعْب سلسلة من فِضَّة»[(107)].
    فيكون هذا الحديث مخصِّصاً لما سبق.
    فإن قيل: من أين أخذتم اشتراط كونها يسيرة؟
    قلنا: إن هذا هو الغالب في القدح، يعني كونه صغيراً، والغالب أنَّه إِذا انكسر، فإِنه لا يحتاج إلى شيء كثير، والأصل التَّحريم، فنقتصر على ما هو الغالب.
    فإن قيل: أنتم قلتم ضبَّة، وهي ما يُجْبَرُ بها الإِناء، فلو جعل الإنسان على خرطوم الإِبريق فِضَّة؛ فَلِمَ لا يجوز؟
    أُجِيبَ: بأن هذا ليس لحاجة، وليس ضَبَّة، بل زيادة وإِلحاق.
    فإن قيل: لماذا اشترطتم كونها من فضَّة: لِمَ لا تقيسون الذَّهب على الفِضَّة؟
    نقول: إِن النصَّ لم يرد إِلا في الفِضَّة، ثم إِن الذَّهب أغلى وأشدُّ تحريماً، ولهذا في باب اللِّباس حُرِّم على الرَّجُل خاتمُ الذَّهب، وأُبيح له خاتمُ الفِضَّة، فدلَّ على أن الفِضَّة أهون، حتى إِن شيخ الإسلام رحمه الله قال في باب اللِّباس: إِن الأصل في الفِضَّة الإِباحة وأنها حلال للرِّجَال، إِلا ما قام الدَّليل على تحريمه[(108)].
    وأيضاً: لو كان الذَّهب جائزاً لجَبَر النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم به الكسر؛ لأن الذَّهب أبعد من الصدأ بخلاف الفِضَّة، ولهذا لما اتَّخذ بعض الصَّحابة أنفاً من فِضَّة ـ لما قُطعَ أنفُه في إِحدى المعارك (يوم الكُلاب في الجاهليَّة) ـ أنتن، فأمرهُ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أن يتَّخذ أنفاً من ذهب[(109)] ، لأنه لا يُنتن.
    ومأخذ اشتراط الحاجة في الحديث: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يتَّخذْها إِلا لحاجة، وهو الكسر.
    قوله: «لحاجة»، قال أهل العلم: الحاجة أن يتعلَّق بها غرضٌ غير الزِّينة[(110)]، بمعنى أن لا يتَّخذها زينة. قال شيخ الإِسلام: وليس المعنى: ألا يجدَ ما يجبر به الكسرَ سواها؛ لأن هذه ليست حاجة، بل ضرورة[(111)]، والضَّرورة تُبيحُ الذَّهبَ والفضة مفرداً وتبعاً، فلو اضطر إِلى أن يشرب في آنية الذَّهب فله ذلك، لأنَّها ضرورة.

    وتُكْره مباشرتُها لغير حاجةٍ ..................
    قوله: «وتُكره مباشرتها لغير حاجة» ، أي: تُكره مباشرة الضَّبَّة اليسيرة، ومعنى مباشرتها: أنَّه إِذا أراد أن يشرب من هذا الإِناء المضبَّب شرب من عند الفِضَّة، فيباشرها بشفتيه وهي حلال. والمكروه عند الفقهاء: ما نُهي عنه لا على سبيل الإِلزام بالتَّرك. وحكمه: أنه يُثابُ تاركُه امتثالاً، ولا يُعاقبُ فاعلُه، بخلاف الحرام، فإن فاعله يستحقُّ العقوبة، وهذا في اصطلاح الفقهاء.
    أما في القرآن والسُّنَّة، فإن المكروه يأتي للمحرَّم، ولهذا لما عدَّد الله تعالى أشياء محرَّمة في سورة الإسراء قال: {{كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا *}} [الإسراء] .
    وقال صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله كَرِهَ لكم قيل وقال، وكَثْرَةَ السُّؤال، وإِضاعة المال»[(112)].
    والكراهة: حُكم شرعيٌّ لا تثبت إِلا بدليل، فمن أثبتها بغير دليل، فإِننا نردُّ قوله، كما لو أثبت التَّحريم بلا دليل، فإِننا نردُّ قوله.
    وبناءً على هذه القاعدة ننظر إلى كلام المؤلِّف، قال: «تُكره مباشرتها لغير حاجة»، فإن احتاج إِليها بأن كان الإِناء يتدفَّق لو لم يشرب من هذه الجهة، أو جعل الإِناء على النَّار، وصارت الجهة التي ليست فيها الضَّبَّة حارَّة لا يستطيع أن يشرب منها، وشرب من الجهة الباردة التي فيها الضَّبَّة، فهذه حاجة فله أنْ يشربَ، ولا كراهة.
    فإِن لم يحتج فكلام المؤلِّفِ صريح في أنه تُكره مباشرتها.
    والصَّواب: أنه ليس بمكروه، وله مباشرتها؛ لأن الكراهة حكم شرعيٌّ يُحتاج في إِثباته إِلى دليل شرعي، وما دام ثبت بمقتضى حديث أنس المتقدّم أنها مباحة، فما الذي يجعل مباشرتها مكروهة؟ وهل ورد أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يتوقَّى هذه الجهة من قدحه؟
    الجواب: لا، فالصَّحيح أنَّه لا كراهة؛ لأن هذا شيء مباح؛ ومباشرة المباح مباحة.

    وتُبَاحُ آنيةُ الكُفَّارِ ـ ولو لم تحلَّ ذَبَائِحُهُم ـ وثيابهم إن جهل حالها.
    قوله: «وتُباح آنية الكفار» ، قوله: «آنية» بالرَّفع على أنها نائب فاعل.
    قوله: «ولو لم تحلَّ ذبائحهم» ، بالرَّفع على أنها فاعل «تحلَّ».
    قوله: «وثيابهم إِن جُهل حالها» ، بالرَّفع على أنها معطوفة على «آنية» وكلام المؤلِّف رحمه الله يوهم أنها معطوفة على «ذبائحهم».
    ولو قال: وتُباحُ آنيةُ الكفَّار وثيابُهم إِن جُهِلَ حالها، ولو لم تحلَّ ذبائحهم. لسَلِمَ من هذا الإيهام.
    وقوله: «الكفَّار» يشمل الكافر الأصلي والمرتد.
    وقوله: «ولو لم تحِلَّ ذبائحُهُم» إِشارة خلاف[(113)]. والكفَّار الذين تَحِلُّ ذبائحُهم هم اليهود والنَّصارى فقط. لقوله تعالى: {{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ}} [المائدة: 5] . والمراد بطعامهم ذبائحهم كما فسَّر ذلك ابن عباس رضي الله عنهما[(114)]، وليس المراد خبزهم وشعيرهم وما أشبه ذلك؛ لأن ذلك حلال لنا منهم ومن غيرهم، ولا تحلُّ ذبائح المجوس، والدَّهريِّين، والوثنيِّين وغيرهم من الكفار، أما آنيتهم فتحلُّ. فإن قال قائل: ما هو الدَّليل؟
    قلنا: عموم قوله تعالى: {{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا}} [البقرة: 29] ، ثم إن أهل الكتاب إذا أباح الله لنا طعامهم، فمن المعلوم أنهم يأتون به إلينا أحياناً مطبوخاً بأوانيهم، ثم إِنَّه ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم دعاه غلام يهوديٌّ على خبز شعير، وإِهالة سَنِخَة[(115)] فأكل منها. وكذلك أكل من الشَّاة المسمومة التي أُهديت له صلّى الله عليه وسلّم في خيبر[(116)]. وثبت أنَّه صلّى الله عليه وسلّم توضَّأ وأصحابه من مزادة امرأة مشركة[(117)]، كلُّ هذا يدلُّ على أن ما باشر الكُفَّار، فهو طاهر.
    وأما حديث أبي ثعلبة الخشني أن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تأكلوا فيها، إلا ألا تجدوا غيرها، فاغسلوها وكلوا فيها»[(118)].
    فهذا يدلُّ على أن الأَوْلَى التنزُّه، ولكن كثيراً من أهل العلم حملوا هذا الحديث على أناس عُرفوا بمباشرة النَّجاسات من أكل الخنزير، ونحوه، فقالوا: إن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم منع من الأكل في آنيتهم إِلا إذا لم نجد غيرها، فإِننا نغسلها، ونأكل فيها[(119)]. وهذا الحمل جيد، وهو مقتضى قواعد الشَّرع.
    وقوله: «وثيابهم»، أي تُباحُ ثيابُهم، وهذا يشمل ما صنعوه وما لبسوه، فثيابهم التي صنعوها مباحة، ولا نقول: لعلهم نسجوها بمنْسَج نجس؛ أو صَبغُوها بصبغ نجس؛ لأنَّ الأصل الحِلُّ والطَّهارة، وكذلك ما لبسوه من الثياب فإنَّه يُباح لنا لُبسه، ولكن من عُرِفَ منه عدم التَّوقِّي من النجاسات كالنَّصارى فالأَوْلَى التنزُّه عن ثيابهم بناءً على ما يقتضيه حديث أبي ثعلبة الخُشني رضي الله عنه.
    وقوله: «إن جُهل حالها» هذا له مفهومان:
    الأول: أن تُعلَمَ طهارتُها.
    الثاني: أن تُعلَمَ نجاستُها، فإن عُلِمَتْ نجاستُها فإِنها لا تُستعمل حتى تُغسل. وإِن عُلمتْ طهارتُها فلا إِشكال، ولكن الإِشكال فيما إِذا جُهل الحال، فهل نقول: إِن الأصل أنهم لا يَتَوَقَّوْنَ النَّجاسات وإِنَّها حرام، أو نقول: إِن الأصل الطَّهارة حتى يتبيّن نجاستها؟ الجواب هو الأخير.

    ولا يَطْهرُ جلْدُ ميتةٍ بِدِباغٍ ................
    قوله: «ولا يَطْهر جلدُ ميتة بدِبَاغ» ، الدَّبغ: تنظيف الأذى والقَذَر الذي كان في الجلد بواسطة مواد تُضاف إلى الماء.
    فإِذا دُبِغَ جلدُ الميتة فإِنَّ المؤلِّف يقول: إِنه لا يطهرُ بالدِّباغ.
    فإن قيل: هل ينجُس جلد الميتة؟
    فالجواب: إن كانت الميتة طاهرة فإِن جلدها طاهر، وإِن كانت نجسةً فجلدها نجس.
    ومن أمثلة الميتة الطَّاهرة: السَّمك لقوله تعالى: {{أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ}} [المائدة: 96] .
    قال ابن عباس رضي الله عنهما: «صيده ما أُخِذَ حيًّا، وطعامه ما أُخِذَ ميتاً»[(120)].
    فجلدها طاهر.
    أما ما ينجُس بالموت فإِن جلده ينجُس بالموت لقوله تعالى: {{إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ}} [الأنعام: 145] أي نَجِسٌ، فهو داخل في عموم الميتة.
    فإن قيل: إن الميتة حرام، ولا يلزم من التَّحريم النَّجاسة؟
    فالجواب: أنَّ القاعدة صحيحة، ولهذا فالسُّمُ حرام، وليس بنجس، والخمر حرام وليس بنجس على القول الرَّاجح، ولكن الله لما قال: {{قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ}} [الأنعام: 145] ، علَّل ذلك بقوله: «رِجْسٌ» والرِّجس النَّجس، وهذا واضح في أن الميتة نجسة. فإِذاً الميتة نجسة؛ وجلدها نجس؛ ولكن إِذا دبغناه هل يطهُر؟.
    اختلَفَ في ذلك أهلُ العلم[(121)]، فالمذهب أنه لا يطهُر، قالوا: لأن الميتة نجسة العين، ونجس العين لا يمكن أن يطهُر، فروثة الحمار لو غُسِلت بمياه البحار ما طَهُرت، بخلاف النَّجاسة الحُكمية، كنجاسة طرأت على ثوب ثم غسلناه، فإنه يطهُر.
    وهذا القياس مع أنَّه واضح جداً إِلا أنه في مقابلة النصِّ، وهو حديث ميمونة رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَرَّ بشاةٍ يجرُّونها، فقال: هلاَّ أخذتم إِهابها؟ قالوا: إنها ميتة، قال: يُطهِّرها الماءُ والقَرَظُ»[(122)]، وهذا صريح في أنَّه يَطْهُر بالدَّبغ.
    ولكن قالوا: هذا الحديث منسوخ بما يُروى عن عبد الله بن عُكَيْم قال: «إن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كتب إِلينا لا تنتفعوا من الميتة، بإِهابٍ ولا عَصَب»[(123)]. زاد أحمد وأبو داود: «قبل وفاته بشهر».
    والجواب على ذلك:
    أولاً: أنَّ الحديث ضعيف، فلا يقابل ما في «صحيح مسلم»[(124)].
    ثانياً: أنَّه ليس بناسخ؛ لأننا لا ندري هل قضيَّة الشَّاة في حديث ميمونة قبل أن يموتَ بشهر، أو قبل أن يموت بأيَّام؟ ومن شرط القول بالنسخ العلم بالتَّاريخ.
    ثالثاً: أنَّه لو ثبت أنه متأخِّر، فإِنه لا يُعارض حديث ميمونة؛ لأن قوله: «لا تنتفعوا من الميتة بإِهاب ولا عصب» يُحمَلُ على الإِهاب قبل الدَّبغ، وحينئذٍ يُجمع بينه وبين حديث ميمونة.
    فإن قال قائل: كيف تقولون لو دُبِغَ اللحمُ ما طَهُرَ؛ ولو دُبِغَ الجلدُ طَهُرَ؟ وكلها أجزاء ميتة، ونحن نعرف أن الشريعة الحكيمة لا يمكن أن تفرِّق بين متماثلين؟
    أجيب من وجهين:
    الأول: أنَّه متى ثبت الفرق في الكتاب والسُّنَّة بين شيئين متشابهين، فاعلم أن هناك فرقاً في المعنى، ولكنَّك لم تتوصَّل إِليه؛ لأن إحاطتك بحكمة الله غير ممكنة، فموقفك حينئذ التَّسليم.
    الثاني: أن يُقالَ: إِنه يمكن التَّفريق بين اللحم والجلد، فإِن حلول الحياة فيما كان داخل الجلد أشدُّ من حلولها في الجلد نفسه، لأن الجلد فيه نوع من الصلابة بخلاف اللحوم، والشُّحوم، والأمعاء، وما كان داخله فإِنه ليس مثله، فلا يكون فيه من الخَبَثِ ـ الذي من أجله صارت الميتة حراماً ونجسة ـ مثل ما في اللحم ونحوه.
    ولهذا نقول: إنه يُعطَى حكماً بين حكمين:
    الحكم الأول: أَنَّ ما كان داخل الجلد لا يَطْهُر بالدِّباغ.
    الحكم الثاني: أن ما كان خارج الجلد من الوبر والشَّعر فإِنه طاهر، والجلد بينهما، ولهذا أُعطي حكماً بينهما.
    وبهذا نعرفُ سُمُوَّ الشريعة، وأنها لا يمكن أن تُفرِّق بين متماثلين، ولا أن تَجمَع بين مختلفين، وأن طهارة الجلد بعد الدَّبغ من الحكمة العظيمة، ونجاسته بالموت من الحكمة العظيمة؛ لأنه ليس كالشَّعر والوبر والرِّيش، وليس كالشحم واللحم والأمعاء.

    ويُبَاحُ استعمالُه بَعْدَ الدَّبْغِ في يَابِسٍ ..............
    قوله: «ويُباحُ استعمالُه بعد الدَّبغ في يَابِسٍ» ، يعني: يباح استعمال جلد الميتة بعد الدَّبغ في يابس.
    فأفادنا المؤلِّفُ أن استعماله قبل الدَّبغ لا يجوز في يابس، ولا غيره؛ لأنه نجس.
    وظاهر كلامه أن الاستعمال لا يجوز ولو بعد أن نَشفَ الجلد وصار يابساً، وهذا فيه نظر؛ لأنَّنا نقول: إِذا كان يابساً، واستُعمل في يابس فإن النَّجاسة هنا لا تتعدَّى كما لو قدَّدناه، وجعلناه حبالاً لا يباشر بها الأشياء الرَّطبة، فإن هذا لا مانع منه.
    قوله: «في يَابِس»، خرج به الرَّطب فلا يجوز استعماله فيه، مثل أن نجعل فيه ماءً أو لبناً، ولا أيَّ شيء رطب، ولو بعد الدَّبغ؛ لأنَّه إِذا كان نجساً، ولاقاه شيء رطب تنجَّس به، أما إذا كان في يابس، والجلد يابس فإِنه لا يتنجَّس به؛ لأن النَّجاسة لا يتعدَّى حكمها إِلا إِذا تعدَّى أثرها، فإِن لم يتعدَّ أثرها فإِن حكمها لا يتعدَّى، وإذا قلنا بالقول الرَّاجح: وهو طهارته بالدِّباغ فإنه يُباح استعماله في الرَّطب واليابس.
    ويدلُّ لذلك أنَّ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم توضَّأ وأصحابه من مزادة امرأة مشركة[(125)]، وذبائح المشركين نجسة، وهذا يدلُّ على إِباحة استعماله في الرَّطب، وأنه يكون طاهراً.

    من حيوانٍ طاهرٍ في الحياة.
    قوله: «من حيوانٍ طاهرٍ في الحياة» ، أفادنا المؤلِّفُ، أن الجلد الذي يُباحُ استعماله بعد الدَّبغ في اليابس هو ما كان من حيوان طاهر في الحياة.
    والطاهر في الحياة ما يلي:
    أولاً: كُلُّ مأكول كالإبل، والبقر، والغنم، والضَّبُعِ، ونحو ذلك.
    ثانياً: كلُّ حيوان من الهِرِّ فأقلُّ خِلْقة ـ وهذا على المذهب ـ كالهِرَّة لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنها ليست بنَجَسٍ، إِنَّها من الطوَّافين عليكم»[(126)].
    ثالثاً: كُلُّ شيء ليس له نَفْسٌ سائلة، يعني إِذا ذُبِحَ، أو قُتل، ليس له دم يسيل.
    رابعاً: الآدمي، ولكنه هنا غير وارد؛ لأن استعمال جلده محرَّم، لا لنجاسته، ولكن لحرمته.
    فلو دَبغ إِنسان جلد فأرة، أو هِرَّة فإِنه لا يَطْهُرُ على المذهب، لكن يُباح استعماله في يابس.
    وقيل: يَطْهُرُ، ويُباح استعمالُه في اليابسات والمائعات[(127)]، وعلى هذا يصحُّ أن نجعلَ جلدَ الهِرَّة سِقاء صغيراً، إِذا دبغناه لأنه طَهُرَ.
    وقيل: إن جلد الميتة لا يطهر بالدِّباغ؛ إِلا أن تكون الميتةُ مما تُحِلُّه الذَّكاة[(128)]، كالإبل والبقر والغنم ونحوها، وأما ما لا تحلُّه الذَّكاة فإنه لا يطهر، وهذا القول هو الرَّاجح؛ وهو اختيار شيخنا عبد الرحمن السَّعدي رحمه الله[(129)]، وعلى هذا فجلد الهِرَّة وما دونها في الخلقة لا يطهر بالدَّبغ.
    فمناط الحُكم على المذهب هو طهارة الحيوان في حال الحياة، فما كان طاهراً فإنه يُباحُ استعمالُ جلد ميتته بعد الدَّبغ في يابس، ولا يطْهُر. وعلى القول الثاني: يطْهُر مطلقاً، وعلى القول الثالث: يطْهُر إذا كانت الميتة مما تُحِلُّه الذَّكاة.
    والرَّاجح: القول الثالث بدليل أنه جاء في بعض ألفاظ الحديث: «دباغُها ذكاتها»[(130)]. فعبَّر بالذكاة، ومعلوم أن الذَّكاة لا تُطَهِّر إِلا ما يُباح أكله، فلو أنك ذبحت حماراً، وذكرت اسم الله عليه، وأنهر الدَّم، فإِنه لا يُسمَّى ذكاة، وعلى هذا نقول: جلد ما يحرم أكله، ولو كان طاهراً في الحياة، لا يطهر بالدِّباغ، ووجهه: أنَّ الحيوان الطَّاهر في الحياة إِنما جُعِلَ طاهراً لمشقَّة التحرز منه لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنها من الطَّوافين عليكم»، وهذه العِلَّة تنتفي بالموت، وعلى هذا يعود إلى أصله وهو النَّجاسة، فلا يَطْهُر بالدِّباغ.
    فيكون القول الرَّاجح: أن كلَّ حيوان مات وهو مما يُؤكل؛ فإن جلده يَطْهُر بالدِّباغ، وهذا أحد قولي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وله قول آخر يوافق قول من قال: إن ما كان طاهراً في الحياة فإِنّ جلده يطهر بالدَّبغ[(131)].

    ولبنُهَا ...............
    قوله: «ولبنُها» ، لبن الميتة نجس، وإن لم يتغيَّر بها؛ لأنه مائع لاقى نجساً فتنجَّس به، كما لو سقطت فيه نجاسة ـ وإلا فهو في الحقيقة منفصل عن الميتة قبل أن تموت ـ لكنهم قالوا: إنها لمَّا ماتت صارت نجسةً، فيكون قد لاقى نجاسةً فتنجَّس بذلك.
    واختار شيخ الإِسلام أنَّه طاهر[(132)] بناءً على ما اختاره من أن الشيء لا ينجس إلا بالتغيُّر[(133)]، فقال: إِن لم يكن متغيِّراً بدم الميتة، وما أشبه ذلك فهو طاهر.
    والذي يظهر لي رجحانه في هذه المسألة هو المذهب؛ لأنَّه وإن انفصل واجتمع في الضَّرع قبل أن تموت فإنه يسير بالنسبة إلى ما لاقاه من النَّجاسة، لأنها محيطة به من كل جانب، وهو يسير، ثم إن الذي يظهر سريان عُفونة الموت إلى هذا اللَّبن؛ لأنه ليس كالماء في قُوَّة دفع النَّجاسة عنه.
    والمذهب، وإن كان فيه نَظَر من حيث قاعدة: أن ما لا يتغيَّر بالنَّجاسة فليس بنجس، وهذه قاعدة عظيمة محكمة، لكن الأخذ به هنا من باب الاحتياط، وأيضاً بعموم قوله تعالى: {{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ}} [المائدة: 3] ، واللَّبن في الضَّرع قد يكون داخلاً في هذا العموم.

    وكُلُّ أجزائِها نجسَةٌ غَيْرُ شَعْرٍ، وَنَحْوِه،.................
    قوله: «وكل أجزائها نجسةٌ» ، كاليد، والرِّجل، والرَّأس ونحوها لعموم قوله تعالى: {{إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ}} [الأنعام: 145] ، والميتةُ تُطلَقُ على كلِّ الحيوان ظاهره وباطنه.
    قوله: «غيرُ شَعْر ونحوه» ، كالصُّوف للغنم، والوبر للإِبل، والرِّيش للطيور، والشَّعر للمَعْز والبقر، وما أشبهها.
    ويُستثنى من ذلك ما يلي:
    1 ـ عظم الميتة، على ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله[(134)] وهو أحد القولين في المذهب[(135)]، ويُستَدَلُّ لذلك: بأنَّ العظم وإن كان يتألَّم ويحسُّ لكنه ليس فيه الحياة الكاملة، ولا يحُلُّه الدَّم، وليس له حياة إلا بغيره، فهو يشبه الظُّفر والشَّعر وما أشبه ذلك، وليس كبقية الجسم. ويُقال أيضاً: إِنَّ مدار الطَّهارة والنَّجاسة على الدَّم؛ ولهذا كان ما ليس له نَفْسٌ سائلة طاهراً.
    ولكن الذي يظهر أن المذهب في هذه المسألة هو الصَّواب؛ لأن الفرق بين العظم وبين ما ليس له نَفْسٌ سائلة أن الثاني حيوان مستقل، وأما العظم فكان نجساً تبعاً لغيره؛ ولأنَّه يتألّم فليس كالظُّفر أو الشَّعر، ثم إِن كونه ليس فيه دم محلُّ نظر؛ فإِن الظّاهر أن فيه دماً كما قد يُرى في بعض العظام.
    2 ـ السَّمك وغيره من حيوان البحر بدون استثناء، فإن ميتته طاهرة حلال لقوله تعالى: {{أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ}} [المائدة: 96] ، وتقدَّم تفسير ابن عباس للصَّيد والطَّعام[(136)].
    ويلزم من الحِلّ الطَّهارة، ولا عكس، فيتلخَّص عندنا ثلاث قواعد:
    أ ـ كُلُّ حلال طاهر.
    ب ـ كُلُّ نجس حرام.
    جـ ليس كُلُّ حرام نجساً.
    3 ـ ميتة الآدمي لعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ المؤمن لا ينجس»[(137)]، ولأن الرَّجُل إذا مات يُغسَّل، ولو كان نجساً ما أفاد به التغسيل.
    4 ـ ميتة ما ليس له دم، والمراد الدَّم الذي يسيل إِذا قُتل، أو جُرح، كالذُّباب، والجراد، والعقرب. والدَّليل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا وقع الذُّباب في شراب أحدِكم فلْيغمسه ثم لينزعْه»[(138)].
    فقوله: «فلْيغمسْه» يشمل غمسَه في الماء الحار، وإِذا غُمس في الماء الحار فإِنه يموت، فلو كان ينجس لأمر الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم بإِراقته.
    ونضيف للقواعد السابقة قاعدة رابعة وهي: أنه لا يلزم من الطَّهارة الحِلُّ.
    وقوله: «غيرُ شَعْرٍ ونحوه»، اشترطوا رحمهم الله في الشَّعر ونحوه أن يُجَزَّ جزًّا لا أن يُقلَعَ قلعاً[(139)]، لأنه إذا قُلِعَ فإِن أصوله محتقن فيها شيء من الميتة، وهذا يظهر جدًّا في الرِّيش، أما الشَّعر، فليس بظاهر؛ لكنه في الحقيقة منغرس في الجلد، وفيه شيء مباشر للنَّجاسة.
    وبهذا علمنا أن الميتة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
    1 ـ الشَّعر ونحوه طاهر.
    2 ـ اللحم، وما كان داخل الجلد نجس، ولا ينفع فيه الدَّبغ.
    3 ـ الجلد وهو طبقة بينهما، وحكمه بين القسمين السَّابقين.
    تتمة: ذكر الفقهاء رحمهم الله، أنَّ جعلَ المُصْران والكِرْش وتَراً ـ أي حبالاً ـ دِبَاغٌ، أي بمنزلة الدِّباغ[(140)]، وبناءً عليه لا يكون طاهراً، ويجوز استعماله في اليابسات على المذهب.
    لكن صاحب «الفروع» رحمه الله وهو من أشهر تلاميذ شيخ الإسلام رحمه الله ـ ولا سيَّما في الفقه ـ يقول: «يتوجَّه لا»[(141)]، والمعنى: أنه يرى أن الأوجه بناءً على المذهب، أو على القول الرَّاجح عنده أنَّه ليس دباغاً، وما قاله متوجِّه؛ لأن المُصْرَان والكِرْش من صُلب الميتة، والصَّواب ما ذهب إليه صاحب «الفروع».
    وبهذه المناسبة: إذا قيل: «يتوجَّه كذا»، فهو من عبارات صاحب «الفروع»، وإذا قيل: «يتَّجه كذا» فهو من عبارات مرعي صاحب «الغاية»، وهو من المتأخرين جمع في «الغاية» بين «المنتهى» و«الإقناع».
    لكن بين توجيهات صاحب «الفروع» واتجاهات صاحب «الغاية» من حيث القوَّة والتَّعليل والدَّليل فرق عظيم.
    فتوجيهات صاحب «الفروع» غالباً تكون مبنيَّة على القواعد والأصول، أما اتجاهات صاحب «الغاية» فهي دون مستوى تلك.

    وما أُبِيْنَ من حيٍّ فهو كميْتتِهِ.
    قوله: «وما أُبين من حيٍّ فهو كميتته» ، هذه قاعدة فقهية.
    وأُبين: أي فُصل من حيوان حيٍّ.
    وقوله: «كميتته»، يعني: طهارة، ونجاسة، حِلًّا، وحُرمة، فما أُبينَ من الآدمي فهو طاهر، حرام لحرمته لا لنجاسته، وما أُبين من السَّمك فهو طاهر حلال، وما أبين من البقر فهو نجس حرام، لأنَّ ميتتها نجسة حرام، ولكن استثنى فقهاؤنا رحمهم الله تعالى مسألتين[(142)]:
    الأولى: الطَّريدة: فعيلة بمعنى مفعولة، وهي الصيد يطرده الجماعة فلا يدركونه فيذبحوه، لكنهم يضربونه بأسيافهم أو خناجرهم، فهذا يقطع رِجْلَه، وهذا يقطع يده، وهذا يقطع رأسه حتى يموت، وليس فيها دليل عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم إلا أن ذلك أُثِرَ عن الصَّحابة رضي الله عنهم[(143)].
    قال الإمام أحمد رحمه الله: كانوا يفعلون ذلك في مغازيهم، ولا يرون به بأساً، والحكمة في هذا ـ والله أعلم ـ: أن هذه الطَّريدة لا يُقدَرُ على ذبحها، وإِذا لم يُقدَرْ على ذبحها، فإنها تَحِلُّ بعقرها في أي موضع من بدنها، فكما أنَّ الصَّيد إِذا أصيب في أي مكان من بدنه ومات فهو حلال؛ فكذلك الطَّريدة؛ لأنها صيد إلا أنها قطعت قبل أن تموت.
    قال أحمد: «فإن بقيت»، أي: قطعنا رجلها، ولكن هربت ولم ندركها؛ فإن رجلها حينئذٍ تكون نجسة حراماً؛ لأنها بانت من حَيٍّ ميتته نجسة.
    الثانية: المِسْك وفأرته، ويكون من نوع من الغزلان يُسمَّى غزال المسك.
    يُقال: إنهم إذا أرادوا استخراج المِسْكِ، فإِنهم يُركِضُونه فينزل منه دم من عند سُرَّته، ثم يأتون بخيط شديد قويٍّ فيربطون هذا الدم النازل ربطاً قويًّا من أجل أن لا يتَّصل بالبدن فيتغذَّى بالدَّم، فإِذا أخذ مدَّة فإنه يسقط، ثم يجدونه من أطيب المسك رائحة.
    وهذا الوعاء يُسمَّى فأرة المِسْك، والمِسْكُ هو الذي في جوفه، فهذا انفصل من حَيٍّ وهو طاهر على قول أكثر العلماء[(144)]. ولهذا يقول المتنبي:
    فإنْ تَفُقِ الأنامَ وأنت منهم
    فإِنَّ المِسْكَ بعضُ دم الغزال[(145)]

    -----------------------------------------

    [89] رواه البزار [مختصر زوائد البزار لابن حجر، رقم (117)]، وابن أبي حاتم الرازي في تفسيره [ابن كثير (مريم الآية: 64)]، والحاكم (2/375)، والبيهقي (10/12) بأسانيدهم عن عاصم بن رجاء بن حيوة، عن أبيه، عن أبي الدرداء به مرفوعاً.
    قال البزار: «إِسناده صالح». قال الحاكم: «صحيح الإِسناد»، ووافقه الذهبي.
    قال الهيثمي: «إِسناده حسن ورجاله موثَّقُون». «المجمع» (1/171).
    وانظر: «الفتح» شرح حديث رقم (7289).
    [90] رواه الطبراني في «الكبير» (22/رقم 589)، والدارقطني (4/184)، والحاكم (4/115) وعنه البيهقي (10/12) كلهم من طريق مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني به مرفوعاً، وأعله أبو مسهر الدمشقي وأبو نعيم وابن رجب بعدم سماع مكحول من أبي ثعلبة الخشني.
    وانظر: «جامع العلوم والحكم» الحديث الثلاثون.
    [91] رواه أحمد (4/126)، وأبو داود، كتاب السنَّة: باب في لزوم السنَّة، رقم (4607)، والترمذي، كتاب العلم: باب ما جاء في الأخذ بالسُّنَّة واجتناب البدع رقم (2676)، وابن ماجه، المقدمة: باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين رقم (42)، وغيرهم كثير؛ من حديث العرباض بن سارية.
    والحديث صَحَّحه جمعٌ من أهل العلم منهم: ابن تيمية، وابن القيم، وأبو نعيمٍ، وأبو العباس الدغولي وغيرهم. انظر: «الاقتضاء» ص(267)، «إِعلام الموقعين» (4/180)، «إِجمال الإِصابة» للعلائي (49).
    [92] رواه البخاري، كتاب البيوع: باب بيع الميتة والأصنام، رقم (2236)، ومسلم، كتاب المساقاة: باب تحريم بيع الخمر والميتة والأصنام، رقم (1581).
    [93] انظر: «الإِنصاف» (1/143، 144).
    [94] انظر: «كشَّاف القناع» (1/50).
    [95] رواه أحمد (6/58)، وأبو داود، كتاب الجنائز: باب في الحفَّار يجد العظم هل يتنكب ذلك المكان، رقم (3207)، وابن ماجه، كتاب الجنائز: باب النهي عن كسر عظام الميت، رقم (1616) من حديث عائشة.
    قال النووي: «رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي بأسانيد صحيحة».
    قال ابن حجر: «رواه أبو داود بإِسناد على شرط مسلم».
    انظر: «الخلاصة» رقم (3694)، «بلوغ المرام» رقم (576).
    [96] رواه البخاري، كتاب الأطعمة: باب الأكل في إِناء مفضَّـضٍ، رقم (5426)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة: باب تحريم استعمال إِناء الذهب والفضة، رقم (2067).
    [97] رواه البخاري، كتاب الأشربة: باب آنية الفضة، ومسلم، كتاب اللباس والزينة: باب تحريم استعمال أواني الذهب والفضة، رقم (2065).
    [98] رواه الدارقطني (1/40) من حديث ابن عمر، وقال: «إِسناده حسن».
    قلت: وينبغي أن يُحمل قول الدارقطني هذا؛ على أنه أراد به الغرابة أو النكارة؛ لأنَّ الأئمة المتقدمين وأئمة العلل خاصّة، يُطلقون التحسين ويريدون به النكارة، فمثلاً: يقول النسائي بعد روايته لحديثٍ في «سننه» (4/142): «إِسناده حسن، وهو منكر» ولم يُرد النسائي نكارة المتن بقوله هذا، بل نكارة السند؛ ذلك أن المتن صحيح وقد أخرجه الشيخان. وللتَّوسع انظر: «الإِرشادات» (148).
    وبهذا يتفق قول الدارقطني مع أقوال بقية الحُفَّاظ حيث أطبقوا على ضعفه ونكارته نذكر منهم:
    ـ ابن القطان، قال: «لا يصحُّ»، «بيان الوهم والإِيهام»، رقم (2152).
    ـ النووي، قال: «ضعيف»، «خلاصة الأحكام» رقم (72).
    ـ ابن تيمية، قال: «إِسناده ضعيف». «مجموع الفتاوى» (21/85).
    ـ الذهبي، قال: «حديث منكر»، «الميزان»، ترجمة يحيى بن محمد الجاري.
    ـ ابن حجر، قال: «حديث معلول»، «الفتح» شرح حديث رقم (5638) وهو كما قالوا.
    [99] رواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنة: باب الاقتداء بسنن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، رقم (7288)، ومسلم، كتاب الفضائل: باب توقيره صلّى الله عليه وسلّم..، رقم (1337)، من حديث أبي هريرة.
    [100] انظر: «المجموع شرح المهذب» (1/249).
    [101] انظر: «الإِنصاف» (1/145).
    [102] انظر: «المجموع شرح المهذب» (1/249)، «المغني» (1/103).
    [103] روى البخاري، كتاب اللباس: باب ما وُطئ من التصاوير، رقم (5954)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة: باب تحريم تصوير صورة الحيوان، رقم (2107)، واللفظ له، عن عائشة قالت: «دخل عليَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنا مُتَسَتِّرَةٌ بقرام فيه صورة، فتلون وجهه، ثم تناول الستر فَهَتَكَه...»، وروى مسلم، كتاب الجنائز: باب الأمر بتسوية القبر، رقم (969) عن علي بن أبي طالب: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم بعثه على أنْ لا يدع تمثالاً إِلا طَمَسَه، ولا قبراً مشرفاً إِلا سوّاه».
    [104] رواه البخاري، كتاب اللباس: باب ما يُذكر في الشَّيب، رقم (5896).
    ملاحظة: اختُلِفَ في ضبط لفظة «من فضَّة» فضبطها الأكثرُ بالقاف والصَّاد المهملة «من قُصَّة». وانظر كلام الحافظ ابن حجر في توجيه كلا الروايتين.
    [105] انظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (1/582) [النساء: 23].
    [106] انظر: «الإِنصاف» (1/149).
    [107] رواه البخاري، كتاب فرض الخمس: باب ما ذكر من درع النبي صلّى الله عليه وسلّم، رقم (3109).
    [108] انظر: «مجموع الفتاوى» (25/64، 65)، «الاختيارات» ص(76، 77).
    [109] هو عَرفَجة بن أسعد. والحديث رواه أحمد (5/23)، وأبو داود، كتاب الخاتم: باب ما جاء في ربط الأسنان بالذهب، رقم (4232)، والنسائي، كتاب الزينة: باب مَنْ أُصيب أنفُه هل يتخذُ أنفاً من ذهب (8/163)، والترمذي كتاب اللباس: باب ما جاء في شدِّ الأسنان بالذهب، رقم (1770)، عن جمع منهم: ابن المبارك؛ وابن مهدي؛ ويزيد بن هارون، عن أبي الأشهب، عن عبد الرحمن بن طرفة، عن جده عرفجة بن أسعد.. الحديث.
    ـ وأعلَّه ابن القطان وابن حجر بأنه قد اختُلف في إِسناده، فرواه ابن علية، وإِسماعيل بن عيّاش، عن أبي الأشهب، عن عبد الرحمن بن طرفة، عن أبيه طرفة، عن عَرفجة به. وطرفة بن عرفجة مجهول.
    «بيان الوهم والإِيهام» رقم (443)، «تهذيب التهذيب» (5/11)، (7/176).
    قلت: نصَّ المزيُّ وغيره على أن المحفوظ هو الوجه الأول دون الثاني، وعليه تكون رواية ابن عياش وابن عُليَّة شاذة غير محفوظة؛ لأنهما خالفا جمعاً من الحفَّاظ.
    انظر: «تهذيب الكمال» (17/192)، «علل الترمذي الكبير» (2/739).
    وعبد الرحمن بن طرفة هذا قد رأى جده عرفجة.
    قال الترمذي: هذا حديث حسن.
    [110] انظر: «الإِنصاف» (1/154).
    [111] انظر: «مجموع الفتاوى» (21/81).
    [112] رواه البخاري، كتاب في الاستقراض: باب ما يُنهى عن إِضاعة المال، رقم (2408)، ومسلم كتاب الأقضية: باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، رقم (1715) عن أبي هريرة.
    [113] انظر: «الإِنصاف» (1/156).
    [114] رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد: باب ذبائح أهل الكتاب، رقم (5508).
    [115] رواه أحمد (3/210، 270)، إِلا أن الحافظ ابن حجر قد نقل هذا الحديث في «أطراف المسند» (1/472) بلفظ: «أن خيَّاطاً» بدل «يهودياً»، وهو الموافق لبقية روايات المسند (3/252، 289 ـ 290)، وهو الموافق أيضاً لرواية البخاري رقم (5379) غير أنه لم يذكر خبز الشعير والإِهالة السَّنخة.
    ملاحظة: الإِهالة: الدسم، والسّنخة: المتغيرة. «غريب الحديث» (1/503).
    [116] رواه البخاري، كتاب الطب: باب ما يذكر في سُمِّ النبي صلّى الله عليه وسلّم، رقم (5777) عن أبي هريرة.
    [117] رواه بمعناه البخاري، كتاب التيمُّم: باب الصعيد الطيب وضوء المسلم، يكفيه من الماء، رقم (344)، ومسلم، كتاب المساجد: باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها رقم (682) عن عمران بن حُصين.
    [118] رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد: باب ما جاء في التَّصيد، رقم (5488)، ومسلم، كتاب الذبائح والصيد: باب الصيد بالكلاب المعلمة، رقم (1930).
    [119] انظر: «فتح الباري» (9/606) شرح حديث رقم (5478).
    [120] رواه ابن جرير الطبري رقم (12696، 12697، 12701، 12692، 12673، 12675)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» رقم (6833، 6829).
    [121] انظر: «الإِنصاف» (1/161، 162).
    [122] رواه أحمد (6/334)، وأبو داود، كتاب اللباس: باب في أُهب الميتة، رقم (4126)، والنسائي، كتاب الفرع والعتيرة: باب ما يُدبغُ به جلودُ الميتة (7/174).
    قال النووي: «رواه أبو داود والنسائي بإِسنادين حَسنين، وروى البيهقي معناه من رواية ابن عباس». الخلاصة رقم (53).
    قال ابن الملقن: «رواه أبو داود والنسائي وابن حبان من رواية ميمونة بأسانيد حسنة» «خلاصة البدر المنير» رقم (45).
    قال ابن حجر: «صحَّحه ابن السكن والحاكم»، التلخيص الحبير رقم (43).
    ملاحظة: القَرَظُ: ورق السَّلم، أو ثمر السَّنْط، يدبغ به.
    [123] رواه أحمد (4/310)، وأبو داود، كتاب اللباس: باب من روى أن لا يُنْتَفعَ بإِهاب الميتة، رقم (4128)، والنسائي، كتاب الفرع والعتيرة: باب ما يُدبغ به جلود الميتة (7/175)، والترمذي، كتاب اللباس: باب ما جاء في جلود الميتة، رقم (1729)، وابن ماجه، كتاب اللباس: باب من قال لا ينتفع من الميتة بإِهاب ولا عصب، رقم (3613)، وابن حبان رقم (1279).
    قال الترمذي: «حديث حسن»، وقال: «كان أحمد بن حنبل يذهب إِلى هذا الحديث... ثم ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا في إِسناده».
    قال البيهقي وآخرون: «هو مرسل، ولا صحبة لابن عُكَيم».
    قال الخطابي: «عَلَّله عامَّةُ العلماء؛ لعدم صحبة ابن عُكيم، وعَلَّلوه أيضاً بأنه مضطرب، وعن مشيخة مجهولين، ولأن الإِهاب الجلد قبل الدباغ عند جمهور أهل اللغة».
    وذهب ابن حبان إِلى أن إِسناده صحيح متَّصل، وأنه لا تعارض بينه وبين حديث ميمونة. انظر كلامه في «صحيحه» رقم (1279) فإِنه هام. وانظر: «الخلاصة» للنووي رقم (45). و«التلخيص الحبير» رقم (41).
    [124] رواه مسلم، كتاب الحيض: باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، رقم (363) من حديث ابن عباس ولفظه: «تُصُدِّقَ على مولاة لميمونة بشاة، فماتت فمرَّ بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «هلاّ أخذتم إِهابها فدبغتموه، فانتفعتم به؟ فقالوا: إِنها ميتة. فقال: إِنما حُرِّم أكلُها».
    [125] تقدم تخريجه في ص(84).
    [126] رواه أحمد (5/296، 303)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب سؤر الهرة، رقم (75)، والنسائي، كتاب الطهارة: باب سؤر الهرة، (1/54، 55)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء في سؤر الهرة، رقم (92)، من حديث أبي قتادة.
    وقد صحَّح هذا الحديث جمعٌ من الأئمة منهم: الترمذي، وابن خزيمة، والعقيلي، وابن حبان، والحاكم، وابن تيمية، وغيرهم. قال البخاري: «جوَّد مالك بن أنس هذا الحديث، وروايته أصحّ من رواية غيره». قال الدارقطني: «رواته ثقات معروفون».
    انظر: «المحرر» لابن عبد الهادي رقم (14)، «التلخيص الحبير» رقم (36).
    [127] انظر: «الإِنصاف» (1/164).
    [128] انظر: «الإِنصاف» (1/163).
    [129] انظر: «المختارات الجلية» ص(11).
    [130] رواه أحمد (3/476)، والنسائي، كتاب الفرع والعتيرة: باب جلود الميتة، (7/173، 174)، من حديث سلمة بن المُحبَّق.
    قال ابن حجر: «إِسناده صحيح». «التلخيص الحبير» رقم (44).
    وله شاهد من حديث عائشة بلفظ: «دباغ الميت ذكاته» رواه النسائي، كتاب الفرع والعتيرة: باب جلود الميتة (7/174).
    قال ابن حجر: «هذا حديث حسن». «موافقة الخُبر الخبر» (2/129).
    [131] انظر: «مجموع الفتاوى» (21/95)، «الاختيارات» ص(26)، «الإِنصاف» (1/162، 163).
    [132] انظر: «مجموع الفتاوى» (21/103)، «الإِنصاف» (1/175).
    [133] انظر: «مجموع الفتاوى» (21/32)، «الاختيارات» ص(4).
    [134] انظر: «مجموع الفتاوى» (21/97)، «الاختيارات» ص(26).
    [135] انظر: «الإِنصاف» (1/177).
    [136] تقدم تخريجه ص(83).
    [137] تقدم تخريجه ص(25).
    [138] رواه البخاري، كتاب بدء الخلق: باب إِذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، رقم (3320).
    [139] انظر: «حاشية العنقري على الروض المربع» (1/32).
    [140] انظر: «الإِنصاف» (1/174).
    [141] انظر: «الفروع» (1/105).
    [142] انظر: «شرح منتهى الإِرادات» (1/28).
    [143] روى الإِمام أحمد عن هشيم، عن منصور، عن الحسن أنه كان لا يرى بالطريدة بأساً، كان المسلمون يفعلون ذلك في مغازيهم. «المغني» (13/281) ونحوه عند ابن أبي شيبة في «المصنف» كتاب الصيد: باب في الرجل يضرب الصيد فيبين منه العضو، رقم (19698).
    [144] انظر: «الفروع» (1/249)، «المجموع شرح المهذب» (2/573).
    [145] ديوان المتنبي بشرح العكبري (2/21).


     



  4. رقم #4
     افتراضي  العنوان : رد: الشرح الممتع على زاد المستقنع (متجدد)
    كاتب الموضوع : أبو رمزي
    بتاريخ : 18 Jul 2009 الساعة : 08:33 AM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية أبو رمزي

    رقم العضوية : 16928
    الانتساب : Jun 2009
    المشاركات : 1,330
    بمعدل : 0.44 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 11
    التقييم : Array
    أبو رمزي غير متصل



    · باب السواك وسنن الوضوء
    بابُ السِّواكِ وسُنَنِ الوُضُوءِ

    التَّسوُّكُ بعودٍ ..........
    السِّواك: فِعَال من ساك يسُوك، أو مِنْ تسوَّك يتسوَّكُ، فهو على الثَّاني اسم مصدر يُطلق على الآلة التي هي العُود فيُقال: هذا سواكٌ من أراك، كما يقال: مِسْواك، ويُطلق على الفعل ويُقال: السِّواك سُنَّةٌ، أي: التَّسوُّك الذي هو الفعل.
    وقوله: «باب السِّواك وسُنَنِ الوُضُوء» ، بعضُ العلماء قال: باب السِّواكِ وسُنَنِ الفِطْرة، والمناسبة أنَّ السِّواك من الفِطْرة.
    وبعضهم قال: باب السِّواكِ وسُنَنِ الوُضُوء؛ لأنَّه لما كان السِّواك من سُنَنِ الوُضوء قَرَنَ بقيةَ السُّنن بالسِّواك، وإِلا فالأصل أن السُّنَنَ تُذْكَرُ بعد ذِكْرِ الواجبات والأركان، كما فعلوا ذلك في كتاب الصَّلاة، وإِنما قُدِّمَ السواكُ على الوُضُوء وهو من سُنَنِه لوجهين:
    الأول: أنَّ السِّواك مَسْنُون كلَّ وقت، ويتأكّد في مواضع أخرى غير الوُضُوء.
    والثاني: أنَّ السِّواك من باب التطهير فله صِلَةٌ بباب الاستنجاء.
    قوله: «التَّسوُّك بعُود» ، التسوُّك مبتدأ، وخبره «مسنونٌ». والجار والمجرور الذي هو «بعود» متعلِّق بالتَّسوُّك.
    وقوله: «بعودٍ» دخل فيه كلُّ أجناس العيدان؛ سواء كانت من جريد النَّخل، أو من عراجينها، أو من أغصان العنب أو من غير ذلك، فهو جنس شامل لجميع الأعواد، وما بعد ذلك من القُيود فإِنها فصولٌ تُخرِجُ بقيةَ الأعواد.
    فخرج بقوله: «عُود» التَّسوُّكُ بخِرْقَةٍ، أو الأصابعُ، فليس بسُنَّة على ما ذهب إليه المؤلِّف وهو المذهب.

    مُنْقٍ غَيْرِ مُضِرٍّ لا يَتَفَتَّتُ، لا بِأصْبِع،........
    قوله: «ليِّنٍ» ، خرج به بقيَّةُ الأعواد القاسية؛ فإنه لا يُتسوَّكُ بها؛ لأنها لا تفيد فائدةَ العود الليِّن، وقد تضرُّ اللِّثَةَ إِن أصابتها، والطَّبقة التي على العظم في الأسنان.
    قوله: «مُنْقٍ» ، خرج به العُودُ الذي لا شعر له، ويكون رطباً رطوبة قويَّة، فإنه لا يُنقي لكثرة مائه وقِلَّة شعره التي تؤثِّرُ في إِزالة الوَسَخ.
    قوله: «غَيْرِ مُضرٍّ» ، احترازاً مما يُضِرُّ كالرَّيحان، وكُلّ ما له رائحة طيِّبة؛ لأنَّه يؤثِّر على رائحة الفم؛ لأن هذه الريح الطيِّبة تنقلب إلى ريح خبيثة.
    قوله: «لا يَتَفَتَّتُ» ، معناه لا يتساقط، لأنه إِذا تساقط في فمك ملأه أذى.
    قوله: «لا بأصْبع» ، أي: لا يُسَنُّ التَّسوُّكُ بالأصبع، ولا تحصُل به السُّنَّةُ، سواء كان ذلك عند الوُضُوء أو لم يكن، هذا مقتضى إِطلاق المؤلِّف.
    وقال بعض العلماء؛ ومنهم الموفَّق صاحب «المقنع»، وابن أخيه شارح «المقنع»: إِنه يحصُل من السُّنِّيَّة بقدر ما حصل من الإِنْقاء[(244)].
    وقد رُوي عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه في صفة الوُضُوء أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «أدخل بعضَ أصابعه في فيه...»[(245)]، وهذا يدلُّ على أن التَّسوُّك بالأصبع كافٍ، ولكنَّه ليس كالعُود؛ لأن العود أشدُّ إِنقاءً.
    لكن قد لا يكون عند الإنسان في حال الوُضُوء شيء من العيدان يَستاكُ به، فنقول له: يجزئ بالأصبع.

    أو خِرْقَةٍ .........
    قوله: «أو خِرْقَةٍ» ، أي: لا يُسَنُّ التَّسوُّك بالخِرْقَة ولا تحصُل به السُّنَّة، ومعناه: أن يجعل الخِرْقَة على الأصبع ملفوفة ويتسوَّك بها، والإِنقاء بالخِرْقَة، أبلغُ من الإِنقاء بمجرَّد الأصبع.
    ولهذا قال بعضُ العلماء: إن كان الإصبع خشناً أجزأ التَّسوُّك به، وإِن كان غير خشنٍ لم يجزئ[(246)].
    وتقدَّم أن الخرقة أبلغ في التَّنظيف. فَمَنْ قال: إِن الأصبع تحصُل به السُّنَّة قال: إِن الخِرْقَة من باب أولى.
    فائدة: في الأصبع عَشْرُ لُغَاتٍ؛ ولذلك يُقال: لا يُغلَّطُ فيها أحدٌ في الصَّرف؛ لأن الصَّاد ساكنة، والهمزة والباء مثلثتان، يعني يجوز فيها فتح الهمزة، وكسرها، وضمُّها، مع فتح الباء، وكسرها، وضمِّها.
    قال بعضُهم ناظماً تلك اللُّغات، ومضيفاً إليها «أنملة»:
    وهمزَ أنملةٍ ثلِّث وثالِثَه
    التسعُ في أصبع، واختم بأصبوع

    مسنونٌ كل وقت .......
    قوله: «مَسْنُون» ، هذا خبر قوله: «التَّسوُّك». والمسنون عند العلماء: كلُّ عبادة أُمِرَ بها لا على سبيل الإِلزام.
    فقولنا: لا على سبيل الإِلزام، لأنَّه إِن كان على سبيل الإِلزام فهو الواجب.
    والدَّليل على سُنيَّة السِّواك قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسِّواك عند كلِّ صلاة»[(247)].
    فقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم...»، يدلُّ على أنه ليس بواجب، لأنه لو كان واجباً لشَقَّ عليهم.
    ولا يدلُّ على أنه ليس بمسنون، أو ليس مأموراً به، بل لولا المشقَّة لكان واجباً لأهميَّته.

    لغيرِ صائمٍ بَعْدَ الزوالِ،.........
    قوله: «كُلّ وقْتٍ» ، أي: بالليل والنَّهار، والدَّليل قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في حديث عائشة: «السِّواك مطهرة للفم؛ مرضاة للرَّبِّ»[(248)]، فأطلق النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يقيِّد في وقت دون آخر.
    وفي هذا فائدتان عظيمتان:
    1 ـ دُنيويَّة، كونُه مطهرةً للفم.
    2 ـ أُخرويَّة، كونُه مرضاةً للرَّبِّ.
    وكلُّ هذا يحصُل بفعل يسير فيحصُل على أجر عظيم، وكثير من النَّاس يمرُّ عليه الشَّهران والثَّلاثة ولم يتسوَّك إِما جهلاً، أو تهاوناً.
    قوله: «لغير صائمٍ بعد الزَّوال» ، أي: فلا يُسَنُّ، وهذا يعمُّ صيام الفرض والنَّفْل.
    وقوله: «بعد الزَّوال»، أي: زوال الشَّمس، ويكونُ زوالُها إِذا مالت إلى جهة المغرب؛ لأنها أولُ ما تطلع من ناحية الشَّرق، فإِذا توسطت السَّماء ثم زالت عنه فقد زالت.
    قال أهل العلم رحمهم الله: علامة الزَّوال أن تنصب شاخصاً؛ أي: شيئاً مرتفعاً، وتَنْظُرَ إِليه فما دام ظِلُّه ينقص فالشَّمس لم تَزُلْ، فإِذا بدأ يزيد ولو شعرة فقد زالت[(249)].
    والمشهور من المذهب كراهة التَّسوُّك بعد الزَّوال للصَّائم؛ والدَّليل:
    1- قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا صُمْتُم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعَشيِّ»[(250)]، والعَشِيُّ بعد الزَّوال.
    2- قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائم أطيبُ عند الله يوم القيامة من ريح المسك»[(251)]. والخُلوف ـ بضم الخاء ـ هو الرَّائحة الكريهة التي تكون بالفم عند خلوِّ المعدة من الطَّعام، ولا يظهر في الغالب إلاَّ في آخر النَّهار، لكن لما كان ناشئاً عن طاعة الله صار أطيبَ عند الله من ريح المسك، وإِذا كان أطيبَ عند الله من ريح المسك فإِنَّه لا ينبغي أن يُزالَ، بدليل أنَّ دمَ الشَّهيد الذي عليه لا يُزالُ، بل يجب أن يبقى عليه وأن يُدفن في ثيابه وبدمائه، كما أمر النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بذلك في شُهداء أحد[(252)]، قالوا: فكلُّ ما كان ناشئاً عن طاعة الله فإِنه لا ينبغي إِزالتُه، ولذلك كُرِه للصَّائم التَّسوُّك بعد الزَّوال، وأما قبل الزَّوال فقالوا: يُستحب بيابس ويُباح برطب. فجعلوا السِّواك للصَّائم على ثلاثة أوجه: مباح برطب قبل الزَّوال، ومسنون بيابس قبل الزَّوال، ومكروه بعد الزَّوال مطلقاً[(253)].
    واستدلُّوا على أنَّه مسنون للصَّائم قبل الزَّوال: بعموم الأدلة.
    وعلى أنَّه مباح برطْبٍ: أنَّه لرطُوبته يُخشى أن يتسرَّب منه طعمٌ يصل إلى الحلق فيُخِلَّ بصيامه؛ ولهذا قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم للقيط بن صَبِرة: «وبالغْ في الاستنشاقِ إِلا أن تكونَ صائماً»[(254)].
    وأما كونه مكروهاً بعد الزَّوال فاستدلُّوا: بالأثر والنَّظر السابقين؛ الدَّالين على الكراهة.
    وقال بعض العلماء: إِنه لا يُكرَهُ للصَّائم مطلقاً، بل هو سُنَّةٌ في حَقِّه كغيره[(255)].
    قال في «الإِقناع» ـ وهو من كتب الحنابلة المتأخِّرين؛ وهو غالباً على المذهب ـ: «وهو أظهر دليلاً»[(256)]. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله[(257)].
    واستدلُّوا: بعموم الأدلة الدَّالَّة على سُنِّيَّة السِّواك؛ كحديث عائشة رضي الله عنها السابق[(258)]، فإن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يستثنِ شيئاً، والعام يجب إِبقاؤه على عمومه، إلا أن يَرِدَ مخصِّص له، وليس لهذا العموم مخصِّصٌ قائم.
    وأما حديث عليٍّ فضعيف[(259)] لا يَقْوَى على تخصيص العموم؛ لأنَّ الضَّعيف ليس بحُجَّة، فلا يَقْوَى على إِثبات الحكم، وتخصيص العموم حكم؛ لأنه إِخراج لهذا المخصَّصِ عن الحكم العام؛ وإِثبات حكم خاصٍّ به، فيحتاج إلى ثبوت الدَّليل المخصِّصِ، وإِلا فلا يُقْبَلُ.
    وأما التَّعليل فعليل من وجوه:
    الوجه الأول: أن الذين قتلوا في سبيل الله، أُمِرْنا بأن نُبقيَ دماءهم؛ لأنهم يُبْعثونَ يوم القيامة، الجرح يَثْعُبُ دماً، اللونُ لونُ الدَّمِ، والرِّيحُ ريحُ المسكِ، فلا ينبغي أن يُزالَ هذا الشَّيءُ الذي سيوجدُ يوم القيامة.
    ونظير هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم في الذي مات في عرفة «كَفِّنُوه في ثَوبيه»[(260)]، ولهذا ينبغي فيمن مات محرماً أن لا نطلب له خِرْقَة جديدة، بل نكفِّنُه في ثياب إحرامه التي عليه؛ لأنه كما قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «يُبعث يوم القيامة ملبِّياً» (260) .
    الوجه الثاني: أنَّ ربط الحُكم بالزَّوال مُنتقضٌ؛ لأنه قد تحصُل هذه الرَّائحة قبل الزَّوال؛ لأن سبَبَها خلوُّ المعدة من الطَّعام، وإِذا لم يتسحَّر الإِنسان آخر الليل فإِنَّ معدته ستخلو مبكِّرة؛ وهم لا يقولون: متى وُجِدت الرَّائحة الكريهة كُرِه السِّواك؟!
    الوجه الثالث: أنَّ من النَّاس من لا توجد عنده هذه الرَّائحة الكريهة، إِما لصفاء معدته، أو لأنَّه معدته لا تهضم بسرعة، فتكون هذه العِلَّة منتقضة، وإِذا انتقضت العِلَّة انتقض المعلول؛ لأن العِلَّة أصلٌ والمعلول فرعٌ.
    والرَّاجح أن السِّواك سُنَّةٌ حتى للصَّائم قبل الزَّوال وبعده، ويؤيِّده حديث عامر بن ربيعة ـ والذي ذَكَره البخاريُّ تعليقاً ـ: «رأيت النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يَسْتَاك وهو صائمٌ، ما لا أُحصي أو أَعُدُّ»[(261)].

    متأكِّدٌ عِنْدَ صلاةٍ،...........
    قوله: «مُتَأكّدٌ» ، خبرٌ ثان، لقوله: «التَّسوُّك» وتعدُّد الأخبار جائز، قال تعالى: {{وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ *}} [البروج] فالودودُ خبرٌ ثانٍ، ولا يجوزُ أن يكونَ صفةً للغفور؛ لأن «الغفور» نفسه صفة بالمعنى العام، لا بالمعنى النَّحْوي.
    قوله: «عِنْدَ صَلاة» ، والدَّليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم بالسِّواك عند كلِّ صلاة»[(262)]. وكلمة «عند» في الحديث وفي كلام المؤلِّف تقتضي القُرْبَ، لأن العندية تقتضي قرب الشيء من الشيء، كما قال تعالى: {{إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ}} [الأعراف: 206]، وكما قال في الكتاب الذي كتبه فهو عنده فوقَ العرش[(263)].
    فقوله صلّى الله عليه وسلّم: «عند كُلِّ صلاة» أي قُربها، وكُلَّما قَرُبَ منها فهو أفضل، وأما قول بعضهم: «عند الصَّلاة»: إِن المراد به الوُضُوء، فغير صحيح؛ لأن الوُضُوء قد يتقدَّمُ على الصَّلاة كثيراً، ثم إِنَّ للوُضُوء استياكاً خاصًّا، وليس من شروط التَّسوُّك عند الصَّلاة أن يكون الفمُ وسخاً.
    وقوله: «عند صلاةٍ» يشمل الفرضَ والنفلَ، وصلاةَ الجنازة لعموم الحديث[(264)]، أما سجود التِّلاوة فيُبنى على الخلاف:
    فإِن قلنا: إِنَّه صلاة ـ كما هو المشهور من المذهب ـ سُنَّ السِّواك له، وإلا فلا، وكذلك سجود الشُّكر.
    ولكن نقول: إِذا لم يكن مُتَأكّداً عند سجود التِّلاوة، فإِنه داخل في أنه مسنون كُلَّ وقت، لكن لا نعتقد أنَّه مسنونٌ من أجل هذا الشيء إِذا قلنا: إن سجود التلاوة ليس بصلاة.

    وانْتِبَاهٍ،...........
    قوله: «وانتباهٍ» ، أي يَتَأكَّدُ السِّواكُ عند الانتباه من النَّوم، والدَّليلُ قولُ حُذيفةَ بنِ اليمان رضي الله عنه: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إِذا قامَ من الليل يَشُوصُ فاهُ بالسِّواك[(265)].
    قال العلماء: معنى يشوص: يغسله ويدلكه بالسِّواك[(266)].
    وظاهر كلام المؤلِّف: أنه يَتَأَكَّدُ عند الانتباه من نوم الليل، ومن نوم النَّهار؛ لأنه قال: «وانتباهٍ» ولم يخصَّ بالليل.
    ولا يصحُّ أن يُستدلَّ بحديث حذيفة على تأكُّد السِّواك عند الانتباه من نوم النَّهار؛ لأن الدَّليل أخصُّ، ولا يمكن أن يُستَدَلَّ بالأخصِّ على الأعمِّ. لكن يُقالُ: إِن حذيفة رأى النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم عند الانتباه من نوم الليل، ولا يمنع أن يكون ذلك أيضاً عند الانتباه من نوم النهار؛ لأنّ العِلَّة واحدة، وهي تغيُّر الفَم بالنَّوم. فعلى هذا يتأكَّد كما قال المؤلِّف عند الانتباه من النَّوم مطلقاً، بالدَّليل في نوم الليل، وبالقياس في نوم النَّهار.
    واعلم أن القياس الواضح الجليَّ يُعبِّر عنه بعضُ أهل العلم، كشيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله بالعموم المعنوي[(267)]، لأنَّ العموم يكون بالألفاظ، وقد يكون بالمعاني، بمعنى أنَّا إِذا تيقَّنَّا أو غلب على ظنِّنا أن هذا المعنى الذي جاء به النَّصُّ يشمل هذا المعنى الذي لم يدخل في النَّصِّ لفظاً؛ فإِننا نقول: دخل فيه بالعموم المعنوي. وإِذا قلنا: إِنَّه ثبت بالقياس الجليِّ فالأمر واضح؛ لأن الشَّريعة لا تفرِّق بين متماثلين.

    وتَغَيُّرِ فَمٍ، ويَسْتَاكُ عَرْضاً،.........
    قوله: «وتغيُّر فَم» ، أي: يَتَأكَّد عندَ تغيُّر الفَمِ، والدَّليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «السِّواك مطهرة للفَمِ»[(268)]، فمقتضى ذلك أنَّه متى احتاج الفَمُ إِلى تطهير كان مُتَأكّداً.
    قوله: «ويستاكُ عَرضاً» ، أي: عرضاً بالنِّسبة للأسنان، وطولاً بالنِّسبة للفَمِ، وقال بعض العلماء: يستاك طولاً بالنِّسبة للأسنان، لأنه أبلغ في التنظيف.
    ويحتمل أن يُقال: يرجع إلى ما تقتضيه الحال، فإِذا اقتضت الحالُ أن يستاكَ طولاً، استاك طولاً، وإِذا اقتضت أن يستاكَ عرضاً استاك عرضاً؛ لعدم ثبوت سُنَّة بيِّنَةٍ في ذلك.

    مُبْتَدِئاً بِجَانِبِ فَمِهِ الأيْمَنِ،..........
    قوله: «مبتدِئاً بجانب فَمِه الأيمن» ، والدَّليل أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم «كان يُعجبُه التيمُّن في تنعُّله، وترجُّله، وطُهوره، وفي شأنه كلِّه»[(269)].
    واختلف العلماء هل يستاك باليد اليُمنى أو اليُسرى[(270)]؟
    فقال بعضهم: باليمنى؛ لأن السِّواك سُنَّةٌ، والسُّنَّةُ طاعةٌ وقُربةٌ لله تعالى، فلا يكونُ باليُسرى؛ لأنَّ اليسرى تُقدَّم للأذى، بناءً على قاعدةٍ وهي: أن اليسرى تقدَّم للأذى، واليُمنى لما عداه.
    وإذا كان عبادة فالأفضل أن يكون باليمين.
    وقال آخرون: باليسار أفضل، وهو المشهور من المذهب؛ لأنَّه لإِزالة الأذى، وإِزالة الأذى تكون باليُسرى كالاستنجاء، والاستجمار.
    وقال بعض المالكية: بالتَّفصيل، وهو إِنْ تسوَّك لتطهير الفَمِ كما لو استيقظ من نومه، أو لإزالة أثر الأكل والشُّرب فيكون باليسار؛ لأنه لإزالة الأذى[(271)].
    وإِنْ تسوَّك لتحصيل السُّنَّة فباليمين؛ لأنه مجرد قُربة، كما لو توضَّأ واستاك عند الوُضُوء، ثم حضر إِلى الصَّلاة قريباً فإِنَّه يستاك لتحصيل السُّنَّة.
    والأمر في هذا واسع لعدم ثبوت نصٍّ واضحٍ.

    ويَدَّهِنُ غِبًّا، ويَكْتَحِلُ وِتْراً،.........
    قوله: «ويَدَّهِنُ غِبًّا» ، الادهان: أن يستعملَ الدُّهن في شعره.
    وقوله: «غِبًّا» يعني: يفعل يوماً، ولا يفعل يوماً، وليس لازماً أن يكون بهذا التَّرتيب؛ فيُمكن أن يستعمله يوماً، ويتركه يومين، أو العكس، ولكن لا يستعمله دائماً؛ لأنه يكون من المُترَفين الذين لا يهتمون إِلا بشؤون أبدانهم، وهذا ليس من الأمور المحمودة، ففي سنن أبي داود والنَّسائي أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان ينهى عن كثيرٍ من الإِرفاه[(272)]، أي لا ينبغي أن يُكثِرَ من إِرفاه نفسه، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قومٌ يَشْهَدون ولا يُستَشْهَدُون، ويخونون ولا يُؤتَمنون، ويَنْذِرُونَ ولا يُوفُون، ويظهر فيهم السِّمَن»[(273)]. فالسِّمَن يظهر من كثرة الإِرفاه؛ لأن الذي لا يُترِفُ نفسه لا يسمن غالباً، وهذا يدلُّ على أنَّ كثرة التَّرف، ليست من الأمور المحمودة.
    وتركُ الادِّهان بالكلية سيِّءٌ؛ لأنَّ الشَّعر يكون شَعِثاً ليس بجميل ولا حسن، فينبغي أن يكون الإِنسان وسطاً بين هذا وهذا.
    قوله: «ويَكْتَحِلُ وِتْراً» ، الكُحْلُ يكون بالعين.
    وقوله: «وِتْراً» يعني ثلاثةً في كُلِّ عَين.
    قالوا: وينبغي أن يكتحلَ بالإِثْمِدِ كُلَّ ليلة، وهو نوع من الكُحْل مفيدٌ جداً للعين.
    ومن أراد أن يعرفَ عنه فليقرأ: «زادُ المعادِ»[(274)] لابن القَيِّم رحمه الله، وهو من أحسن الكُحْلِ تقويةً للنَّظر.
    ويُقال: إِن زرقاء اليمامة كانت تنظرُ مسيرةَ ثلاثة أيام بعينها المجرَّدة، فلما قُتلَتْ نظروا إِلى عينها فوجدوا أن عروق عينها تكاد تكون محشوَّةً بالإِثْمِدِ[(275)].
    أمَّا الاكتحالُ الذي لتجميل العين فهل هو مشروع للرَّجُلِ أم للأنثى فقط؟
    الظَّاهر أنَّه مشروع للأنثى فقط، أما الرَّجُل فليس بحاجة إلى تجميل عينيه.
    وقد يُقال: إِنه مشروع للرَّجُل أيضاً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما سُئل: إِن أحدنا يحب أن يكون نعلُه حسناً، وثوبُه حسناً فقال: «إن الله جميلٌ يحبُّ الجمال»[(276)].
    وقد يُقال: إِذا كان في عين الرَّجُل عيبٌ يَحتاجُ إلى الاكتحال فهو مشروعٌ له، وإِلا فلا يُشرع[(277)].

    التسميةُ في الوُضُوءِ مَعَ الذِّكْرِ،.........
    قوله: «وتجبُ التَّسميةُ في الوُضُوءِ مع الذِّكر» ، أي يقول: بسم الله، ويكون عند ابتدائه؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا وُضُوء لِمَنْ لم يَذكرِ اسم الله عليه»[(278)]، فدلَّ هذا على أنَّها واجبةٌ، وأنها في البداية، وهذا المشهور؛ لأن التَّسمية على الشيء تكون عند فعله كما في قوله تعالى: {{فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}} [الأنعام: 118] . وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما أَنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ الله عليه فكلوه»[(279)]. والتَّسمية على الذَّبيحة تكون عند الذَّبح قبل الشُّروع فيه، وهذا المشهور من المذهب؛ بناء على القاعدة المعروفة: «أن النَّفي يكون أولاً لنفي الوجود، ثم لنفي الصِّحة، ثم لنفي الكمال». فإِذا جاء نصٌّ في الكتاب أو السُّنَّة فيه نفيٌ لشيء؛ فالأصل أن هذا النفيَ لنفي وجود ذلك الشيء، فإن كان موجوداً فهو نفي الصِّحَّة، ونفيُ الصِّحَّة نفيٌ للوجود الشَّرعي، فإنْ لم يمكن ذلك بأن صحَّت العبادة مع وجود ذلك الشيء، صار النَّفيُ لنفي الكمال لا لنفي الصِّحَّة.
    مثالُ نفي الوجود: «لا خالق للكون إلا الله».
    مثال نفي الصِّحة: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأمِّ الكتاب».
    ومثال نفي الكمال: «لا يُؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه».
    فإِذا نزَّلنا حديث التَّسمية في الوُضُوء على هذه القاعدة فإِنَّها تقتضي أن التسمية شرطٌ في صِحَّة الوُضُوء، لا أنَّها مجرَّد واجب؛ لأن نفيَ الوُضُوء لانتفاء التَّسمية معناه نفي الصِّحَّة، وإذا انتفت صحَّة العبادة بانتفاء شيء كان ذلك الشيء شرطاً فيها. ولكنَّ المذهب أنها واجبة فقط وليست شرطاً. وكأنهم عَدَلُوا عن كونها شرطاً لصحَّة الوُضُوء، لأنَّ الحديث فيه نظر؛ ولهذا ذهب الموفق رحمه الله إِلى أنها ليست واجبة بل سُنَّة[(280)]؛ لأن الإمام أحمد رحمه الله قال: «لا يثبت في هذا الباب شيء» (280) ، وإِذا لم يثبت فيه شيء فلا يكون حُجَّة.
    ولأن كثيراً من الذين وصفوا وُضُوء النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لم يذكروا فيه التَّسمية، ومثل هذا لو كان من الأمور الواجبة التي لا يصحُّ الوُضُوء بدونها لذُكِرَت.
    وإذا كان في الحمَّام، فقد قال أحمد: «إذا عطسَ الرَّجلُ حَمِدَ الله بقلبه»[(281)]، فيُخَرَّج من هذه الرِّواية أنَّه يُسمِّي بقلبه.
    وقوله: «مع الذِّكر» أفادنا المؤلفُ رحمه الله أنها تسقط بالنِّسيان وهو المذهب، فإن نسيها في أوَّله، وذكرها في أثنائه فهل يُسمِّي ويستمر، أم يَبْتَدِئُ؟ اختلف في هذه المسألة «الإِقناعُ» و«المُنتهى» ـ وهما من كتب فقه الحنابلة ـ فقال صاحب «المنتهى»: يبتدئ[(282)]، لأنه ذكر التسمية قبل فراغه، فوجب عليه أن يأتي بالوُضُوء على وجهٍ صحيح.
    وقال صاحب «الإقناع»: يستمر[(283)]؛ لأنَّها تسقط بالنِّسيان إذا انتهى من جملة الوُضُوء، فإذا انتهى من بعضه من باب أولى.
    والمذهب ما في «المنتهى»، لأن المتأخِّرون يرون أنه إذا اختلف «الإقناع» و«المنتهى» فالمذهب «المنتهى».
    وقال الفقهاء: تجب التَّسميةُ في الغُسل[(284)]؛ لأنه إِحدى الطَّهارتين فكانت التسمية فيه واجبة كالوُضُوء، ولأنها إِذا وجبت في الوُضُوء وهو أصغر، وأكثر مروراً على المكلَّف فوجوبُها في الحَدَث الأكبر من باب أولى.
    وقالوا أيضاً: تجب في التيمُّم (284) ؛ لأنه بدل عن طهارة الماء، والبدل له حكم المبدل. وقد يُعارَضُ في هذا فيُقال: إِن التيمُّمَ ليس له حكم المبدل في وجوب تطهير الأعضاء؛ لأنَّ التيمُّم إِنما يُطَهَّرُ فيه عضوان فقط: الوجه والكفَّان في الحدث الأصغر والأكبر، فلا يُقال: ما وجب في طهارة الماء وجب في طهارة التيمُّم، لكن الاحتياط أولى فيسمِّي عند التيمُّم أيضاً.
    والمتأمِّل لحديث عمَّار بن ياسر وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا»[(285)]، يستفيد منه أن التسمية ليست واجبة في التيمُّم.
    والتَّسميةُ في الشَّرع قد تكون شرطاً لصحَّة الفعل، وقد تكون واجباً، وقد تكون سُنَّةً، وقد تكون بدعةً. فتكون شرطاً لصحَّة الفعل كما في الذَّكاة والصَّيد، فلا تسقط على الصَّحيح لا عمداً، ولا جهلاً، ولا سهواً، فإِذا ذَبَحَ، أو صاد ونسي التَّسميةَ؛ صار المذبوح والصَّيد حراماً.
    والمذهب: إِذا رمى صيداً ونسيَ أن يُسمِّيَ صار حراماً، وإِن ذَبَحَ ونسيَ أن يُسمِّي صار حلالاً[(286)]! وهذا من غرائب العلم، فإِنَّ الصَّيد أولى بالعُذر؛ فكيف يُعذر النَّاس في الذَّبيحة، ولا يُعذرون في الصَّيد؟! مع أنَّ الغالب أنَّ الإِنسان إذا رأى صيداً يستعجل وينسى التَّسمية. ودليل المذهب ـ على أن التَّسمية لا تسقط في الصَّيد سهواً ـ قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أرسلت كَلْبَك وسمَّيت فَكُلْ»[(287)]، ومقتضى ذلك أنَّك إِذا لم تذكر اسم الله فلا تأكلْ.
    فنقول: هو أيضاً قال: «ما أَنهرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ الله عليه فَكُلْ، ليس السِّنَّ والظُّفُرَ»[(288)]، وأيُّ فرق بين هذا وهذا؟
    لا فرق، فجعل حِلِّ المذكَّاة مشروطاً بالتَّسمية وإِنهار الدَّم، كما جعل الصَّيد مشروطاً بالإِرسال والتَّسمية، وحينئذٍ لا يتَّجه التَّفريق بينهما، وأيضاً: فكما أنَّه لو نسيَ وذَبَحَ الذَّبيحة بصعق كهربائي، فإنها ميتة لا تحِلُّ، فكذلك إِذا نسيَ ولم يسمِّ فهي ميتة لا تحِلُّ.
    فإن قيل: أليس الله تعالى يقول: {{رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا}} [البقرة: 286] .
    قلنا: بلى؛ فالذي نسيَ أن يسمِّيَ على الذَّبيحة ليس عليه إِثم، لكن من أكل منها متعمِّداً فإِنَّه آثم لأن الله يقول: {{وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}} [الأنعام: 121] فنهى عن الأكل، لكن إِذا أكل جاهلاً، أو ناسياً فلا إِثم عليه لقوله تعالى: {{رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا}} [البقرة: 286] ، وهذا اختيار شيخ الإسلام[(289)] رحمه الله.
    فإن قيل: إن ذلك يترتَّب عليه إتلافٌ لأموال المسلمين، وقد تكون نُوقاً ثمينة؛ فهل يُؤمر صاحبُها بجرِّها للكلاب إذا نسي التَّسمية؟ قلنا: لو نسيَ مرّة فحرَّمناها عليه؛ فإِنَّه لا يمكن أن ينسى بعد ذلك.
    وتكون التَّسميةُ واجبة كما في الوُضوء.
    وتكون مستحبَّة كالتَّسمية عند الأكل على رأي الجمهور[(290)]، وقال بعض العلماء: إنها واجبة (290) وهو الصَّحيح.
    وتكون بدعةً كما لو سَمَّى عند بَدْء الأذان مثلاً، إذا أراد أن يؤذِّن قال: بسم الله الرحمن الرحيم، وكذا عند الصَّلاة.
    أمّا عند قراءة القرآن فتُقرأ في أول السُّورة، وأما في أثناء السُّورة فقال بعضُ العلماء: يُستحب أن يقول: بسم الله[(291)].
    ورَدَّ بعضُ العلماء هذا ـ وهو الصَّحيح ـ وقال: إن الله لم يأمرْنا عند قراءة القرآن إلا أن نقول: أعوذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم، فإِذا أردت أن تقرأ في أثناء السُّورة فلا تُسَمِّ (291) .

    ويجبُ الختانُ ما لم يَخَفْ على نَفْسِهِ،.......
    قوله: «ويجبُ الختانُ ما لم يخفْ على نفسه» ، أوَّلُ مَنْ سَنَّ الخِتانَ إبراهيم عليه السلام[(292)].
    وهو بالنسبة للذَّكر: قطعُ الجلدة التي فوق الحَشَفَة.
    وبالنسبة للأنثى: قطعُ لحمةٍ زائدة فوق محلِّ الإِيلاج، قال الفقهاء رحمهم الله: إِنها تُشبه عُرف الدِّيك.
    وظاهر كلام المؤلِّف: أنه واجب على الذَّكر والأنثى، وهو المذهب. وقيل: هو واجب على الذَّكر دون الأنثى، واختاره الموفق[(293)] رحمه الله.
    وقيل: سُنَّة في حَقِّ الذُّكور والإِناث (293) .
    وقد أطال ابن القيم رحمه الله في «تُحفة المودود»[(294)] في حُجج الاختلاف، ولم يرجِّح شيئاً!، وكأنَّه ـ والله أعلم ـ لم يترجَّح عنده شيء في هذه المسألة.
    وأقرب الأقوال: أنه واجب في حَقِّ الرِّجال، سُنَّةٌ في حَقِّ النِّساء. ووجه التَّفريق بينهما: أنه في حَقِّ الرِّجال فيه مصلحة تعود إلى شرط من شُروط الصَّلاة وهي الطَّهارة، لأنَّه إِذا بقيت هذه الجلدة، فإِن البول إذا خرج من ثُقب الحَشَفَة بقي وتجمَّع، وصار سبباً في الاحتراق والالتهاب، وكذلك كُلَّما تحرَّك، أو عصر هذه الجلدة خرج البول وتنجَّس بذلك.
    وأما في حَقِّ المرأة فغاية فائدته: أنه يُقلِّل من غُلمتِها، أي: شهوتها، وهذا طلب كمال، وليس من باب إِزالة الأذى.
    ولا بُدَّ من وجود طبيب حاذقٍ يعرف كيف يختن، فإِن لم يوجد فإِنه يختن نفسه إذا كان يُحْسن، وإبراهيم عليه السلام خَتَنَ نفسَهُ[(295)].
    واشترط المؤلِّف أنْ لا يخاف على نفسه، فإِن خاف على نفسه من الهلاك، أو الضَّرر، فإِنه لا يجب، وهذا شرطٌ في جميع الواجبات؛ فلا تجب مع العجز، أو مع خوف التَّلف، أو الضَّرر.
    ويجوز للخاتن أن ينظر إلى عورة المختون، ولو بلغ عشر سنين، وذلك للحاجة، والدَّليل على وجوبه في حقِّ الرجال:
    1- قوله صلّى الله عليه وسلّم: «خمسٌ من الفِطرة»، وذكر منها الخِتَان[(296)].
    2- أمره صلّى الله عليه وسلّم من أسلمَ أن يختتن[(297)]، وهذا يدلُّ على الوجوب.
    3- أن الخِتَان مِيزةٌ بين المسلمين والنَّصارى؛ حتى كان المسلمون يَعرفون قتلاهم في المعارك بالختان، فالمسلمون والعرب قبل الإِسلام واليهود يختتنون، والنَّصارى لا يختتنون، وإِذا كان مِيزة فهو واجب.
    4- أنَّه قَطْعُ شيء من البَدَن، وقطعُ شيء من البَدَن حرام، والحرام لا يُستباح إلا بالواجب.
    5- أنه يقوم به وليُّ اليتيم، وهو أعتداءٌ عليه، واعتداءٌ على ماله، لأنه سيعطي الخاتن أجرةً من ماله غالباً، فلولا أنه واجبٌ لم يجز الاعتداء على مال اليتيم وبدنه.
    وأمّا بالنسبة للمرأة فأقوى الأقوال أنه سُنَّةٌ[(298)].
    ويدلُّ له قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الختان سُنَّةٌ في حَقِّ الرِّجال، مَكْرمة في حَقِّ النِّساء»[(299)] لكنه ضعيفٌ، ولو صَحَّ لكان فاصلاً.

    ويُكْرَهُ الْقَزَعُ.
    قوله: «ويُكره القَزَعُ» ، القَزَعُ: حلقُ بعض الرَّأس، وتركُ بعضه، وهو أنواع:
    1- أن يحلِقَ غير مرتّب، فيحلقُ من الجانب الأيمن، ومن الجانب الأيسر، ومن النَّاصية، ومن القَفَا.
    2- أن يحلقَ وسطَه ويترك جانبيه.
    3- أن يحلقَ جوانبه ويتركَ وسطه، قال ابن القيم رحمه الله: «كما يفعله السُّفَل»[(300)].
    4- أن يحلقَ النَّاصيةَ فقط ويتركَ الباقي.
    والقَزَع مكروه[(301)] ؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم رأى غلاماً حلق بعض شعره وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك وقال: «احلقوا كلَّه، أو اتركوه كلَّه»[(302)]. إِلا إِذا كان فيه تشبُّهٌ بالكُفَّار فهو محرَّمٌ، لأن التشبُّه بالكُفَّار محرَّمٌ، قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «من تَشَبَّه بقومٍ فهو منهم»[(303)]، وعلى هذا فإذا رأينا شخصاً قَزَّع رأسه فإِننا نأمره بحلق رأسه كلِّه، ثم يُؤمر بعد ذلك إِمَّا بحلقهِ كلِّه أو تركه كلِّه.

    وَمِنْ سُنَن الوُضُوءِ:
    قوله: «ومن سُنن الوُضُوء» ، السُّنَنَ جمع سُنَّة، وتُطلق على الطَّريقة، وهي أقوال الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم وأفعاله وتقريراته، ولا فرق في هذا بين الواجب والمستحبِّ، فالواجب يُقال له: سُنَّة، والمستحبُّ يُقال له: سُنَّة.
    مثال الواجب: قول أنس: «من السُّنَّة إِذا تزوَّجَ البكرَ على الثيِّب أقام عندها سبعاً»[(304)].
    ومثال المستحبِّ: حديثُ ابن الزبير رضي الله عنه: «صَفُّ القدمين، ووضْعُ اليد على اليد من السُّنَّة»[(305)].
    وأمَّا عند الفقهاء والأصوليين رحمهم الله تعالى: فهي ما سوى الواجب؛ أي: الذي أُمِرَ به لا على سبيل الإِلزام.
    حكمها: أنه يُثاب فاعلها امتثالاً، ولا يُعاقب تاركُها.

    السِّواكُ، وغَسْلُ الكَفَّيْنِ ثلاثاً، ويَجبُ من نومِ لَيْلٍ .........
    قوله: «السِّوَاك» ، تقدَّم أنَّه يتَأَكَّدُ عند الوُضُوء، ودليله: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لولا أن أَشُقَّ على أُمتي لأَمرتُهم بالسِّوَاك مع كُلِّ وُضُوء»[(306)].
    قوله: «وغَسْلُ الكفَّين ثلاثاً» ، لأنه صلّى الله عليه وسلّم كان إذا توضأ بدأ بغسل الكفَّين ثلاثاً[(307)]، ولأنهما آلة الغسل فإِنَّ بهما يُنقل الماء، وتُدلَكُ الأعضاءُ، فكان الأليقُ أن يتقدَّم تطهيرهُما.
    فإن قيل: لماذا لا يُقال: إِن غسلهما واجب لمداومة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؟
    فالجواب: أن الله يقول: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}} [المائدة: 6] ، ولم يذكر الكفين.
    قوله: «ويجبُ من نومِ ليلٍ» ، الضَّمير في قوله: «يجب» يعودُ على غسل الكفَّين ثلاثاً، وهذا إِذا أراد أن يغمسهُما في الإِناء.
    والدَّليل: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا استيقظ أحدُكم من نومه، فلا يغمس يدَه في الإِناء؛ حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإن أحدَكم لا يدري أين باتت يدُه»[(308)].
    وقوله: «مِنْ نومِ ليلٍ» خرج به نوم النهار، فلا يجب غسل الكفَّين منه.
    فإن قال قائل: قولُه في الحديث: «إذا استيقظ أحدُكم من نومه» فإِن «نومه» مفردٌ مضاف فيشمل كُلَّ نومٍ.
    وأيضاً قوله: «إذا استيقظ» ظرف يشمل آناء الليل وآناء النَّهار، فلماذا يُخَصُّ بالليل؟
    فأجابوا: أنَّه يُخَصُّ بالليل لتعليله صلّى الله عليه وسلّم في قوله: «فإِن أحدكم لا يدري أين باتت يدهُ»، والبيتوتة لا تكون إِلا بالليل[(309)]. وهذا من باب تخصيص العام بالعِلَّة، لأنَّه صلّى الله عليه وسلّم لمَّا علَّلَ بعِلَّة لا تصلح إلا لنوم الليل صار المراد بالعموم في قوله: «من نومه» نومَ الليل، فهو عام أُريد به الخاصُّ.

    ناقضٍ لوُضُوءٍ،..........
    قوله: «ناقضٍ لوُضُوء» ، احترازاً مما لو لم يكن ناقضاً.
    والنَّوم النَّاقض على المذهب: كُلُّ نوم إلا يسير نوم من قائم، أو قاعد[(310)]. والصَّحيح أن المدار في نقض الوُضُوء على الإِحساس، فما دام الإِنسان يحسُّ بنفسه لو أحدث فإِن نومه لا يَنْقُضُ وضوءَه، وإِذا كان لا يحسُّ بنفسه لو أحدث فإِن نومَه يَنْقُضُ وضوءَه (310) .
    وهذا الذي ذكره الفقهاء هنا حيث قالوا: «ناقضٍ لوُضُوءٍ»، يؤيِّدُ أنَّ الرَّاجح أنَّ النَّوم النَّقض للوُضُوء ما فَقَدَ به الإِنسانُ إِحساسَه.
    ووجهه: أن قوله: «فإن أحدَكم لا يدري» معناه أن إحساسه مفقود، وعلى هذا إذا كان يدري بحيث لم يفقدْ إِحساسه فإنه لا ينتقض وضوءُه، مع أنَّ الفقهاء في باب نواقض الوضوء يخالفون ذلك.

    والبدَاءَةُ بِمَضْمَضَةٍ، ثُمَّ اسْتِنْشَاقٍ، والمبالغةُ فيهما لغيرِ صائمٍ،.........
    قوله: «والبَدَاءَةُ بمَضْمَضَةٍ ثم استنشاق» ، أي: ومن سُنَنِ الوُضُوء البَدَاءَةُ بمضمضة ثم استنشاق، وهذا بعد غسل الكَفَّين، والأفضل أن يكون ثلاث مَرَّات بثلاث غَرَفات.
    والمضْمَضَةُ هي: إِدارة الماء في الفَمِ.
    والاستنشاق هو: جَذْبُ الماء بالنَّفَسِ من الأنف.
    والبَدْءُ بهما قبلَ غسل الوجه أفضل، وإِن أخَّرهما بعد غسل الوجه جاز.
    ولم يذكر المؤلِّف الاستنثار؛ لأن الغالب أن الإنسان إِذا استنشق الماء أنه يستنثره، وإِلا فلا بُدَّ من الاستنثار، إذ لا تكتمل السُّنَّة إلا به، كما أنها لا تكتمل السُّنَّة بالمضمضة إلا بمجِّ الماء، وإن كان لو ابتلعه لعُدَّ متمضمضاً، لكن الأفضل أن يمجَّه؛ لأن تحريك الماء بالفمِ يجعل الماء وسخاً لما يلتصق به من فضلات كريهة بالفم.
    قوله: «والمبالغة فيهما لغير صائم» ، «فيهما» أي: ومن سُنَنِ الوُضُوء المبالغة في المضمضة والاستنشاق، والمبالغة في المضمضة: أن تحرِّكَ الماء بقوة وتجعله يصلُ كلَّ الفم، والمبالغة في الاستنشاق: أن يجذبه بنفس قويٍّ.
    ويكفي في الواجب أن يديرَ الماء في فمه أدنى إِدارة، وأن يستنشقَ الماءَ حتى يدخل في مناخره.
    والمبالغة مكروهةٌ للصَّائم، لأنها قد تؤدِّي إلى ابتلاع الماء ونزوله من الأنف إلى المعدة؛ ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم للقيط بن صَبِرَة: «أسْبِغِ الوُضُوء، وخَلِّلْ بين الأصابع، وبالغْ في الاستنشاقِ، إلا أن تكون صائماً»[(311)].
    وإذا كان في الإنسان جيوبٌ أنفيةٌ، ولو بالغ في الاستنشاق احتقن الماءُ بهذه الجيوب وآلمه، أو فسد الماء وأدَّى إِلى صديد أو نحو ذلك، ففي هذه الحال نقول له: لا تبالغ درءاً للضَّرر عن نفسك.

    وتَخْليلُ اللِّحْيَةِ الكثيفةِ ........
    قوله: «وتخليلُ اللِّحْيَة الكثيفة» ، أي ومن سنن الوضوء تخليل اللحية الكثيفة، واللحية إِما خفيفةٌ، وإِما كثيفةٌ.
    فالخفيفة هي التي لا تَسْتُرُ البشرة، وهذه يجب غسلُها وما تحتها؛ لأنَّ ما تحتها لمَّا كان بادياً كان داخلاً في الوجه الذي تكون به المواجهة، والكثيفةُ: ما تَسْتُرُ البشرة، وهذه لا يجب إِلا غسل ظاهرها فقط، وعلى المشهور من المذهب يجب غسل المسترسل منها.
    وقيل: لا يجب كما لا يجب مسحُ ما استرسلَ من الرَّأسِ[(312)]، والأقرب في ذلك الوجوب[(313)]، والفرق بينهما وبين الرأس: أن اللحية وإِن طالت تحصُل بها المواجهة؛ فهي داخلة في حَدِّ الوجه، أما المسترسلُ من الرَّأس فلا يدخل في الرَّأس لأنَّه مأخوذ من التَّرؤُّس وهو العُلو، وما نزل عن حدِّ الشَّعر، فليس بمُتَرئِّسٍ.
    والتَّخليل له صفتان:
    الأولى: أن يأخذَ كفًّا من ماء، ويجعله تحتها ويَعْرُكَها حتى تتخلَّلَ به.
    الثانية: أن يأخذ كفًّا من ماء، ويخلِّلَها بأصابعه كالمشط، والدَّليل قول عُثمان رضي الله عنه: «كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يُخلِّلُ لحيته في الوُضُوء»[(314)]، وهذا الحديث وإن كان في سنده مقال؛ لكن له طُرُقٌ كثيرة، وشواهد تدلُّ على أنه يرتقي إلى درجة الحسن على أقلِّ درجاته، وعلى هذا يكون تخليل اللِّحية الكثيفة سُنَّة.
    وذكر أهل العلم أن إِيصال الطَّهور بالنسبة للشعر ينقسم إلى ثلاثة أقسام[(315)]:
    الأول: ما يجب فيه إيصال الطَّهور إلى ما تحت اللِّحية، كثيفة كانت، أم خفيفة، وهذا في الطَّهارة الكُبرى من الجنابة لحديث عائشة رضي الله عنها: «كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يصبُّ على رأسه الماء حتى إِذا ظَنَّ أنه أروى بشرَتَه أفاض عليه ثلاث مرَّات»[(316)]، وحديث: «اغسلوا الشعر، وأنْقُوا البشرة»[(317)].
    الثاني: ما لا يجب فيه إِيصال الطَّهور إِلى ما تحت الشَّعر، سواء كان خفيفاً، أم ثقيلاً، وهذا في طهارة التيمُّم.
    الثالث: ما يجب فيه إِيصال الطَّهورِ إلى ما تحت اللِّحية إِن كانت خفيفة، ولا يجب إِن كانت كثيفة، وهذا في الوُضُوء.
    فإن لم يكن له لحية سقط التَّخليل.
    وهل يُقال مثلُ هذا في الأصْلع الذي ليس على رأسه شعر بالنسبة للحلق، أو التَّقصير في النُّسك؟
    قال بعض العلماء: يُسَنُّ أن يَمُرَّ بالموسى على رأسه[(318)].
    وهذا في الحقيقة لا فائدة له؛ لأنَّ إمرار الموسى على الشَّعر ليس مقصوداً لذاته حتى يُقال: لمَّا تعذَّر أحد الأمرين شُرع الأخذ بالآخر؛ لأن المقصود من إِمرار الموسى إزالة الشَّعر، وهذا لا شعر له.
    ونظير هذا قول من قال: إِن الأخرس لا بُدَّ أن يقرأ الفاتحة، بأن يحرِّك لسانه وشفتيه، ولا صوت له[(319)].
    وهذا لا فائدة له؛ لأن تحريك اللسان والشفتين لإِظهار النُّطق والقِراءة، وإِذا كان هذا متعذِّراً فتحريكُهما عبث.

    والأصَابِعِ،.......
    قوله: «والأصابع» ، أي: ومن سُنَنِ الوُضُوء تخليل أصابع اليدين، والرِّجلين، وهو في الرِّجلين آكد لوجهين:
    الأول: أنَّ أصابعهما متلاصقة.
    والثَّاني: أنهما تباشران الأذى فكانتا آكد من اليدين.
    وتخليل أصابع اليدين: أن يُدخِلَ بعضُهما ببعض.
    وأما الرِّجْلان فقالوا: يُخلِّلهما بخنصر يده اليُسرى؛ مبتدئاً بخنصر رجله اليُمنى من الأسفل إِلى الإِبهام، ثم الرِّجل اليُسرى يبدأ بها من الإبهام لأجل التَّيامن؛ لأن يمين الرِّجل اليُمنى الخنصر، ويمين اليُسرى الإِبهام، ويكون بخنصر اليد اليُسرى تقليلاً للأذى؛ لأنَّ اليُسرى هي التي تُقدَّم للأذى[(320)].
    وهذا استحسنه بعضُ العلماء، لكن القول: بأنه من السُّنَّة وهو لم يَرِدْ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فيه نظر!، فيُقال: هذا استحسانٌ من بعض العلماء، لكن لا يُلتَزَمُ به كسُنَّة.
    وهذا يُشبه ما ذكروه في تقليم الأظافر من أنَّه يُقلِّمُها مخالفاً[(321)]، ورووا حديثاً لا يصحُّ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «أن من قلَّم أظفاره مخالفاً لم يصبْه رمدٌ في عينيه»[(322)]. وصِفَةُ المخالفة هنا أن تبدأ بخِنْصَرِ اليمنى؛ ثم الوسطى؛ ثم الإِبهام؛ ثم البِنْصِر؛ ثم السَّبَّابة. وفي اليسرى أن تبدأ بالإِبهام؛ ثم الوسطى؛ ثم الخِنْصَر؛ ثم السَّبَّابة؛ ثم البِنْصِر.
    وهذا لو صَحَّ فيه الحديث لقلنا به وعلى العين والرأس، فربَّما يكون سبباً لشفاء العين ونحن لا ندركه، لكن الحديث لا يثبت عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وإنما يكون تقليم الأظافر على ما ورد في حديث عائشة قالت: «كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يعجبه التيمُّنُ في تنعُّله،وترجُّله، وطُهوره، وفي شأنه كلِّه»[(323)]. فيبدأ بخِنْصَرِ اليد اليمنى؛ ثم البِنْصِر؛ ثم الوسطى؛ ثم السَّبَّابة؛ ثم الإِبهام؛ ثم إِبهام اليسرى؛ ثم السَّبَّابة؛ ثم الوسطى؛ ثم البِنْصَر؛ ثم الخِنْصَر، هذا على أنَّ في النَّفس ثقلاً من ذلك، لكنه أقرب من المخالفة.

    والتَّيَامُنُ،........
    قوله: «والتَّيَامن» ، أي: ومن سُنَن الوُضُوء التَّيَامُن، وهو خاصٌّ بالأعضاء الأربعة فقط وهما: اليدان والرِّجْلان، تبدأ باليد اليمنى ثم اليسرى، والرِّجْل اليُمنى ثم اليسرى.
    أما الوجه فالنُّصوص تدلُّ على أنَّه لا تيامن فيه، اللهم إلا أن يعجزَ الإِنسان عن غسله دفعة واحدة فحينئذٍ يبدأ بالأيمن منه، وكذلك الرَّأس.
    والأُذنان يُمسحان مرَّة واحدة؛ لأنَّهما عضوان من عضو واحد، فهما داخلان في مسح الرَّأس، ولو فُرِضَ أنَّ الإِنسان لا يستطيع أن يمسحَ رأسه إِلا بيد واحدة، فإنه يبدأ باليمين، وبالأُذن اليمنى.
    والدَّليل على مشروعية التَّيامن حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعجبه التَّيمُّنُ في تنعُّله، وترجُّله، وطُهُورِه، وفي شأنه كُلِّه»[(324)].
    وأما المسح على الخُفين فقال بعض العلماء: يمسحُهما معاً[(325)]، لأنَّهما لما مُسحا كانا كالرَّأس؛ ولأنَّ المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: «فمسح على خُفيه»[(326)]، ولم يذكر التَّيامن.
    وقال بعض العلماء: يُستحب التَّيامن[(327)]، لأن المسح فرعٌ عن الغسل؛ ولأنهما عضوان يتميَّز أحدُهما عن الآخر بخلاف الرأس، وإِنما لم يذكر التَّيامن لكونه معلوماً من هديه صلّى الله عليه وسلّم أنَّه كان يعجبه التَّيامن، كما لو قال في الوُضُوء: ثم غسل رجليه، ولم يذكر اليُمنى قبل اليُسرى. وهذا هو الأقرب؛ أنَّك تبدأ باليُمنى قبل اليُسرى[(328)]، والأمرُ في هذا واسع إِن شاء الله تعالى.

    وأَخْذُ ماءٍ جديدٍ للأُذُنَيْنِ،..........
    قوله: «وأخْذُ ماءٍ جديد للأُذُنَيْن» ، أي ومن سُنَن الوُضُوء أخْذُ ماءٍ جديد للأُذُنين، فيُسَنُّ إِذا مسح رأسه أن يأخذ ماءً جديداً لأُذُنيه، والدَّليل حديث عبد الله بن زيد أنه رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم يتوضَّأ، فأخذ لأُذُنيه ماءً خلاف الماء الذي أخذ لرأسه[(329)].
    وهذا الحديث شاذٌّ؛ لأنه مخالف لما رواه مسلم أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم مسح برأسه بماء غير فضل يديه[(330)]، ولأنَّ جميع من وصَفَ وضوءَه صلّى الله عليه وسلّم لم يذكروا أنَّه أخذ ماءً جديداً للأُذُنين. فعلى هذا يكون الصَّواب: أنَّه لا يُسَنُّ أنْ يأخذ ماءً جديداً للأُذُنين.
    وأمَّا التَّعليل لمشروعية أخذ ماء جديد للأذنين: أنهما كعضو مستقل. فجوابه أنهما يُمسحان مع الرَّأس مرَّةً واحدة فليسا عضواً مستقلاً.

    والغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ، والثَّالثة.
    قوله: «والغَسْلَةُ الثَّانيةُ والثَّالثةُ» ، أي من سُنَنِ الوُضُوء الغسلة الثَّانية، والثَّالثة. والأولى واجبة لقوله تعالى: {{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}} [المائدة: 6] .
    والثَّانية أكمل، والثَّالثة أكمل منهما؛ لأنَّهما أبلغ في التَّنظيف.
    وقد ثبت عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه توضَّأ مرَّة مرَّة[(331)]، ومرَّتين مرَّتين[(332)]، وثلاثاً ثلاثاً[(333)].
    وتوضَّأ كذلك مخالفاً، فغسل وجهه ثلاثاً، ويديه مرَّتين، ورجليه مرَّة[(334)].
    وقد كَرِهَ بعضُ العلماء أن يخالفَ بين الأعضاء في العدد[(335)]، فإذا غسلت الوجه مرَّة، فلا تغسل اليدين مرَّتين وهكذا.
    والصَّواب أنَّه لا يُكره؛ فإِنه ثبت أن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم خالف فغسل الوجه ثلاثاً، واليدين مرَّتين، والرِّجلين مرَّة.
    والأفضل أن يأتي بهذا مرَّة، وبهذا مرَّة.
    وقد يُقال: إِنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم توضَّأ مرَّة لبيان الجواز، لا على سبيل التعبُّد باختلاف العبادات، وتوضأ مرَّتين لبيان الجواز أيضاً.
    وخَالف كذلك لبيان الجواز. لكن نقول: إِنَّ الأصل التعبُّد والمشروعية.
    فالذي يظهر: أن الإِنسان ينوِّعُ، وعلى كلام المؤلِّف: الثَّلاث أفضل من الثِّنتين، والثِّنتان أفضل من الواحدة.
    وقد ألغز بعض العلماء بهذه المسألة فقال: لنا سُنَّةٌ هي أفضل من واجب[(336)]! وقد قال الله عزّ وجل في الحديث القُدسي: «وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضت عليه»[(337)]. والتثليثُ في الوُضُوء سُنَّةٌ، وهي أفضل من الغسل مرَّةً مرَّةً وهي واجبةٌ، وابتداء السَّلام سُنَّةٌ، وهو أفضل من ردّه الواجب.
    والجواب: أن هذا اللُّغز خطأ من أصله؛ لأن غسل أعضاء الوُضُوء ثلاثاً قد دخل فيه الواجب وزِيد عليه، وأما ابتداء السَّلام فمُناقَشٌ من وجهين:
    الأول: أن يُقال: لا نسلِّم أنَّ ابتداءه أفضلُ، بل ردُّه أفضلُ لعموم الحديث: «ما تقرَّب إليَّ عبدي...»، فيبطل الإلغاز من أصله.
    الثَّاني: أنَّنا لو سلَّمنا أن ابتداء السَّلام أفضل من ردِّه؛ فذلك لأن ردّه مبنيٌّ عليه؛ فحاز مبتدئ السَّلام فضيلتين: الأولى: ابتداءُ السلام، والثانية: أنه كان سبباً للواجب.
    فالحاصل أن النَّفل لا يمكن أن يكون أفضل من الواجب للحديث الذي ذكرناه وللنَّظر الصَّحيح؛ لأنَّه لولا محبَّة الله لهذه العبادة ما أوجبها، ولجعلها إلى اختيار الإنسان.

    ----------------------------------------

    [244] انظر: «المغني» (1/137)، «الشرح الكبير» (1/247).
    [245] رواه أحمد (1/158) وإِسناده ضعيف، وانظر: «التلخيص الحبير» رقم (69).
    [246] انظر: «المجموع شرح المهذب» (1/282).
    [247] رواه البخاري، كتاب الجمعة: باب السواك يوم الجمعة، رقم (887)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب السواك، رقم (252) واللفظ له من حديث أبي هريرة.
    [248] رواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم، كتاب الصوم: باب السواك الرَّطب واليابس للصائم، ترجمة حديث، رقم (1934).
    [249] انظر: «حاشية العنقري على الروض المربع» (1/133).
    [250] رواه الدارقطني (2/204) رقم (2347)، ومن طريقه البيهقي (4/274)، من حديث علي، والحديث ضعّفه البيهقي، وابن حجر. انظر: «التلخيص» رقم (64).
    [251] رواه البخاري، كتاب الصوم: باب فضل الصوم، رقم (1894)، ومسلم، كتاب الصيام: باب فضل الصيام رقم (1151) من حديث أبي هريرة.
    [252] رواه البخاري، كتاب الجنائز: باب الصلاة على الشهيد، رقم (1343)، من حديث جابر بن عبد الله.
    [253] انظر: «المغني» (1/138)، «شرح منتهى الإِرادات» (1/38).
    [254] رواه أحمد (4/33، 211)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب في الاستنثار، رقم (142)، والنسائي كتاب الطهارة: باب المبالغة في الاستنشاق، (1/67) رقم (87)، والترمذي، كتاب الصوم: باب ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم، رقم (788)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب المبالغة في الاستنشاق والاستنثار، رقم (407).
    وصَحَّحه جمعٌ منهم: الترمذي، وابن خزيمة، والحاكم، والنووي وغيرهم.
    انظر: «الخلاصة» رقم (149)، «شرح صحيح مسلم» للنووي رقم (226)، «المحرر» (1/103) رقم (45)، «التلخيص» رقم (80).
    [255] انظر: «الإِنصاف» (1/242).
    [256] انظر: «الإِقناع» (1/31).
    [257] انظر: «مجموع الفتاوى» (25/266)، «الاختيارات» ص(10).
    [258] تقدم تخريجه، ص(147).
    [259] تقدم تخريجه ص(148).
    [260] رواه البخاري، كتاب جزاء الصيد: باب سُنَّة المحرم إِذا مات، رقم (1851) واللفظ له، ومسلم، كتاب الحج: باب ما يُفعل بالمحرم إِذا مات، رقم (1206) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
    [261] رواه البخاري تعليقاً بصيغة التمريض، كتاب الصوم: باب السّواك الرطب واليابس للصائم، انظر رقم (1934). ووصله أحمد (3/445)، وأبو داود، كتاب الصوم: باب السواك للصائم، رقم (2364)، والترمذي، كتاب الصوم: باب ما جاء في السواك للصائم، رقم (725) وقال: حديث حسن، وابن خزيمة رقم (2007). ومداره على عاصم بن عبيد الله، قال الحافظ فيه: ضعيف.
    انظر: «التقريب» (3082).
    [262] تقدم تخريجه ص(147).
    [263] رواه البخاري، كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: {{وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}}، رقم (7404) ومسلم، كتاب التوبة: باب في سعة رحمة الله، رقم (2751) عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لما خلق الله الخلق، كتب في كتابه، وهو يكتب على نفسه، وهو وَضْعٌ عنده على العرش: إِن رحمتي تغلبُ غضبي». واللفظ للبخاري.
    [264] تقدم تخريجه ص(147).
    [265] رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب السِّواك، رقم (245) واللفظ له، ومسلم كتاب الطهارة: باب السواك، رقم (255)، ولفظه: «كان إِذا قام ليتهجد....».
    [266] انظر: «المصباح المنير» (1/327).
    [267] انظر: «مجموع الفتاوى» (6/439).
    [268] تقدم تخريجه ص(147).
    [269] رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب التيمُّن في الوضوء والغُسْل، رقم (168) واللفظ له، ومسلم، كتاب الطهارة: باب التيمُّن في الطهُور وغيره، رقم (268) عن عائشة رضي الله عنها..
    [270] انظر: «مجموع الفتاوى» (21/108 ـ 113)، «الإِنصاف» (1/272، 273).
    [271] انظر: «شرح الزرقاني على مختصر خليل» (1/72).
    [272] رواه أحمد (6/22)، وأبو داود، كتاب الترجل، رقم (4160)، والنسائي، كتاب الزينة: باب التَّرجُّل، (8/185). وانظر (8/133). من حديث عبد الله بن شقيق، ورجل من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم ـ يُقال له: عبيد ـ بإِسنادين صحيحين.
    [273] رواه البخاري، كتاب الشهادات: باب لا يشهد على شهادة جور، رقم (2651)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة: باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم، رقم (2535) من حديث عمران بن حصين.
    [274] انظر: «زاد المعاد» (4/283).
    [275] انظر: «خزانة الأدب» للبغدادي (10/255) الشاهد رقم (845) تحقيق/ عبد السلام هارون.
    [276] رواه مسلم، كتاب الإِيمان: باب تحريم الكبر وبيانه، رقم (91) من حديث عبد الله بن مسعود.
    [277] وفي «مجموع الفتاوى» لشيخنا (11/116) قال: «وأما الرِّجَال فمحل نظر، وأنا أتوقف فيه، وفرق بين الشاب الذي يُخشى من اكتحاله فِتْنَةٌ فيُمنع، وبين الكبير الذي لا يُخشى ذلك من اكتحاله فلا يُمنع».
    [278] رواه أحمد (2/418)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب التسمية على الوضوء، رقم (101)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب التسمية على الوضوء رقم (399)، وغيرهم من حديث أبي هريرة.
    وفي إِسناده يعقوب بن أبي سلمة: «مجهول».
    إِلا أنه روي من حديث: أبي سعيد، وسعيد بن زيد، وعائشة، وسهل بن سعد، وأبي سَبرة، وأم سبرة، وعلي، وأنس، ولا يخلو طريق منها من مقال.
    قال ابن كثير: «رُويَ من طُرقٍ يشدُّ بعضها بعضاً، فهو حديث حسن أو صحيح».
    قال ابن حجر: «والظَّاهر أن مجموع هذه الأحاديث يحدث منها قوَّة».
    وصحَّحه: أبو بكر بن أبي شيبة. وحسَّنه: العراقي، وابن الصَّلاح، وابن تيمية، وابن كثير، وغيرهم.
    انظر: «شرح العمدة» لابن تيمية (1/170)، «إِرشاد الفقيه» لابن كثير (1/36)، «التلخيص الحبير» رقم (70).
    [279] رواه البخاري، كتاب الشركة: باب قسمة الغنائم، رقم (2488)، ومسلم، كتاب الأضاحي: باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم، رقم (1968) عن رافع بن خديج.
    [280] انظر: «المغني» (1/145)، «الإِنصاف» (11/273).
    [281] انظر: «المغني» (1/227)، «الإِنصاف» (1/191).
    [282] انظر: «منتهى الإِرادات» (1/17).
    [283] انظر: «الإِقناع» (1/41).
    [284] انظر: «الإِنصاف» (1/274، 275)، «الإِقناع» (1/40).
    [285] رواه البخاري، كتاب التيمم: باب التيمم ضربة، رقم (347)، واللفظ له، ومسلم كتاب الحيض: باب التيمم، رقم (368).
    [286] انظر: «الإِقناع» (4/319، 334).
    [287] رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد: باب صيد المعراض، رقم (5476)، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح: باب الصيد بالكلاب المعلمة، رقم (1929) من حديث عدي بن حاتم.
    [288] تقدم تخريجه ص(158).
    [289] انظر: «مجموع الفتاوى» (35/239).
    [290] انظر: «فتح الباري» (9/522)، «الإِنصاف» (21/361 ـ 363)، «زاد المعاد» (2/397).
    [291] انظر: «البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة» ص(11).
    [292] رواه ابن أبي عاصم في «الأوائل» رقم (19)، والطبراني في «الأوائل» له رقم (10) عن سلمة بن رجاء، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كان إِبراهيم أول من اختتن...». وسلمة بن رجاء: صدوق يُغرب كما في «التقريب»، وسيأتي ص(165). قول ابن عدي فيه: «يحدث عن قومٍ بأحاديث لا يُتابع عليها».
    إِلا أنه قد تابعه أبو أسامة حماد بن أسامة ـ وهو ثقة ـ حدثني محمد بن عمرو بن علقمة به. فيما رواه ابن عساكر «التاريخ» (6/201)، فمدار الحديث إِذاً على محمد بن عمرو بن علقمة؛ وهو صدوق له أوهام، كما في «التقريب».
    قال ابن معين: ما زال الناس يتقون حديثه. قيل له: وما عِلَّة ذلك؟
    قال: كان يُحدِّث مرَّة عن أبي سلمة بالشيء من رأيه، ثم يُحدِّث به مرَّة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة «تهذيب الكمال» (26/216)، فلا تطمئن النفس لتحمله هذا الحديث ما لم يُتابع.
    ورواه ابن عدي (1/360) عن إِبراهيم بن أبي يحيى، عن يحيى، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة به مرفوعاً.
    إِبراهيم بن أبي يحيى: متروك. وتابعه حماد بن سلمة عند البيهقي في «الشُّعب» رقم (8641) ولكنها متابعة لا تنفع؛ لأن الراوي عن حماد هو عبد الله بن واقد: متروك. ورواه البخاري في «الأدب المفرد» رقم (1250)، والبيهقي في «الشُّعب» رقم (8640) من طريقين عن سعيد بن المسيب موقوفاً عليه، من قوله.
    قال البيهقي: هذا هو الصحيح؛ موقوف.
    [293] انظر: «المغني» (1/115)، «الإِنصاف» (11/266، 267).
    [294] انظر: «تحفة المودود» ص(95 ـ 106).
    [295] رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء: باب قول الله تعالى: «واتخذ الله إِبراهيم خليلاً» رقم (3356)، ومسلم، كتاب الفضائل: باب من فضائل إِبراهيم، رقم (2370) عن أبي هريرة.
    [296] رواه البخاري، كتاب الاستئذان: باب الختان بعد الكبر ونتف الإِبط، رقم (6297)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب خصال الفطرة، رقم (257) عن أبي هريرة.
    [297] ولفظه: «ألقِ عنك شعر الكفر واختتن» رواه أحمد (3/415)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب في الرجل يسلم فيؤمر بالغسل، رقم (356) عن ابن جُريج قال: أُخبرت عن عُثيم بن كُليب عن أبيه عن جده فذكره.
    قال ابن القطّان الفاسي: «إِسناده غاية في الضَّعف، مع الانقطاع الذي في قول ابن جريج: أُخبرت، وذلك أن عُثيم بن كُليب وأباه وجدّه مجهولون»، «بيان الوهم والإِيهام» رقم (695).
    إِلا أن له شاهدين:
    الأول: من حديث واثلة بن الأسقع، رواه الطبراني في «الكبير» (22/رقم 199)، والحاكم (3/570). قال الهيثمي: «فيه منصور بن عمار الواعظ وهو ضعيف». «المجمع» (1/283).
    الثاني: من حديث قتادة أبي هشام، رواه الطبراني في «الكبير» (19/رقم 20) ولفظه: «وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يأمر من أسلم أن يختتن».
    قال الهيثمي: «رجاله ثقات» «المجمع» (1/283).
    قلت: فيه هشام بن قتادة الرهاوي: تابعي لم يوثّقه إِلا ابنُ حبان. «الثقات» (7/569) ومالَ النووي في «المجموع» (2/154) إِلى تحسينه.
    وروى البخاري في «الأدب المفرد» رقم (1252) بإِسناد صحيح عن الزهري قال: «كان الرجل إِذا أسلم أُمر بالاختتان، وإِنْ كان كبيراً».
    قال ابن كثير: «هذا مرسل حسن»، «إِرشاد الفقيه» (1/34).
    وانظر: «المجمع» (7/569)، «التلخيص» رقم (2139).
    [298] انظر: «مجموع الفتاوى» (21/114).
    [299] أخرجه أحمد (5/75)، والبيهقي (8/325) وغيره من حديث شداد بن أوس، والحديثُ ضعّفه: البيهقي، وابن عبد البرِّ، وابن حجر، وغيرهم.
    انظر: «التلخيص» رقم (2139).
    [300] انظر: «تحفة المودود» ص(59).
    [301] انظر: «شرح صحيح مسلم» للنووي، كتاب اللباس: باب كراهة القزع، (7/352).
    [302] رواه عبد الرزاق في «المصنف» رقم (19564)، وعن أحمد بن حنبل (2/88)، وعنه أبو داود، كتاب الترجل: باب في الذؤابة، رقم (4195) عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر به.
    قال ابن عبد الهادي: «هذا إِسناد صحيح، ورواته كلهم أئمة ثقات». «المحرر» رقم (36).
    قال ابن كثير: «إِسناده صحيح». «إِرشاد الفقيه» (1/33).
    [303] رواه أحمد (2/50)، وأبو داود، كتاب اللباس: باب في لبس الشهرة، رقم (4031) عن ابن عمر، بإِسنادٍ قال فيه ابنُ تيمية: «وهذا إِسناد جيد، فإِن ابن أبي شيبة، وأبا النضر، وحسان بن عطية ثقات مشاهير أجلاء من رجال الصحيحين، وهم أجلُّ من أن يُحتاج أن يُقال: هم من رجال الصحيحين». انظر: «الاقتضاء» (82).
    [304] رواه البخاري، كتاب النكاح: باب إِذا تزوج البكر على الثيب، رقم (5213)، ومسلم، كتاب الرضاع: باب قدر ما تستحقه البكر والثيب من إِقامة الزوج عندها عقب الزفاف، رقم (1461).
    [305] رواه أبو داود، كتاب الصلاة: باب وضع اليُمنى على اليسرى في الصلاة، رقم (754).
    قال النووي: «رواه أبو داود بإِسناد حسن». «الخلاصة» رقم (1091).
    [306] رواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم، كتاب الصوم: باب سواك الرطب واليابس للصائم، انظر رقم (1934) بلفظ: «عند كل وضوء» من حديث أبي هريرة.
    ورواه ـ بهذا اللفظ ـ أحمد (2/460، 517)، وابن خزيمة رقم (140).
    قال النووي: «هو حديث صحيح... وأسانيده جيدة». «المجموع» (1/328).
    قال ابن عبد الهادي: «رواته كلهم أئمة أثبات»، انظر: «المحرر» رقم (26).
    [307] رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، رقم (159)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب صفة الوضوء وكماله، رقم (226) من حديث عثمان بن عفان.
    [308] تقدم تخريجه ص (49).
    [309] انظر: «المغني» (1/140).
    [310] انظر ص(275 ـ 278).
    [311] تقدم تخريجه ص (149).
    [312] انظر: «الإِنصاف» (1/284).
    [313] انظر: ص(211).
    [314] رواه الترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء في تخليل اللحية، رقم (31)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب ما جاء في تخليل اللحية، رقم (430) وغيرهما، من حديث عثمان بن عفان، وفي إِسناده عامر بن شقيق: لين الحديث.
    إِلا أن له شاهداً من حديث أنس؛ رواه أبو داود، كتاب الطهارة: باب تخليل اللحية، رقم (145)، والحاكم (1/149) وصحَّحه، وله شواهد كثيرة انظرها في «التلخيص الحبير» رقم (86).
    والحديث صَحَّحه: الترمذي، وابن خزيمة، والحاكم، وابن حبان، وابن القطان.
    وحسَّنه ابن الملقن.
    وقال البخاري: أصحُّ شيء عندي في التخليل حديث عثمان. فقيل له: إِنهم يتكلَّمون في الحديث؟ فقال: هو حَسَنٌ. «علل الترمذي الكبير» (1/115).
    [315] انظر: «المغني» (1/164، 301، 302)، «القواعد» لابن رجب ص(4).
    [316] رواه البخاري، كتاب الغسل: باب تخليل الشعر، رقم (272)، ومسلم، كتاب الحيض: باب صفة غسل الجنابة، رقم (316).
    [317] رواه أبو داود، كتاب الطهارة: باب الغسل من الجنابة، رقم (248)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء أن تحت كلّ شعرة جنابة، رقم (106)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب تحت كلِّ شعرة جنابة، رقم (597) من حديث أبي هريرة. ومداره على الحارث بن وجيه، وهو ضعيف جداً. والحديث ضعّفه: الشافعي، وأحمد، والبخاري، وأبو حاتم الرازي، وأبو داود، والبيهقي، والنووي، وغيرهم.
    انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (1/29)، «المعرفة والآثار» (1/483).
    [318] انظر: «الإِنصاف» (9/211).
    [319] انظر: «الإِنصاف» (3/413).
    [320] انظر: «المغني» (1/152).
    [321] انظر: «المغني» (1/118)، «الإِنصاف» (1/251).
    [322] رواه ابن بطَّة (شرح العمدة) لابن تيمية (1/240)، وذكره ابن قدامة في «المغني»، والجيلاني في «الغُنية» دون عزوٍ لمصدر، وقال عنه ابن القيم: «إِنه من أقبح الموضوعات»، ونصَّ السخاوي ومُلاّ علي قاري على أنه لم يثبت في كيفية قصّ الأظافر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم شيء.
    انظر: «المغني» (1/118)، «المنار المنيف» ص(74)، «الأسرار المرفوعة» (257)، «تذكرة الموضوعات» ص(160).
    [323] تقدم تخريجه ص(155).
    [324] تقدم تخريجه ص(155).
    [325] انظر: «الإِنصاف» (1/418).
    [326] رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب الصلاة في الخفاف، رقم (388)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب المسح على الخفين، رقم (274).
    [327] انظر: «الإِنصاف» (1/418).
    [328] وقال شيخنا في مجموع الفتاوى (11/177): «... يكون المسح باليدين جميعاً على الرجلين جميعاً، يعني اليد اليمنى تمسح الرجل اليمنى، واليد اليسرى تمسح الرجل اليسرى في نفس اللحظة، كما تمسح الأذنان؛ لأن هذا هو ظاهر السنة؛ لقول المغيرة رضي الله عنه: «فمسح عليهما»، ولم يقل: بدأ باليمنى....».
    [329] رواه البيهقي (1/65) وقال: «هذا إِسناد صحيح». فتعقَّبه ابن التركماني بقوله: «ذكر صاحب الإِمام [ابن دقيق العيد] أنه رآه في رواية ابن المقري عن حرملة عن ابن وهب بهذا الإِسناد وفيه: ومسح بماء غير فضل يديه لم يذكر الأذنين.
    وتعقَّبه أيضاً ابن حجر بقوله: «وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ: ومسح برأسه بماءٍ غير فضل يديه، وهو المحفوظ»، «بلوغ المرام» رقم (42).
    قال ابن القيم: «لم يثبت أنه أخذ لهما ماءً جديداً، وإِنما صَحَّ ذلك عن ابن عمر». «زاد المعاد» (1/95).
    [330] رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب صفة الوضوء، رقم (236) من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه.
    [331] رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب الوضوء مرّة مرّة، رقم (157). من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
    [332] رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب الوضوء مرتين مرتين، رقم (158). من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه.
    [333] رواه البخاري كتاب الوضوء: باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، رقم (159)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب صفة الوضوء وكماله، رقم (226)، من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه.
    [334] رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب غسل الرجلين إِلى الكعبين، رقم (186)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب في وضوء النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، رقم (235) من حديث عبد الله بن زيد.
    [335] انظر: «الإِنصاف» (1/290).
    [336] انظر: «الإِنصاف» (1/290)، «غذاء الألباب شرح منظومة الأداب» (1/286).
    [337] رواه البخاري، كتاب الرقاق: باب التواضع، رقم (6502) من حديث أبي هريرة.


     



  5. رقم #5
     Icon200  العنوان : رد: الشرح الممتع على زاد المستقنع (متجدد)
    كاتب الموضوع : أبو رمزي
    بتاريخ : 18 Jul 2009 الساعة : 08:40 AM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية أبو رمزي

    رقم العضوية : 16928
    الانتساب : Jun 2009
    المشاركات : 1,330
    بمعدل : 0.44 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 11
    التقييم : Array
    أبو رمزي غير متصل



    · باب فروض الوضوء وصفته

    بابُ فُرُوضِ الوُضُوءِ وصِفَتِهِ
    الفُروض: جمع فرض، وجَمَعَهَا مع أن القاعدة عند النَّحْويين أنَّ المصدر لا يُجْمَعُ، ولا يُثَنَّى، ولكن جَمَعَهَا باعتبار تعدُّدها، أو على تقدير أن المصدر بمعنى اسم المفعول، أي: مفروضات الوُضُوء.
    والفَرض في اللُّغة يدلُّ على معانٍ أصلها: الحَزُّ والقطع، فالحزُّ قطعٌ بدون إِبانة، والقطعُ حزٌّ مع إبانة.
    والفرض في الشرع عند أكثر العلماء مرادفٌ للواجب، أي بمعناه، وهو ما أُمِرَ به على سبيل الإِلزام. يعني: أَمَرَ اللَّهُ به ملزماً إِيَّانا بفعله.
    وحكمه: أن فاعله امتثالاً مُثابٌ، وتاركَهُ مستحِقٌّ للعقاب.
    وعند أبي حنيفة رحمه الله: الفرض ما كان ثابتاً بدليل قطعيِّ الثُّبوت والدَّلالة.
    والواجبُ: ما ثبت بدليل ظَنِّيِّ الثُّبوت أو الدِّلالة[(338)].
    ومثَّلوا لذلك: بقراءة شيء من القُرآن؛ فإِنه فُرضَ في الصَّلاة، لقوله تعالى: {{فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}} [المزمل: 20] .
    وقراءة الفاتحة واجبٌ ولا يُسمَّى فرضاً؛ لأن قراءتها من أخبار الآحاد، وعند كثير من الأصوليين وغيرهم، أن أخبار الآحاد لا تفيد إلا الظَّنَّ.
    والمراد بفروض الوُضُوء هنا أركانُ الوُضُوء.
    وبهذا نعرف أن العُلماء ـ رحمهم الله ـ قد ينوِّعون العبارات، ويجعلون الفروضَ أركاناً، والأركان فروضاً.
    والدَّليل على أن الفروض هنا الأركان: أن هذه الفروض هي التي تتكوَّن منها ماهيَّة الوُضُوء، وكلُّ أقوال أو أفعال تتكوَّن منها ماهيَّةُ العبادة فإِنَّها أركانٌ.
    والوُضُوء في اللُّغة: مشتَقٌ من الوَضَاءةِ، وهي النَّظَافَةُ والحُسْنُ.
    وشرعاً: التعبُّدُ لله عزّ وجل بغسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة.
    فإن قيل: هذا حدٌّ غيرُ صحيح، لقولك: بغسل الأعضاء، والرَّأس لا يُغسل؟
    فالجواب: أنَّ هذا من باب التغليب.
    وقوله: «وصفَتِهِ» معطوفةٌ على فُروض، وليست معطوفةً على وُضُوء، يعني: وباب صفة الوُضوء.
    والصِّفة: هي الكيفيَّة التي يكونُ عليها.
    وللوُضُوء صفتان: صفةٌ واجبةٌ، وصفةٌ مستحبَّةٌ.

    فروضُهُ سِتَّةٌ: غَسْلُ الوجْهِ،..........
    قوله: «فُروضُهُ سِتَّةٌ» ، دليلُ انحصارها في ذلك هو التَّتبُّع.
    قوله: «غسل الوجه» ، هذا هو الفرض الأول، وخرج به المسحُ، فلا بُدَّ من الغسل، فلو بلَّلت يدك بالماء ثم مسحت بها وجهك لم يكن ذلك غسلاً.
    والغَسلُ: أن يجري الماء على العضو.
    وقوله: «الوجه» هو ما تحصُل به المواجهةُ، وحَدُّه طولاً: من منحنى الجبهة إِلى أسفل اللحية، وعرضاً من الأُذن إلى الأذن.
    وقولنا: من منحنى الجبهة؛ وهو بمعنى قول بعضهم: من منابت شعر الرَّأس المعتاد[(339)]؛ لأنه يصِل إِلى حَدِّ الجبهة وهو المنحنى، وهذا هو الذي تحصُل به المواجهة؛ لأن المنحنى قد انحنى فلا تحصُل به المواجهة والدَّليل قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}} [المائدة: 6] . وقد سبق حكم مسترسل اللِّحية[(340)].

    والفَمُ والأَنْفُ منه، وغَسْلُ اليَدَيْن،.........
    قوله: «والفمُ والأنفُ منه» ، أي: من الوجه؛ لوجودهما فيه فيدخلان في حَدِّه، وعلى هذا فالمضمضة والاستنشاق من فروض الوُضُوء؛ لكنهما غير مستقلَّين؛ فهما يشبهان قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أُمِرتُ أن أسْجُدَ على سبعة أَعظُم، على الجبهة، وأشار بيده على أنفه»[(341)]، وإن كانت المشابهة ليست من كُلِّ وجه.
    قوله: «وغسل اليدين» ، هذا هو الفرضُ الثَّاني، وأطلق المؤلِّف رحمه الله لفظ اليدين، ولكن يجب أن يقيِّد ذلك بكونه إلى المرفقين؛ لأنَّ اليد إِذا أطلقت لا يُرادُ بها إِلا الكفّ.
    والدَّليل قوله تعالى: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا}} [المائدة: 38] ، وقوله في التيمم: {{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}} [المائدة: 6] ، ولم يمسح النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في التيمُّم إِلا الكفَّين[(342)].
    والمِرْفَقُ: هو المفْصلُ الذي بين العضد والذِّراع.
    وسُمِّي بذلك من الارتفاق؛ لأن الإِنسان يرتفق عليه، أي: يتَّكئ.
    والدَّليل على دخول المرفقين قوله تعالى: {{وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}} [المائدة: 6] وتفسير النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لها بفعله، حيث كان يغسل يده اليُمنى حتى يشرع في العَضُد، ثم يغسل يده اليُسرى كذلك[(343)].

    ومَسْحُ الرَّأْسِ ............
    قوله: «ومسحُ الرَّأس» ، هذا هو الفرضُ الثَّالثُ من فُرُوض الوُضُوء، والفرقُ بين المسح والغسل: أنَّ المسحَ لا يحتاج إِلى جريان الماء، بل يكفي أن يغمس يده في الماء؛ ثم يمسح بها رأسَه، وإِنَّما أوجب الله في الرأس المسحَ دون الغسل؛ لأن الغسلَ يشقُّ على الإِنسان، ولا سيَّما إذا كَثُرَ الشَّعرُ، وكان في أيام الشِّتاء، إِذ لو غُسل لنزلَ الماءُ على الجسم، ولأن الشَّعر يبقى مبتلاً مدةً طويلة، وهذا يَلْحَق الناسَ به العسرُ والمشقَّةُ، والله إِنما يريد بعباده اليسر.
    وحَدُّ الرَّأس من منحنى الجبهة إِلى منابت الشَّعر من الخلف طولاً، ومن الأُذن إِلى الأُذن عرضاً، وعلى هذا فالبياض الذي بين الرَّأس والأُذنين من الرَّأس.
    واختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ فيما إذا غسل رأسه دون مسحه؛ هل يجزئه أم لا؟ على ثلاثة أقوال[(344)]:
    القول الأول: أنه يُجزئه؛ لأن الله إنما أسقط الغسل عن الرَّأس تخفيفاً؛ لأنه يكون فيه شعر فيمسك الماء ويسيل إلى أسفل، ولو كُلِّف النَّاس غسله لكان فيه مشقَّة، ولا سيَّما في أيَّام الشتاء والبَرْد، فإذا غسله فقد اختار لنفسه ما هو أغلظ فيجزئه.
    القول الثَّاني: أنَّه يجزئه مع الكراهة بشرط أن يُمِرَّ يده على رأسه، وإِلا فلا، وهذا هو المذهب، لأنَّه إِذا أمرَّ يده فقد حصل المسح مع زيادة الماء بالغسل.
    القول الثالث: أنه لا يجزئه؛ لأنَّه خلاف أمر الله ورسوله، قال تعالى: {{وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ}} [المائدة: 6] ، وإذا كان كذلك فقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم من حديث عائشة: «من عَمِلَ عَمَلاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ»[(345)].
    ولا ريب أنَّ المسح أفضلُ من الغسل، وإِجزاء الغسل مطلقاً عن المسح فيه نظرٌ، أما مع إِمرار اليد فالأمر في هذا قريب.
    ولو مسح بناصيته فقط دون بقيَّة الرَّأس فإِنَّه لا يجزئه؛ لقوله تعالى: {{وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ}} [المائدة: 6] ولم يقل: «ببعض رؤوسكم» والباء في اللغة العربية لا تأتي للتبعيض أبداً.
    قال ابن برهان: من زعم أن الباء تأتي في اللّغة العربية للتبعيض فقد أخطأ[(346)]. وما ورد في حديث المغيرة بن شعبة أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم مسح بناصيته؛ وعلى العِمامة، وعلى خُفَّيْه[(347)]. فإجزاء المسح على الناصية هنا لأنه مسح على العِمامة معه، فلا يدلُّ على جواز المسح على الناصية فقط.

    ومنهُ الأَذُنَان ...........
    قوله: «ومنه الأذنان» ، أي من الرَّأس، والدَّليل مواظبته صلّى الله عليه وسلّم على مسح الأُذُنين.
    وأما حديث: «الأُذنان من الرَّأس»[(348)] فضعّفه كثير من العلماء كابن الصَّلاح وغيره، وقالوا: إن طرقه واهية، ولكثرة الضَّعف فيها لا يرتقي إلى درجة الحسن.
    وبعض العلماء صحَّحه، وبعضهم حسَّنه، لكن مواظبة النبي صلّى الله عليه وسلّم على مسحهما دليلٌ لا إشكال فيه، وعلى القول بصحة الحديث فهل يجب حلق الشَّعر الذي ينبت على الأذنين مع شعر الرَّأس في حلق النسك؟
    فالجواب: أنَّ من صحَّح الحديث فإِنَّه يلزمه القول بذلك. ولكن الذي يتأمَّل حلْقَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم شعره في النُّسك لا يظَنُّ أنه كان يحلق ذلك، أو أنَّ النَّاس مكلَّفون بحلقه أو تقصيره، وأمّا على القول بضعف الحديث فلا إشكال.

    وغَسْلُ الرِّجْلَيْن،.........
    قوله: «وغَسْلُ الرِّجلين» ، وهذا هو الفرض الرَّابع من فروض الوُضوء. وأطلق رحمه الله هنا الرِّجلين، لكن لا بُدَّ أن يُقالَ: إلى الكعبين، كما قال الله تعالى: {{وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}} [المائدة: 6] ؛ ولأن الرِّجل عند الإِطلاق لا يدخل فيها العَقِبُ؛ بدليل أن قُطَّاع الطريق يُقطعون من المفصل الذي بين العَقِبِ وظهر القدم، ويبقـى العَقِب فلا يُقطع، وعلى هذا يجب أن نقيِّد كلام المؤلِّف بما قُيَّدتْ به الآيةُ.
    والكَعْبَان: هما العظمان النَّاتئان اللذان بأسفل السَّاق من جانبي القدم، وهذا هو الحقُّ الذي عليه أهل السُّنَّة.
    ولكن الرَّافضة قالوا: المراد بالكعبين ما تكعَّب وارتفع، وهما العظمان اللذان في ظهر القدم[(349)]، لأن الله قال: {{إِلَى الْكَعْبَيْنِ}} ولم يقل: «إلى الكِعَاب» وأنتم إذا قلتم: إن الكعبين هما: العظمان النَّاتئان فالرِّجلان فيهما أربعة، فلما قال الله: {{إِلَى الْكَعْبَيْنِ}} عُلم أنَّهما كعبان في الرِّجْلين، فلكُلِّ رِجْلٍ كعب واحد.
    والرَّدُّ عليهم بسُنة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فإِنه كان يغسل رجليه إلى الكعبين اللذين في منتهى السَّاقين، وهو أعلم بمراد الله تعالى، وتبعه على ذلك كلُّ من وصف وُضُوء النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم من الصَّحابة رضي الله عنهم.
    والرَّافضة يخالفون الحقَّ فيما يتعلَّق بطهارة الرِّجل من وجوه ثلاثة:
    الأول: أنهم لا يغسلون الرِّجل، بل يمسحونها مسحاً.
    الثاني: أنهم ينتهون بالتطهير عند العظم الناتئ في ظهر القدم فقط.
    الثالث: أنهم لا يمسحون على الخُفين، ويرون أنه محرَّم، مع العلم أنَّ ممن روى المسحَ على الخُفين عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه وهو عندهم إمام الأئمة.

    والتَّرتيبُ،.........
    قوله: «والتَّرتيبُ» ، وهو أن يُطهَّر كلُّ عضو في محلِّه، وهذا هو الفرض الخامس من فروض الوُضُوء، والدليل قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}} [المائدة: 6] .
    وجه الدِّلالة من الآية: إِدخال الممسوح بين المغسولات، ولا نعلم لهذا فائدة إلا التَّرتيب، وإلا لسيقت المغسولات على نسقٍ واحد، ولأنَّ هذه الجملة وقعت جواباً للشَّرط، وما كان جواباً للشَّرط فإِنَّه يكون مرتَّباً حسب وقوع الجواب.
    ولأن الله ذكرها مرتَّبة، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «أبْدَأُ بما بَدَأَ اللَّهُ به»[(350)].
    والدَّليل من السُّنَّة: أن جميع الواصفين لوُضُوئه صلّى الله عليه وسلّم ما ذكروا إِلا أنَّه كان يرتِّبها على حسب ما ذكر الله.
    مسألة: هل يسقط التَّرتيبُ بالجهل أو النسيان على القول بأنَّه فرض؟
    قال بعض العلماء: يسقط بالجهل والنسيان[(351)] لأنهما عُذْر، وإِذا كان التَّرتيب بين الصَّلوات المقضيات يسقط بالنِّسيان فهذا مثله.
    وقال آخرون: لا يسقط بالنِّسيان (351) ؛ لأنه فرض والفرض لا يسقط بالنسيان.
    والقياس على قضاء الصَّلوات فيه نظر؛ لأنَّ كلَّ صلاة عبادةٌ مستقلة، ولكن الوُضُوء عبادةٌ واحدة.
    ونظير اختلاف الترتيب في الوُضُوء اختلاف التَّرتيب في رُكوع الصَّلاة وسُجودها، فلو سجد قبل الرُّكوع ناسياً فإِن السُّجود لا يصح؛ لوقوعه قبل محلِّه؛ ولهذا فالقول بأنَّ الترتيب يسقطُ بالنِّسيان؛ في النَّفس منه شيء، نعم لو فُرِضَ أن رجلاً جاهلاً في بادية ومنذ نشأته وهو يتوضَّأ؛ فيغسل الوجه واليدين والرِّجلين ثم يمسح الرَّأس، فهنا قد يتوجَّه القول بأنه يُعذر بجهله؛ كما عَذَرَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أُناساً كثيرين بجهلهم في مثل هذه الأحوال.

    والمُوَالاةُ .........
    قوله: «والموالاة» ، هذا هو الفرض السَّادس من فروض الوُضُوء؛ وهي أن يكون الشَّيء موالياً للشيء، أي عَقِبَه بدون تأخير، واشتُرطت الموالاة لقوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}} الآية [المائدة: 6] .
    ووجه الدِّلالة: أنَّ جواب الشَّرط يكون متتابعاً لا يتأخَّرُ، ضرورة أن المشروط يلي الشرط.
    ودليله من السُّنَّة: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم توضَّأ متوالياً، ولم يكن يفصل بين أعضاء وُضُوئه، ولأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم رأى رجلاً توضَّأ، وترك على قدمه مثل موضع ظُفُر لم يصبْه الماء، فأمره أن يُحسنَ الوُضُوءَ[(352)]. وفي «صحيح مسلم» من حديث عمر رضي الله عنه: «ارجعْ فأحسِنْ وُضُوءَك» (352) .
    وفي «مسند الإمام أحمد»: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم رأى رجلاً يُصلِّي، وفي ظهر قدمه لُمْعَةٌ قَدْرَ الدِّرهم لم يصبْها الماءُ، فأمره النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أن يعيد الوُضُوء والصَّلاة[(353)]. والفرق بين اللفظين ـ إذا لم نحمل أحدُهما على الآخر ـ أنَّ الأمر بإِحسان الوُضُوء أي: إتمام ما نقص منه. وهذا يقتضي غَسْلَ ما تَرَك دون ما سَبَق، ويمكن حملُ رواية مسلم على رواية أحمد، فلا بُدَّ من إعادة الوُضُوء، ورواية أحمد سندُها جيدٌ قاله أحمد، وقال ابن كثير: «إسناده صحيح».
    ومن النَّظر: أنَّ الوُضُوء عبادةٌ واحدةٌ، فإِذا فرَّق بين أجزائها لم تكن عبادة واحدة.
    وقال بعضُ العلماء: إن الموالاة سُنَّةٌ وليست بشرط[(354)]؛ لأن الله أمر بغسل هذه الأعضاء، وهذا حاصل بالتَّوالي، والتفريق.
    والأَوْلَى: القول بأنها شرط؛ لأنها عبادة واحدة لا يمكن تجزئتها.

    وهي: أن لا يؤخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حتى يَنْشِفَ الذي قَبْلَه.
    قوله: «وهي: أن لا يؤخِّر غَسْل عُضْوٍ حتى يَنْشِفَ الذي قَبْلَه» ، هذا تفسيرالمؤلِّف رحمه الله للموالاة.
    وهذا بشرط أن يكون ذلك بزمنٍ معتدل خالٍ من الرِّيح أو شِدَّة الحرِّ والبرد.
    وقوله: «الذي قبله»، أي: الذي قبل العضو المغسول مباشرة، فلو فُرِضَ أنَّه تأخَّر في مسح الرَّأس فمسحه قبل أن تَنْشِف اليدان، وبعد أن نَشِفَ الوجه فهذا وُضُوء مجزئ؛ لأنَّ المراد بقوله: «الذي قبله»، أي: قبله على الولاء، وليس كُلَّ الأعضاء السَّابقة.
    وقولنا: في زمن معتدل، احترازاً من الزَّمن غير المعتدل، كزمن الشِّتاء والرُّطوبة الذي يتأخَّر فيه النَّشَاف، وزمن الحرِّ والرِّيح الذي يُسرع فيه النَّشاف.
    وقال بعض العُلماء ـ وهي رواية عن أحمد ـ: إِن العبرة بطول الفصل عُرفاً، لا بنَشَاف الأعضاء[(355)]. فلا بُدَّ أن يكون الوُضُوء متقارباً، فإِذا قال النَّاس: إن هذا الرَّجُل لم يفرِّق وضوءَه؛ بل وضوؤه متَّصلٌ، فإِنَّه يُعتبرُ موالياً، وقد اعتبر العُلماء العُرف في مسائل كثيرة.
    ولكنَّ العُرْفَ قد لا ينضبطُ، فتعليقُ الحكمِ بنشَافِ الأعضاءِ أقربُ إِلى الضَّبط.
    وقوله: «الموالاة» يُستثنى من ذلك ما إِذا فاتت الموالاة لأمرٍ يتعلَّق بالطَّهارة.
    مثل: أن يكون بأحد أعضائه حائلٌ يمنع وصول الماء «كالبوية» مثلاً، فاشتغل بإزالته فإِنه لا يضرُّ، وكذا لو نفد الماء وجعل يستخرجه من البئر، أو انتقل من صنبور إلى آخر ونَشِفت الأعضاء فإِنَّه لا يضرُّ.
    أما إذا فاتت الموالاة لأمر لا يتعلَّق بالطَّهارة؛ كأن يجد على ثوبه دماً فيشتغل بإِزالته حتى نَشِفت أعضاؤه؛ فيجب عليه إِعادةُ الوُضُوء؛ لأن هذا لا يتعلَّق بطهارته.

    والنيَّةُ شرطٌ .............
    قوله: «والنِّية شرطٌ» ، وهي القصد، ومحلُّها القلبُ ولا يعلم بالنيَّات إلا الله عزّ وجل.
    والنيَّةُ شرطٌ في جميع العبادات.
    والكلامُ على النيَّة من وجهين:
    الأول: من جهة تعيين العمل ليتميَّز عن غيره، فينوي بالصَّلاة أنَّها صلاة وأنَّها الظُّهر مثلاً، وبالحجِّ أنه حجٌّ، وبالصِّيام أنَّه صيام، وهذا يتكلَّم عنه أهل الفقه.
    الثَّاني: قصدُ المعمول له، لا قصد تعيين العبادة، وهو الإِخلاص وضدُّه الشِّرك، والذي يتكلَّم على هذا أرباب السُّلوك في باب التَّوحيد وما يتعلَّق به، وهذا أهمُّ من الأوَّل، لأنَّه لُبُّ الإِسلام وخلاصة الدِّين، وهو الذي يجب على الإِنسان أن يهتمَّ به.
    وينبغي للإنسان أن يتذكَّر عند فعل العبادة شيئين:
    الأول: أمر الله تعالى بهذه العبادة حتى يؤدِّيها مستحضراً أمر الله، فيتوضَّأ للصَّلاة امتثالاً لأمر الله؛ لأنَّه تعالى قال: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}} [المائدة: 6] . لا لمجرد كون الوُضُوء شرطاً لصحَّة الصَّلاة.
    الثاني: التأسِّي بالنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لتتحقَّق المتابعة.
    وقوله: «والنيَّةُ شرطٌ» أي لصحَّة العمل وقَبوله وإِجزائه؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنما الأعمال بالنيَّات»[(356)].
    ولأنَّ الله عزّ وجل قيَّد كثيراً من الأعمال بقوله: {{ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ}}.
    كقوله تعالى: {{وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ}} [الرعد: 22] ، وقوله: {{وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}} [النساء: 114] .
    وهل يَنطِقُ بالنيَّة؟ على قولين للعلماء[(357)]، والصَّحيحُ أنَّه لا ينطق بها، وأن التعبُّد لله بالنُّطق بها بدعة يُنهى عنها، ويدلُّ لذلك أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه لم يكونوا ينطقون بالنيَّة إِطلاقاً، ولم يُحفظ عنهم ذلك، ولو كان مشروعاً لبيَّنه الله على لسان رسوله صلّى الله عليه وسلّم الحالي أو المقالي.
    فالنُّطق بها بدعةٌ سواءٌ في الصَّلاة، أو الزَّكاة، أو الصَّوم.
    أما الحجُّ فلم يرد عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: نويت أن أحُجَّ أو نويت النُّسك الفلاني، وإِنما يلبِّي بالحجِّ فيُظهر النِّيَّة، ويكون العقد بالنيَّةِ سابقاً على التلبية.
    لكن إذا احتاج الإِنسانُ إلى اشتراط في نُسُكه، فإِنه لا يشترط أن ينطِقَ بالنية، فيقول: إني أريد كذا، بل له أن يقول: اللهم إِن حَبَسَنِي حابس فَمَحِلِّي حيث حبستني دون النُّطقِ بالنيَّة.
    والمشهور من المذهب: أنه يُسَنُّ النُّطق بها سرًّا في الحجِّ وغيره، وهذا ضعيف لما سبق.
    وأمّا القول: بأنه يُسَنُّ النُّطُق بها جهراً؛ فهذا أضعف وأضعف، وفيه من التَّشويش على النَّاس ولا سيما في الصَّلاة مع الجماعة ما هو ظاهرٌ، وليس هناك حاجة إلى التلفُّظ بالنيَّة لأنَّ الله يعلم بها.
    والنيَّة ليست صعبة، وإن كانت عند بعض أهل الوسواس صعبة؛ لأنَّ كُلَّ عاقل مختار يعمل عملاً فلا بُدَّ أن يكون مسبوقاً بالنيَّة، فلو قُرِّبَ لرَجُلٍ ماءٌ، ثم سَمَّى وغسلَ كفَّيه، ثم تمضمض واستنشق... إِلخ؛ فإِن هذا لا يُعقل أن يكون بدون نيَّة.
    ولهذا قال بعض العلماء رحمهم الله: لو أنَّ الله كلَّفنا عملاً بدون نيَّة؛ لكان من تكليف ما لا يُطاق[(358)]. فلو قال الله: صلُّوا ولا تنووا، فإِنَّه غير ممكن، حتى قال شيخ الإسلام: إِذا تعشَّى الإِنسان لياليَ رمضان فإِن عشاءه يدلُّ على نيَّته ولو لم ينوِ الصِّيام من الغد؛ وذلك لأنَّه لن يُكثر من الطَّعام كما يُكثره في سائر أيامه؛ لأنه سوف يتسحَّر آخر الليل.

    لِطَهَارةِ الأحْداثِ كلِّها،............
    قوله: «لطهارة الأحداث كلِّها» ، الحَدَثُ: معنًى يقوم بالبَدَن يمنع من فعل الصَّلاة ونحوها، هذا في الأصل.
    وأحياناً يُطلقُ على سَبَبِهِ، فيُقال: للغائط حَدَثٌ، وللبول حَدثٌ، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يقبل الله صلاةَ أحدكم إِذا أحدث حتى يتوضَّأ»[(359)].
    وخرج بقوله: «طهارة الأحداث» طهارة الأنجاس، فلا يُشترطُ لها نيَّةٌ، فلو عَلَّق إِنسانٌ ثوبه في السَّطح، وجاء المطرُ حتى غسله، وزالت النَّجَاسةُ طَهُرَ؛ مع أن هذا ليس بفعله، ولا بنيَّته.
    وكذلك الأرض تصيبها النَّجَاسة، فينزل عليها المطر فتطهُر.
    وما ذكره المؤلِّف: مذهب مالك[(360)]، والشَّافعي[(361)]، وأحمد[(362)].
    وذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أن طهارة الحدث لا يُشترطُ لها النيَّةُ[(363)]، لأنها ليست عبادة مقصودة لذاتها، وإنما هي مقصودة لتصحيح الصَّلاة، كما لو لَبِسَ ثوباً يستُر به عورته، فإِنه لا يُشترطُ أن ينوي بذلك ستر العورة، بل لو لَبِسَهُ للتجمُّلِ أو لدفع البرد، وما أشبه ذلك أجزأه. وهذا ضعيف. والصَّوابُ أن الوُضُوء عبادةٌ مستقلِّة، بدليل أن الله تعالى رتَّب عليه الفضلَ والثَّوابَ والأجرَ، ومثلُ هذا يكون عبادةً مستقلّةً، وهو قول جمهور العلماء.
    وإِذا كان عبادة مستقلَّة، صارت النيَّةُ فيه شرطاً، بخلاف إزالة النَّجاسة فإِنَّها ليست فعلاً، ولكنها تَخَلٍّ عن شيء يُطلب إِزالته، فلهذا لم تكن عبادة مستقلَّة، فلا تُشتَرطُ فيها النيَّة.
    وقوله «كلِّها» أراد به شُمول الحدث الأصغر والأكبر، والطَّهارة بالماء والتيمُّم.

    فَيَنْوِي رَفْعَ الحدث،...........
    قوله: «فينوي رَفْعَ الحدث» ، هذه الصُّورة الأولى للنيَّة، فإِذا توضَّأ بنيَّة رفع الحدث الذي حَصَل له بسبب البول مثلاً صحَّ وُضُوءُه، وهذا هو المقصود بالوُضُوء.

    أو الطَّهارة لِمَا لا يُبَاحُ إِلا بها، فإِن نوى ما تُسَنُّ لَهُ الطهارةُ كَقِرَاءةٍ، أو تجديداً مَسْنُوناً ناسياً حدَثَه ارتَفَعَ،..........
    قوله: «أو الطَّهارة لما لا يُبَاح إِلا بها» ، وهذه هي الصُّورة الثَّانية، أي: ينوي الطَّهارة لشيء لا يُباح إِلا بالطَّهارة كالصَّلاة والطَّواف ومسِّ المصحف، فإِذا نوى الطَّهارَة للصَّلاة ارتفعَ حدثُه، وإِن لم ينوِ رفع الحدث، لأن الصَّلاة لا تصحُّ إلا بعد رفع الحدث.
    قوله: «فإن نوى ما تُسنُّ له الطَّهارة كقراءة» ، هذه هي الصُّورة الثالثة، أي: نوى الطَّهارة لما تُسَنُّ له، وليس لما تجب، كقراءة القرآن، فإِن قراءة القرآن دون مسِّ المصحف تُسَنُّ لها الطَّهارة، بل كلُّ ذِكْرٍ فإِن السُّنَّة أن يتطهَّرَ له؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «كَرِهْتُ أن أذكر الله إلا على طهارة»[(364)]، فإذا نوى ما تُسَنُّ له الطَّهارةُ ارتفع حدثُه، لأنَّه إِذا نوى الطَّهارةُ لما تُسَنُّ له فمعنى ذلك أنه نوى رفع الحدث؛ لأجل أن يقرأ، وكذلك إِذا نوى الطَّهارةَ لرفع الغضبِ، أو النَّومِ، فإِنَّه يرتفعُ حدثه.
    فصار للنيَّة ثلاثُ صُور:
    الأولى: أن ينويَ رفع الحدث.
    الثانية: أن ينويَ الطَّهارةَ لما تجبُ له.
    الثالثة: أن ينويَ الطهارةَ لما تُسَنُّ له.
    قوله: «أو تجديداً مسنوناً ناسياً حدَثَه ارتفَعَ» ، هذه الصُّورة الرَّابعة. أي: تجديداً لوُضُوءٍ سابق عن غير حدث، بل هو على وُضُوء، فينوي تجديدَ الوُضُوء الذي كان متَّصفاً به.
    لكن اشترط المؤلِّفُ رحمه الله شرطين:
    الشرط الأول: أن يكونَ ذلك التجديدُ مسنوناً؛ لأنه إِذا لم يكن مسنوناً لم يكن مشروعاً، فإِذا نوى التَّجديدَ وهو غير مسنونٍ، فقد نوى طهارةً غير شرعية، فلا يرتفع حدثُه بذلك.
    وتجديد الوُضُوء يكون مسنوناً إِذا صَلَّى بالوُضُوء الذي قبله، فإِذا صلَّى بالوُضُوء الذي قبله فإِنه يُستحبُّ أن يتوضَّأ للصَّلاة الجديدة.
    مثاله: توضَّأ لصلاة الظُّهر وصلَّى الظُّهر، ثم حَضَر وقتُ العصر وهو على طهارته، فحينئذٍ يُسَنُّ له أن يتوضَّأَ تجديداً للوُضُوء؛ لأنَّه صلَّى بالوُضُوء السَّابق، فكان تجديدُ الوُضُوء للعصر مشروعاً، فإن لم يَصلِّ به؛ بأنْ توضَّأ للعصر قبل دخول وقتها؛ ولم يُصَلِّ بهذا الوُضُوء، ثم لما أذَّن العصرُ جدَّد هذا الوُضُوء، فهذا ليس بمشروع؛ لأنَّه لم يُصلِّ بالوُضُوء الأوَّل، فلا يرتفع حدثُه لو كان أحدث بين الوُضُوء الأول والثَّاني.
    الشرط الثَّاني: أن ينسى حدثَه، فإِن كان ذاكراً لحدثه فإِنه لا يرتفع، وهذا من غرائب العلم! إذا نوى الشَّيءَ ناسياً صَحَّ ، وإِذا نواه ذاكراً لم يصحَّ!.
    مثاله: رجل صلَّى الظُّهر بوُضُوء، ثم نقضه بعد الصَّلاة، ثم جدَّد الوُضُوء للعصر ناسياً أنه أحدث، فهذا يرتفع حدثُه؛ لأنه نوى تجديداً مسنوناً ناسياً حدثَه.
    فإِذا كان ذاكراً لحدثه، فلا يرتفع؛ لأنَّه حينئذٍ يكون متلاعباً، فكيف ينوي التجديدَ وهو ليس على وُضُوء؛ لأن التَّجديد لا يكون إلا والإِنسان على طهارة.

    وإِن نوى غُسْلاً مَسْنُوناً أجْزَأَ عن واجب،...........
    قوله: «وإن نوى غُسْلاً مسنوناً أجْزَأَ عن واجبٍ» ، مثاله: أن يغتسلَ من تغسيل الميِّت، أو يغتسل للإِحرام، أو للوقوف بعرفة، فهذه أغسال مسنونةٌ، وكذلك غُسْلَ الجمعة عند جمهور العلماء، والصَّحيح: أنه واجبٌ.
    وظاهر كلام المؤلِّف ـ وهو المذهب ـ: ولو ذكر أن عليه غسْلاً واجباً وقيَّده بعض الأصحاب بما إِذا كان ناسياً حدثه[(365)]، أي: ناسياً الجنابة، فإِن لم يكن ناسياً فإِنَّه لا يرتفع؛ لأن الغُسْل المسنون ليس عن حدث، وإذا لم يكن عن حدث، فقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيَّات»[(366)]. وهذا الرَّجلُ لم ينوِ إِلا الغُسْل المسنون، وهو يعلمُ أن عليه جنابة، ويذكر ذلك، فكيف يرتفع الحدث؟
    وهذا القول ـ وهو تقييده بأن يكون ناسياً ـ له وجهةٌ من النَّظر.
    وتعليلُ المذهب: أنه لما كان الغُسْل المسنونُ طهارةً شرعيَّة كان رافعاً للحدث، وهذا التَّعليل فيه شيء من العِلَّة، لأنَّه لا شَكَّ بأنَّه غُسْلٌ مشروع، ولكنه أدنى من الغُسْل الواجب من الجنابة، فكيف يقوى المسنونُ حتى يجزئ عن الواجب الأعلى؟
    لكن إن كان ناسياً فهو معذور.
    مثاله: لو اغتسل للجمعة ـ على القول بأنه سُنَّة ـ وهو عليه جنابة لكنه لم يذكرها، أو لم يعلم بالجنابة إِلا بعد الصلاة، كما لو احتلم ولم يعلم إلا بعد الصلاة، فإن صلاة الجمعة تكون صحيحة لارتفاع الجنابة.
    أما إذا علم ونوى هذا الغسل المسنون فقط، فإن القول بالإجزاء في النفس منه شيء.

    وكذا عكْسُهُ،...........
    قوله: «وكذا عكسه» ، كذا: خبر مقدَّم، وعكسه: مبتدأٌ مؤخَّر، أي: إِذا نوى غُسلاً واجباً أجزأ عن المسنون لدُخُوله فيه، كما لو كان عليه جنابة فاغتسل منها عند السَّعي إلى الجُمعة فإِنه يجزئه عن غُسْل الجمعة؛ لأن الواجبَ أعلى من المسنون فيسقطُ به، كما لو دخل المسجد ووجد الناس يصلُّون فدخلَ معهم، فإِن تحيَّة المسجد تَسقطُ عنه؛ لأن الواجب أقوى من المستحبِّ.
    وإذا نوى الغُسْلين الواجب والمستحبَّ أجزأ من باب أولى؛ لعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّما الأعمال بالنيَّات»[(367)].
    وإِنْ جعل لكلٍّ غُسْلاً فهو أفضل؛ كما اختاره الأصحاب[(368)] رحمهم الله.
    وعلى هذا فالغُسْل الواجب مع المسنون له أربع حالات:
    الأولى: أن ينويَ المسنونَ دونَ الواجبِ.
    الثانية: أن ينويَ الواجبَ دونَ المسنونِ.
    الثالثة: أن ينويهما جميعاً.
    الرابعة: أن يغتسل لكلِّ واحد غسلاً منفرداً.

    وإِن اجتمعت أحداثٌ تُوجِبُ وُضوءاً ........
    قوله: «وإن اجتمعت أحداثٌ تُوجِبُ وُضُوءاً» ، أي: بأن فعل من نواقض الوُضُوء أشياء متعدِّدة، كما لو بَالَ، وتغوَّط، ونامَ، وأكل لحم إِبل، ونوى الطَّهارة عن البول، فإنه يجزئ عن الجميع.
    ولكن لو نوى عن البول فقط على أن لا يرتفع غيرُه، فإِنَّه لا يجزئ إلا عن البول؛ لعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّما الأعمال بالنيَّات، وإِنما لكُلِّ امرئٍ ما نوى»[(369)].
    وقيل: يجزئ عنه وعن غيره[(370)]، لأن الحدثَ وصفٌ واحد؛ وإن تعدَّدت أسبابه فإِنه لا يتعدَّد، فإِذا نوى رفعه ارتفع وإِن لم يعيِّن إلا سبباً واحداً من أسبابه.
    وقيل: إِن عَيَّنَ الأوَّلَ ارتفع الباقي، وإِن عيَّن الثاني لم يرتفعْ شيء منها[(371)]؛ لأنَّ الثَّاني ورد على حدث، لا على طهارة كما لو بال أولاً، ثم تغوَّط، ثم توضَّأ عن الغائط فقط فإِنَّه لا يرتفعُ حدثُه؛ لأن الثَّاني وَرَدَ على حَدَثٍ فلم يؤثِّر شيئاً، وحينئذٍ إِذا نَوى رفع الحدث من الثَّاني لم يرتفع، لأن الحدث من الأول.
    والصَّحيح: أنه إِذا نوى رفع الحدث عن واحد منها ارتفع عن الجميع؛ حتى وإِنْ نوى أن لا يرتفع غيرُه، لأن الحدَثَ وصف واحد وإِن تعدَّدت أسبابه، فإِذا نوى رفعه من البول ارتفع.
    ولا يعارض قوله صلّى الله عليه وسلّم: «وإِنّما لكُلِّ امرئٍ ما نوى»، وهذا لم ينوِ إلا عن حدث البول؛ لأن الحدث شيء واحد، فإِذا نوى رفعه ارتفع، وليس الإِنسان إِذا بال في الساعة الواحدة مثلاً صار له حدث، وإِذا تغوَّط في الساعة الواحدة والنصف صار له حدث آخر وهكذا، بل الحَدَثُ واحدٌ، والأسباب متعدِّدةٌ.

    أو غُسْلاً، فَنَوى بطَهَارَتِهِ أحَدَها ارتفعَ سَائِرُها، ويجبُ الإِتيانُ بها عند أوَّلِ واجباتِ الطَّهَارةِ، وهو التَّسْمِيَةُ،.........
    قوله: «أو غُسْلاً فَنَوى بطَهَارَتِهِ أحَدَها ارتفعَ سائُرها» ، أي: اجتمعت أحداث توجب غُسْلاً كالجماع، والإِنزال، والحيض، والنِّفاس بالنسبة للمرأة، فإذا اجتمعت ونوى بغُسْلِهِ واحداً منها، فإنَّ جميعَ الأحداث ترتفعُ.
    وما يُقال في الحدثِ الأصغر، يُقالُ هنا.
    قوله: «ويجب الإتيان بها عند أوَّل واجبات الطَّهارة، وهو التَّسمية» ، أي: يجبُ الإِتيان بالنيَّة عند أوَّل واجبات الطَّهارة، وهي التَّسمية.
    والنيَّة: عزمُ القلب على فعل الطَّاعة تقرُّباً إلى الله تعالى.
    والمؤلِّفُ أراد الكلام على محل النيَّة، أي: متى ينوي الإنسان؟
    وقوله: «عند»، هذه الكلمة تدلُّ على القُرْب كما في قوله تعالى: {{إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ *}} [الأعراف]. فالعنديَّة تدلُّ على القُرب، وعلى هذا يجب أن تكون النيَّةُ مقترنةً بالفعل، أو متقدِّمةً عليه بزمنٍ يسير، فإِن تقدمت بزمن كثير فإِنها لا تجزئ.
    وقوله: «عند أوَّل واجبات الطهارة»، لم يقل عند أوَّل فروض الطَّهارة؛ لأن الواجب مقدّمٌ على الفروض في الطَّهارة، والواجب هو التَّسمية.
    وهذا على المذهب من أنَّ التسمية واجبةٌ مع الذِّكر.
    وقد سبق بيانُ حكم التسمية والخلاف في ذلك، وبيان أنَّ الصَّحيح أنَّها سُنَّةٌ[(372)].
    فإِذا أراد أن يتوضَّأ فلا بُدَّ أن ينويَ قبل أن يُسمِّيَ، لأن التَّسمية واجبةٌ.

    وتُسنُّ عِنْدَ أوَّل مسنوناتِها إِن وُجد قَبْلَ واجبٍ،.............
    قوله: «وتُسَنُّ عند أوَّل مسنوناتها إنْ وُجِدَ قبل واجبٍ» ، أوَّلُ مسنونات الطَّهارة غسل الكفَّين ثلاثاً، فإذا غسلهما ثلاثاً قبل أن يُسمِّي صار الإِتيان بالنيَّة حينئذٍ سُنَّةٌ.
    وقوله: «إِن وُجِدَ» الضَّمير يعود على أوَّل المسنونات.
    وقوله: «قبل واجب»، أي: قبل التَّسمية، فلو غسل كَفَّيه ثلاثاً قبل أن يُسمِّيَ، فإِنَّ تَقَدُّمَ النِّيةِ قبلَ غسلِ اليدين سُنَّةٌ.
    والنيَّةُ لها محلاَّن:
    الأول: تكونُ فيه سُنَّةٌ، وهو قبل المسنون إِنْ وُجِدَ قبل واجبٍ.
    الثاني: تكون فيه واجبةً عند أوَّل الواجبات، وقد سبق بيان ما في ذلك[(373)]، وأنَّه لا يمكن أن يقرِّب الإنسانُ الماء؛ ثم يشرع في الوُضُوء من غير نيَّة؛ ولهذا لا بُدَّ أن تكون النيَّةُ سابقةً حتى على أوَّل المسنونات؛ اللهم إِلا إِن كان إِنما يغسل يديه لتنظيفهما من طعام ونحوه؛ ثم نوى الوُضُوء بعد غسل اليدين، فهذا ربما يُقالُ: إِنه ابتدأ الطَّهارةَ بلا نيَّة، وحينئذٍ فعليه أن يأتيَ بالنيَّة عند التَّسمية.
    وقولُه: «إن وُجِدَ قبل واجب»، يشير رحمه الله إلى أن هذا المسنون لا يوجد قبلَ الواجب في الغالب، فالغالب أن يُسمِّيَ قبل غسل كفَّيه، وحينئذ يكون الواجب متقدِّماً.

    واستصحابُ ذِكْرِها في جميعها، ويجبُ استصحاب حُكْمِها.
    قوله: «واستصحاب ذكرها في جميعها» ، أي يُسَنُّ استصحاب ذكرها، والمرادُ ذكرُها بالقلب، أي يُسَنُّ للإِنسان تذكُّرُ النيَّةِ بقلبه في جميع الطَّهارة، فإِن غابت عن خاطره فإنه لا يضرُّ، لأن استصحاب ذكرها سُنَّةٌ.
    ولو سبقَ لسانُه بغير قصده فالمدارُ على ما في القلب.
    ولو نوى بقلبه الوُضُوء، لكن عند الفعل نطق بنيَّة العمل؛ فيكون اعتمادُه على عزم قلبه لا على الوهم الذي طرأ عليه، كما لو أراد الحجَّ ودخل في الإحرام بهذه النيَّة؛ لكن سبقَ لسانُه فلبَّى بالعُمْرة فإِنَّه على ما نوى.
    قوله: «ويجب استصحابُ حكمها» ، معناه: أن لا ينوي قطعها.
    فالنيَّةُ إِذاً لها أربع حالات باعتبار الاستصحاب:
    الأولى: أن يستصحب ذكرها من أوَّل الوُضُوء إِلى آخره، وهذا أكمل الأحوال.
    الثانية: أن تغيبَ عن خاطره؛ لكنَّه لم ينوِ القَطْعَ، وهذا يُسمَّى استصحابَ حكمِها، أي بَنَى على الحكم الأوَّل، واستمرَّ عليه.
    الثالثة: أن ينويَ قطعها أثناء الوُضُوء، لكن استمرَّ مثلاً في غسل قدميه لتنظيفهما من الطِّين فلا يصحُّ وُضُوءُهُ؛ لعدم استصحاب الحكم لقطعه النيَّة في أثناء العبادة.
    الرابعة: أن ينويَ قطع الوُضُوء بعد انتهائه من جميع أعضائه، فهذا لا يَنتقضُ وُضُوءهُ، لأنَّه نوى القطع بعد تمام الفعل.
    ولهذا لو نوى قطعَ الصَّلاةِ بعد انتهائها، فإِنَّ صلاته لا تنقطع[(374)].
    قاعدة: قَطْعُ نيَّةِ العبادة بعد فعلها لا يؤثِّر، وكذلك الشكُّ بعد الفراغ من العبادة، سواء شككتَ في النيَّة، أو في أجزاء العبادة، فلا يؤثِّر إِلا مع اليقين.
    فلو أن رجلاً بعد أن صَلَّى الظُّهر قال: لا أدري هل نويتُها ظُهراً أو عصراً شكّاً منه؟ فلا عبرة بهذا الشكِّ ما دام أنَّه داخل على أنها الظُّهر فهي الظُّهر، ولا يؤثِّر الشَّكُّ بعد ذلك، ومما أُنشِدَ في هذا:
    والشَّكُّ بعد الفعل لا يؤثِّرُ
    وهكذا إِذا الشُّكوكُ تكثُر[(375)]
    ومثله لو شَكَّ ـ بعد الفراغ من الصَّلاة ـ هل سجد سجدة أو سجدتين؟ فإن هذا لا يؤثِّرُ.
    وهنا مسألةٌ مهمَّةٌ وهي: لو نوى فرض الوقت دون تعيين الصَّلاة، وهذه تقع كثيراً، فلو جاء إنسان مثلاً لصلاة الظُّهر؛ ووجد الناس يُصلُّون ودخل معهم في تلك الساعة؛ ولم يستحضر أنَّها الظُّهر، أو الفجر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء. وإنما استحضر أنَّها فرض الوقت.
    فالمذهب: لا يجزئه؛ لأنه لا بُدَّ أن يُعيِّنَ إِما الظُّهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء، أو الصُّبح.
    وعن أحمد رواية: أنه إِذا نوى فرض الوقت أجزأه. ذكرها ابن رجب في «جامع العلوم والحكم»، واختارها بعض الأصحاب[(376)].
    وهذا لا يسعُ النَّاس العمل إِلا به، لأنَّه كثيراً ما يغيب عن الإِنسان تعيينُ الصَّلاة، لكن نيَّته هو أنَّها فرض الوقت.
    مسألة: رجل سلَّم من ركعتين من الظُّهر بناءً على أنَّها الفجر ثم ذكر، هل يكمل ركعتين أم يستأنف الصَّلاة؟
    يقولون في هذه الصُّورة: يجب أن يستأنف الصَّلاة[(377)]؛ لأنه سلَّم على أنها صلاة ركعتين؛ بخلاف من سَلَّم من ركعتين عن الظُّهر ونحوها ثم ذكر؛ فإنه يتمُّ أربعاً ويسجد للسَّهو، ولأنَّه سلَّم على أنَّها صلاة رباعية.

    وصفةُ الوضوء: أن ينويَ، ثُمَّ يُسمِّي، ويغسلَ كفَّيه ثلاثاً ثُمَّ يَتَمَضْمَضَ،.........
    قوله: «وصفة الوُضُوء» ، المؤلف رحمه الله ساق صفة الوُضُوء المشتملةَ على الواجب، وغير الواجب.
    قوله: «أن ينويَ» ، النيَّةُ شرطٌ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّما الأعمال بالنيَّات»[(378)].
    قوله: «ثم يُسمِّي» ، التسميةُ واجبةٌ على المذهب وقد سبق بيانُ الخلاف في هذا[(379)].
    قوله: «ويغسل كفَّيه ثلاثاً» ، والدَّليل فعلُ النبي صلّى الله عليه وسلّم، فإِنَّه كان إذا أراد أن يتوضَّأ غسل كفَّيه ثلاثاً[(380)] وهذا سُنَّةٌ.
    وتعليل ذلك أنَّ الكفَّين آلةُ الوُضُوء، فينبغي أن يبدأ بغسلهما قبل كُلِّ شيء حتى تكونا نظيفتين.
    قوله: «ثم يَتَمَضْمَضَ» ، المضمضةُ: أن يُدخل الماء في فمه ثم يمجَّه.
    وهل يجبُ أن يُدير الماء في جميع فمه أم لا؟
    قال العلماء رحمهم الله: الواجبُ إدارته في الفم أدنى إِدارة[(381)]، وهذا إِذا كان الماء قليلاً لا يملأ الفم، فإن كان كثيراً يملأ الفم فقد حصل المقصودُ.
    وهي يجب أن يزيلَ ما في فمه من بقايا الطعام فيخلِّلَ أسنانه ليدخلَ الماءُ بينها؟
    الظَّاهر: أنه لا يجب.
    وهل يجبُ عليه أن يزيلَ الأسنانَ المركَّبةَ إِذا كانت تمنعُ وصول الماء إِلى ما تحتها أم لا يجب؟
    الظَّاهر أنه لا يجب، وهذا يُشبه الخاتمَ، والخاتم لا يجب نزعُه عند الوُضُوء، بل الأَوْلى أن يحرِّكَه لكن ليس على سبيل الوجوب، لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يلبسه[(382)] ولم يُنْقَلْ أنه كان يحرِّكه عند الوُضُوء، وهو أظهر من كونه مانعاً من وصول الماء من هذه الأسنان، ولا سيَّما أنه يَشُقُّ نزع هذه التركيبة عند بعض النَّاس.

    ويَسْتَنْشِقَ،.............................................
    قوله: «ويستنشقَ» ، الاستنشاق: أن يجذِبَ الماء بنَفَسٍ من أنفه.
    وهل يجب الاستنثار؟
    قالوا: الاستنثار سُنَّةٌ[(383)]، ولا شَكَّ أن طهارة الأنف لا تتمُّ إِلا بالاستنثار بعد الاستنشاق؛ حتى يزول ما في الأنف من أذىً.
    وهل يبالغ في المضمضة والاستنشاق؟
    قال العلماء: يبالغُ إِلا أن يكونَ صائماً لقوله صلّى الله عليه وسلّم للقيط بن صَبِرَة: «... وبالغْ في الاستنشاق إِلا أن تكونَ صائماً»[(384)].
    وكذلك لا يبالغُ في الاستنشاق إِذا كانت له جيوب أنفيَّة زوائد؛ لأنَّه مع المبالغة ربما يستقرُّ الماء في هذه الزوائد ثم يتعفَّن، ويصبح له رائحة كريهة ويصابُ بمرض، أو ضرر في ذلك، فهذا يقال له: يكفي أن تستنشق حتى يكونَ الماء داخل المنخرين.

    ويَغْسلَ وجْهَهُ مِنْ منابتِ شَعْر الرأس .......................
    قوله: «ويغسلَ وجهه» ، الوجه ما تحصُلُ به المواجهةُ، وهو أشرف أجزاء البدن.
    قوله: «من منابتِ شعر الرأس» ، المرادُ: مكان نبات الشَّعر المعتاد بخلاف الأفْرَع، والأنْزَع.
    فالأفرع: الذي له شعرٌ نازل على الجبهة.
    والأنزع: الذي انحسر شعرُ رأسه. قال الشاعر يوصي زوجته:
    ولا تَنْكِحي إِنْ فرَّقَ الدَّهرُ بيننا
    أغَمَّ القفا والوَجْهِ، ليس بأنْزَعا[(385)]
    وقوله: «من مناب شعر الرَّأس»، هكذا حدَّه المؤلِّفُ رحمه الله، وقال بعضُ العلماء: من منحنى الجبهة من الرَّأس؛ لأن المنحنى هو الذي تحصُل به المواجهة، وهذا أجود.

    إِلى ما انحَدَرَ من اللَّحْيين والذَّقن طُولاً، ومن الأُذُنِ إِلى الأُذُنِ عَرْضاً، وما فيه من شَعْرٍ خفيفٍ، والظاهر الكثيفَ ........
    قوله: «إلى ما انحدر من اللَّحْيَين والذَّقن طولاً» ، الذَّقن: هو مجمعُ اللَّحْيَين. واللَّحْيَان: هما العظمان النَّابت عليهما الأسنان.
    فما انحدر من اللَّحيين، وكذلك إذا كان في الذَّقن شعرٌ طويلٌ فإِنه يُغسل، لأن الوجه ما تحصُل به المواجهةُ، والمواجهةُ تحصُل بهذا الشَّعر فيكون غسله واجباً.
    وقال بعض العلماء: إِن ما جاوز الفرض من الشَّعر لا يجب غسله، لأنَّ الله قال: {{وُجُوهَكُمْ}} [المائدة: 6] »، والشَّعر في حكم المنفصل.
    وقد ذكر ابنُ رجب هذا في «القواعد»، وصحَّحَ أنَّه لا يجب غسل ما استرسل من اللَّحيين والذَّقن[(386)].
    والأحوَطُ والأَوْلى غسلُ ما استرسل من اللَّحيين والذَّقن.
    قوله: «ومن الأُذُن إِلى الأُذن عرضاً» ، والبياضُ الذي بين العارض والأُذُن من الوجه.
    والشَّعر الذي فوق العظم الناتئ يكون تابعاً للرَّأس، هذا حَدُّ الوجه.
    والدَّليل على غسله قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}} [المائدة: 6] .
    قوله: «وما فيه من شعر خفيف، والظَّاهرَ الكثيف» ، الخفيفُ: ما تُرى من ورائه البشرةُ، والكثيف: ما لا تُرى من ورائه.
    فالخفيفُ: يجب غسله وما تحته؛ لأن ما تحته إِذا كان يُرى فإنَّه تَحصُلُ به المواجهة، والكثيف يجب غسلُ ظاهرهِ دونَ باطنهِ؛ لأن المواجهةَ لا تكون إلا في ظاهر الكثيف.
    وكذلك يجب غسلُ ما في الوجه من شعر كالشَّارب والعَنْفَقَةِ[(387)] والأهداب والحاجبين والعارضين. ويُستحبُّ تخليل الشَّعر الكثيفِ؛ لأنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان يخلِّل لحيته في الوُضُوء[(388)].
    قوله: «مع ما استرسل منه» ، «استرسل» أي: نَزَلَ.
    وظاهرُ كلام المؤلِّفِ، ولو نزلَ بعيداً، فلو فُرِضَ أنَّ لرَجُلٍ لحيةً طويلة أكثر مما هو غالب في النَّاس، فإنَّه يجب عليه غسل الخفيف منها، والظَّاهر من الكثيف.
    قوله: «ثمَّ يديه مع المرفقين» ، أي: اليُمنى ثم اليُسرى، ولم يَذْكُرْ هنا التَّيامنُ؛ لأنه سبق في سُنَن الوُضُوء.
    وقوله: «مع المرفقين»، تعبير المؤلِّف مخالفٌ لظاهر قوله تعالى {{وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}} [المائدة: 6] ، لأن المعروف عند العلماء أن ابتداء الغاية داخل لا انتهاؤها، بمعنى: أنك إِذا قُلت لشخص: لك من هذا إِلى هذا، فما دخلت عليه «من» فهو له، وما دخلت عليه «إلى» فليس له، فظاهر الآية أن المرفقين لا يدخلان. لكنهم قالوا: «إلى» في الآية بمعنى «مع»، وجعلوا نظير هذا قوله تعالى: {{وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ}} [النساء: 2] ، أي: مع أموالكم. ولكن هذا التنظير فيه نظرٌ؛ فإِن الآية في المال، ليست كالآية في الغسل، لأنه قال: {{وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ولاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ}} [النساء: 2] ، أي: مضمومة إلى أموالكم، فالإنسان لا يأكل مال غيره إِلا إِذا ضمَّه إِلى ماله، فضمَّن قوله: «ولا تأكلوا» معنى الضَّمِّ.
    أما آية الوُضُوء فليست كذلك.
    ولكن الجواب الصَّحيح أن الغاية داخلة فيها بدليل السُّنَّة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه توضَّأ حتى أشرع في العَضُد، وقال: هكذا رأيت النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يفعل[(389)]، ومقتضى هذا أنَّ المرفق داخل.
    وكذلك رُويَ عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه توضَّأ فأدار الماء على مرفقيه[(390)].
    وقد يُقال: إن الغاية لا تدخلُ إِذا ذُكِرَ ابتداءُ الغاية «من»، أما إِذا لم تُذكر فإنها تكونَ داخلة، ولهذا لو قال قائل: هل الأفضلُ في غسل اليدين البَدْءُ من المرفق، أو من وسط الذراع، أو من أطراف الأصابع؟.
    فالجواب: أن الأفضل أن يبدأ من أطراف الأصابع لقوله: «إلى». وإن لم يكن ظُهور ذلك عندي قويًّا؛ لأنَّ الابتداء لم يُذكر، ولا بُدَّ من الإِتيان بـ«إلى» هنا؛ إِذ لو لم تأتِ وقال: (اغسلوا أيديكم)، لكان الواجبُ غسلَ الكفِّ فقط؛ لأن اليَد إِذا أُطلقت فالمراد بها «الكفُّ» بدليل قوله تعالى: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا}} [المائدة: 38] وقطعُ يد السَّارق من الكفِّ، وكذلك قوله تعالى في التيمم: {{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}} [المائدة: 6] ، ومسحُ اليد في التيمُّمِ إنما يكون إلى الكفِّ؛ بدليل فعل الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
    وإِن تمسَّك متمسِّكٌ بالظاهر ـ الذي ليس بظاهر ـ وقال: إن الأفضل أن يكون من الأصابع. فأرجو أن لا يكون به بأسٌ.
    وقوله: «مع المرفقين» تعبير المؤلِّف بـ«مع» من باب التَّفسير والتوضيح.

    ثم يمسح كلّ رأْسِه مع الأُذُنَيْن مَرَّةً واحدةً،........
    قوله: «ثم يمسحُ كُلَّ رأسه مع الأُذنين مَرَّةً واحدةً» ، أي: لا يغسلُه، وإنَّما يمسحُه، وهذا من تخفيف الله تعالى على عباده؛ لأن الغالب أنَّ الرَّأس فيه شعرٌ فيبقى الماءُ في الشَّعر؛ لأن الشعر يمسكُ الماءَ فينزل على جسمه، فيتأذّى به؛ ولا سيَّما في أيَّام الشِّتاء.
    وقوله: «مع الأُذنين» دليلُ ذلك:
    1 ـ ثبوته عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يمسحُ الأُذنين مع الرَّأس[(391)].
    2 ـ أنَّهما من الرَّأس[(392)].
    3 ـ أنَّهما آلة السَّمع، فكان من الحكمة أن تُطَهَّرا حتى يَطْهُرَ الإِنسانُ ممَّا تلقَّاه بهما من المعاصي.

    ثُمَّ يَغسل رجْلَيْه معَ الكعبين ........
    قوله: «ثم يغسل رجليه مع الكعبين» ، الكلامُ على قوله: «مع الكعبين» كالكلام على قوله: «مع المرفقين»، وكلمة «مع» ليس فيها مخالفةٌ للقرآن؛ لأن «إلى» في قوله تعالى: {{إِلَى الْكَعْبَيْنِ}} [المائدة: 6] بمعنى «مع» لدلالة السُّنَّة على ذلك؛ كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أنه توضَّأ فغسل ذراعيه حتى أشرع في العَضُد، ورجليه حتى أشرع في السَّاق، وقال: هكذا رأيتُ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يفعلُ[(393)]. وعلى هذا فالكعبان داخلان في الغسل وهما: العظمان الناتئان في أسفل السَّاق.
    فيجبُ غسلُهما، وهذا الذي أجمع عليه أهل السُّنَّة لقوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}} [المائدة: 6] بنصب «وأرجلَكم» عطفاً على «وجوهَكم» وهذه قراءة سَبْعيَّة.
    وأما قراءة «وأرْجُلِكُمْ» بالجرِّ، وهي سَبْعِيَّةٌ أيضاً[(394)]، فتُخرَّج على ثلاثة أوجه:
    الأول: أنَّ الجرَّ هنا على سبيل المجاورة، بمعنى أنَّ الشيء يتبع ما جاوره لفظاً لا حكماً، والمجاور لها «رؤوسكم» بالجرِّ فتجرُّ بالمجاورة. ومنه قول العرب: «هذا جُحر ضَبٍّ خَرِبٍ» بجرِّ خَربٍ، مع أنَّه صِفةٌ لجُحر المرفوع، ومقتضى القواعد رفع خَرب، لأن صفة المرفوع مرفوع، ولكن العرب جرَّته على سبيل المجاورة[(395)].
    الثاني: أن قراءة النَّصب دلَّت على وجوب غسل الرِّجلين.
    وأما قراءة الجر؛ فمعناها: اجعلوا غسلكم إِيَّاها كالمسح، لا يكون غسلاً تتعبون به أنفسكم؛ لأن الإِنسان فيما جرت به العادة قد يكثر من غسل الرِّجلين ودلكها؛ لأنَّها هي التي تباشر الأذى، فمقتضى العادة أن يزيد في غسلها، فقُصدَ بالجرِّ فيما يظهر كَسْرُ ما يعتادهُ النَّاسُ من المبالغة في غسل الرِّجلين؛ لأنهما اللتان تلاقيان الأذى.
    الثالث: أن القراءتين تُنزَّلُ كلُّ واحدة منهما على حال من أحوال الرِّجل، وللرِّجل حالان:
    الأولى: أن تكونَ مكشوفةً، وهنا يجب غسلها.
    الثانية: أن تكونَ مستورةً بالخُفِّ ونحوه فيجب مسحُها.
    فتُنَزَّل القراءتان على حالَيْ الرِّجْل، والسُّنَّةُ بيَّنت ذلك، وهذا أصحُّ الأوجه وأقلُّها تكلُّفاً، وهو متمشٍّ على القواعد، وعلى ما يُعرَفُ من كتاب الله تعالى حيث تُنزَّلُ كلُّ قراءة على معنى يناسبها.
    ويكون في الآية إشارة إلى المسح على الخفَّين.

    ويغسلُ الأقطعُ بقيَّة المفْرُوضِ، فإن قُطِعَ من المَفْصِل غَسَلَ رَأْسَ العَضُد منه،.........
    قوله: «ويغسلُ الأقطعُ بقيَّة المفروضِ» ، أراد رحمه الله أقطعَ اليدين؛ بدليل قوله: «غَسَلَ رأسَ العَضُد منه».
    فيغسلُ الأقطعُ بقيةَ المفروض، ولا يأخذ ما زاد على الفرض في المقطوع.
    فمثلاً: لو أنه قُطِعَ من نصف الذِّراع، فلا يرتفعُ إلى العَضُدِ بمقدار نصفِ الذِّراع؛ لأن العَضُدَ ليس محلًّا للغسل، وإِنما يغسلُ بقيَّة المفروضِ لقوله تعالى: {{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}} [التغابن: 16] ، وهذا اتقى الله ما استطاع.
    ولقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أمَرتُكُم فأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم»[(396)]، وما قُطِعَ سقط فرضُه.
    قوله: «فإِن قُطِعَ من المَفْصِل غَسَلَ رَأْسَ العَضُد منه» ، يعني إِذَا قُطِعَ من مفصل المِرْفق غَسَلَ رأسَ العَضُد، لأن رأس العَضُد مع المرفق في موازنة واحدة.
    وقد سبقَ[(397)] أنه يجبُ غسلُ اليدين مع المرفقين، ورأسُ العَضُدِ داخلٌ في المرفق فيجب غسلُه، وإِن قُطِع من فوق المفصل لا يجبُ غسلُه.
    وهكذا بالنسبة للرِّجل إِن قُطِعَ بعضُ القدمِ غَسلَ ما بقيَ، وإِن قُطِع من مفصل العَقِبِ غسلَ طرفَ السَّاقِ؛ لأنَّه منه.
    وهكذا بالنسبة للأُذُن إِذا قُطِعَ بعضُها مسح الباقي، وإِن قُطِعت كلُّها سقطَ المسحُ على ظاهرِها، ويُدخِلُ أصبعيهِ في صِمَاخ الأُذنين.

    ثم يرفعُ بصرَهُ إلى السَّماءِ ...........
    قوله: «ثم يرفعُ بصره إلى السَّماء» ، هذا سُنَّةٌ إِن صحَّ الحديث، وهو ما رُويَ أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «من توضَّأ فأحسن الوُضُوء، ثم رفع نظره إلى السَّماء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فُتحت له أبواب الجنَّة الثمانية، يدخل من أيِّها شاء»[(398)] وفي سنده مجهولٌ، والمجهولُ لا يُعلم حاله: هل هو حافظ، أو عدل، أو ليس كذلك، وإِذا كان في السند مجهولٌ حُكِمَ بضعف الحديث.
    والفقهاء ـ رحمهم الله ـ بَنَوا هذا الحكمَ على هذا الحديث. وعلى تعليل وهو: أنه يرفعُ نظرَه إلى السَّماء إِشارةً إلى عُلوِّ اللَّهِ تعالى حيثُ شَهِدَ له بالتَّوحيد.

    ويقولُ ما وَرَدَ،...........
    قوله: «ويقول ما وَرَدَ» ، وهو حديث عمر رضي الله عنه: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التَّوابين، واجعلني من المتطهِّرين، فإِنَّ من أسبغ الوُضُوء ثم قال هذا الذِّكر؛ فُتِحَتْ له أبوابُ الجنَّة الثَّمانية، يدخل من أيّها شاء»[(399)].
    وناسب أن يقول هذا الذِّكر بعد الوُضُوء، لأن الوُضُوء تطهيرٌ للبَدَن، وهذا الذِّكر تطهيرٌ للقلب؛ لأن فيه الإخلاص لله.
    ولأن فيه الجمع بين سؤال الله أن يجعله من التَّوابين الذين طهَّروا قلوبهم، ومن المتطهِّرين الذين طهَّروا أبدانهم.
    وقال بعض العلماء: إِن هذا الذِّكر يُشَرعُ بعد الغسل والتيمُّم[(400)] أيضاً، لأن الغسلَ يشتمل على الوُضُوء وزيادة، فإِن من صفات الغسل المسنونة أن يتوضَّأ قبله.
    ولأنَّ المعنى يقتضيه.
    وأمَّا التيمُّم فلأنه بدل على الوُضُوء، وقد قال الله تعالى بعد التيمم: {{وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}} [المائدة: 6] فكان مناسباً.
    ويرى بعضُ العلماء: أنه يقتصر على ما وَرَدَ في الوُضُوء فقط.
    وهو ظاهر كلام الأكثر، قال في «الفروع»: «ويتوجَّهُ ذلك بعد الغُسل؛ ولم يذكروه»[(401)]، وقال في «الفائق»: «قلت: وكذا يقوله بعد الغُسل»[(402)].
    وهذا ـ أعني الاقتصار على قوله بعد الوُضُوء ـ أرجح؛ لأنَّه لم يُنقل بعد الغُسل والتَّيمم، وكلُّ شيء وُجِدَ سَبَبُهُ في عهد النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ولم يمنعْ منه مانع، ولم يفعله، فإِنه ليس بمشروع. نعم؛ لو قال قائل باستحبابه بعد الغُسل إِن تَقَدَّمهُ وُضُوء لم يكن بعيداً إِذا نواهُ للوُضُوء.
    وقول هذا الذِّكر بعد الغسل أقربُ من قولِه بعد التيمُّم؛ لأنَّ المغتسل يصدق عليه أنه متوضِّئ.

    وتُبَاحُ معونتُه،...........
    قوله: «وتُباحُ معونتُه» ، أي: معونة المتوضِّئ، كتقريب الماء إليه وصَبِّه عليه، وهو يتوضَّأ، وهذه الإباحة لا تحتاج إلى دليل؛ لأنها هي الأصل.
    وقد دَلَّ أيضاً على ذلك: أن المغيرةَ بن شعبة رضي الله عنه صَبَّ الماءَ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يتوضَّأ[(403)].
    فإن قلت: ألا يكون هذا مشروعاً؛ لأنَّه من باب التَّعاون على البِرِّ والتقوى، فلا يقتصر على الإباحة فقط، بل يُقال: إنه مشروع؟
    فالجواب: لا شك أنَّه من باب التَّعاون على البِرِّ والتَّقوى، ولكن هذه عبادة ينبغي للإِنسان أن يُباشِرَها بنفسه، ولم يردْ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه كُلَّما أراد أن يتوضَّأ طلب من يُعينه فيه.
    وقال بعضُ العلماء: تُكرَهُ إِعانةُ المتوضِّئ إلا عند الحاجة[(404)]؛ لأنَّها عبادة ولا ينبغي للإِنسان أن يستعينَ بغيره عليها، والمذهب أصَحُّ.

    وتَنْشِيفُ أعضائِه.
    قوله: «وتنشيفُ أعضائه» ، التنشيف بمعنى: التجفيف.
    والدَّليل: عدم الدَّليل على المنع، والأصل الإباحة.
    فإن قلت: كيف تجيبَ عن حديث ميمونة رضي الله عنها بعد أن ذكرت غُسْلَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قالت: «فَنَاولتُهُ ثَوباً فلم يأخُذْهُ، فانطلق وهو يَنْفُضُ يديه»[(405)].
    فالجواب: أن هذا قضيَّة عين تحتمل عِدَّة أمور:
    إِما لسببٍ في المنديل، كعدم نظافته، أو يُخشى أنْ يُبِلَّهُ بالماء وبلَلُه بالماء غيرُ مناسب أو غير ذلك.
    وقد يكونُ إِتيانُها بالمنديل دليلاً على أنَّ من عادتِه أن ينشِّفَ أعضاءه وإلا لم تأت به.
    والصَّوابُ: ما قاله المؤلِّف أنه مباحٌ.

    ----------------------------------------

    [338] انظر: «الإِحكام في أصول الأحكام»، للآمدي (1/99).
    [339] انظر: «الإِنصاف» (1/329)، وسيأتي ذلك في المتن ص(210).
    [340] انظر: ص(172).
    [341] رواه البخاري، كتاب الأذان: باب السجود على الأنف، رقم (812)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب أعضاء السجود، رقم (490) من حديث ابن عباس.
    [342] رواه البخاري، كتاب التيمم: باب التيمم ضربة، رقم (347)، ومسلم، كتاب الحيض: باب التيمم، رقم (368) عن عمار بن ياسر.
    [343] رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب استحباب إِطالة الغرّة والتحجيل، رقم (246)، من حديث أبي هريرة، وأصله مختصراً في البخاري، كتاب الطهارة: باب استحباب إِطالة الغرة والتحجيل، رقم (136).
    [344] انظر: «الإِنصاف» (1/345).
    [345] رواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم، كتاب البيوع: باب النجش، ومن قال: لا يجوز ذلك البيع، انظر رقم (2142)، ووَصَلَهُ مسلمٌ، كتاب الأقضية: باب نقض الأحكام الباطلة، رقم (1718) من حديث عائشة.
    [346] انظر: «المغني» (1/176).
    [347] رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب المسح على الناصية والعمامة، رقم (274).
    [348] رواه أحمد (5/268)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب صفة وضوء النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، رقم (134)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء أن الأذنين من الرأس، رقم (37)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب الأذنان من الرأس، رقم (443، 444، 445) وغيرهم من طُرقٍ كثيرة لا يخلو أيٌّ منها من ضعف.
    قال الحافظ ابن حجر: «وإِذا نظر المنصفُ إِلى مجموع هذه الطرق، عَلم أنَّ للحديث أصلاً، وأنه ليس مما يُطرحُ، وقد حَسَّنوا أحاديث كثيرة باعتبار طُرقٍ لها دون هذه».
    «النكت على ابن الصلاح والعراقي» (1/415).
    وانظر طُرقه في: «الخلافيات» للبيهقي (1/366 ـ 393)، و«التَّلخيص الحبير» (1/91، 92) رقم (96).
    [349] انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (2/551، 552).
    [350] رواه مسلم، كتاب الحج: باب حجة النبي صلّى الله عليه وسلّم: رقم (1218)، من حديث جابر.
    [351] انظر: «الإِنصاف» (1/303).
    [352] رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب وجوب استيعاب جميع أجزاء البدن محل الطهارة، رقم (243) من حديث عمر بن الخطاب.
    [353] رواه أحمد (3/146)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب تفريق الوضوء، رقم (175) قال أحمد: «إِسناده جيد». وقوَّاه ابنُ التركماني، وابنُ القيم. وقال ابن كثير: «إِسناده جيد قوي صحيح».
    انظر: «سنن البيهقي» (1/83)، «تفسير ابن كثير» [المائدة: 6]، «التلخيص الحبير» رقم (103).
    [354] انظر: «الإِنصاف» (1/303).
    [355] انظر: «الإِنصاف» (1/305).
    [356] رواه البخاري، كتاب بدء الوحي: باب كيف كان بدء الوحي إِلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، رقم (1)، ومسلم، كتاب الإِمارة: باب قوله: «إِنما الأعمال بالنيات»، رقم (1907) عن عمر بن الخطاب.
    [357] انظر: «مجموع الفتاوى» (18/263) (22/218)، «الإِنصاف» (1/307).
    [358] انظر: «مجموع الفتاوى» (18/262).
    [359] رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب لا تُقبلُ صلاةٌ بغير طهور، رقم (135)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، رقم (225). من حديث أبي هريرة.
    [360] انظر: «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (1/78).
    [361] انظر: «المجموع شرح المهذب» (1/309).
    [362] انظر: «الإِنصاف» (1/307).
    [363] انظر: «بدائع الصنائع» (1/19، 20).
    [364] تقدم تخريجه ص(117).
    [365] انظر: «الإِنصاف» (1/311، 315).
    [366] متفق عليه، وقد تقدَّم تخريجه، ص(194).
    [367] متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص(194).
    [368] انظر: «كشاف القناع» (1/89).
    [369] متفق عليه، وقد تقدم تخريجه، ص(194).
    [370] انظر: «الإِنصاف» (1/317، 318).
    [371] انظر: «الإِنصاف» (1/317، 318).
    [372] انظر: ص(158).
    [373] انظر ص(203).
    [374] انظر: «المغني» (1/159).
    [375] انظر: «منظومة في أصول الفقه وقواعد فقهية»، للمؤلف رحمه الله ص(10).
    [376] انظر: «الإِنصاف» (3/360)، «جامع العلوم والحكم» (1/85).
    [377] انظر: «الإِقناع» (1/163).
    [378] متفق عليه، وقد تقدم تخريجه، ص(194).
    [379] انظر: ص(158).
    [380] تقدم تخريجه ص(169).
    [381] انظر: «الإِقناع» (1/42).
    [382] رواه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، رقم (6651)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة: باب لبس النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خاتماً من وَرِقْ...، رقم (2091)، من حديث ابن عمر.
    [383] انظر: «الإِنصاف» (1/327).
    [384] تقدم تخريجه، ص(149).
    [385] البيت لهُدبة بن خشرم، انظر: «لسان العرب» مادة (نزع) (8/352).
    [386] «القواعد» لابن رجب ص(4).
    [387] العنفقة: شُعيرات بين الشفة السُّفلى والذقن، «المحيط» مادة (عنفق)..
    [388] تقدم تخريجه، ص:(173).
    [389] رواه مسلم، وقد تقدّم تخريجه ص(185).
    [390] رواه الدارقطني (1/83)، والبيهقي (1/56) من حديث جابر.
    وضعّفه: ابن الجوزي، والمنذري، والنووي، وابن الصلاح، وابن حجر وغيرهم.
    انظر: «الخلاصة» للنووي رقم (177)، و«التلخيص الحبير» رقم (56).
    [391] تقدم تخريجه، ص(179) من حديث عبد الله بن زيد.
    [392] تقدم تخريجه، ص(187).
    [393] رواه مسلم، وقد تقدم تخريجه ص(185).
    [394] قرأ بها: ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة. انظر: «السَّبعة» لابن مجاهد ص(242).
    [395] وردَّه ابنُ خالويه بأن هذا يُستعمل في الشعر والأمثال للاضطرار، والقرآن لا اضطرار فيه. «الحجَّة» ص(129).
    [396] رواه البخاري، كتاب الاعتصام: باب الاقتداء بسنن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، رقم (7288)، ومسلم، كتاب الحج: باب فرض الحج مرَّة في العمر، رقم (1337) من حديث أبي هريرة.
    [397] انظر ص(212 ـ 213).
    [398] رواه أحمد (4/150 ـ 151)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب ما يقول الرجل إِذا توضأ، رقم (170)، وابن السنِّي رقم (31)، والبزار في «مسنده» رقم (242) كلهم من طريق أبي عقيل، عن ابن عمه، عن عقبة بن عامر، عن عمر به. وابن عم أبي عقيل هذا: أُبهِمَ، ولم يُسمَّ.
    قال علي بن المديني: هذا حديث حسن. «مسند الفاروق» لابن كثير (1/111) قال ابن حجر: «هذا حديث حسن من هذا الوجه، ولولا الرجل المبهم لكان على شرط البخاري؛ لأنه أخرج لجميع رواته؛ من المقرئ فصاعداً إِلا المبهم، ولم أقف على اسمه». «نتائج الأفكار» (1/243)، وانظر: «العلل» للدارقطني (2/111).
    [399] رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب الذكر المستحبِّ عقب الوضوء، رقم (234).
    دون قوله: «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين»، وهذه الزيادة رواها الترمذي، أبواب الطهارة: باب ما يُقال بعدَ الوضوءِ، رقم (55).
    ـ قال الترمذي: في إِسناده اضطراب.
    ـ قال ابن حجر: لم تثبت هذه الزيادة في هذا الحديث، فإِن جعفر بن محمد شيخ الترمذي تفرَّد بها، ولم يضبط الإِسناد، فإِنه أسقط بين أبي إِدريس وبين عمر: جبير بن نفير وعقبة، فصار منقطعاً، بل معضلاً، وخالفه كلُّ من رواه عن معاوية بن صالح ثم عن زيد بن الحباب... فاتفاق الجميع أولى من انفراد الواحد».
    «نتائج الأفكار» (1/244).
    وله شاهد من حديث ثوبان رواه ابن السني رقم (32). وفي إِسناده أبو سعد البقال: ضعيف.
    وله طريق أخرى عند الطبراني في «الأوسط» رقم (4895). من طريق الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان.
    قال ابن حجر: سالم لم يسمع من ثوبان، والراوي له عن الأعمش ليس بالمشهور.
    [400] انظر: «الإِنصاف» (1/365)، «الأذكار» للنووي ص(59).
    [401] انظر: «الفروع» (1/154).
    [402] انظر: «الإِنصاف» (1/365).
    [403] رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب المسح على الخفين، رقم (274).
    [404] انظر: «الإِنصاف» (1/369).
    [405] رواه البخاري، كتاب الغسل: باب نفض اليدين من الغسل عن الجنابة، رقم (276) واللفظ له، ومسلم، كتابُ الحيض: باب صفةُ غُسْلِ الجنابةِ، رقم (317).


     



  6. رقم #6
     Icon200  العنوان : رد: الشرح الممتع على زاد المستقنع (متجدد)
    كاتب الموضوع : أبو رمزي
    بتاريخ : 18 Jul 2009 الساعة : 08:46 AM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية أبو رمزي

    رقم العضوية : 16928
    الانتساب : Jun 2009
    المشاركات : 1,330
    بمعدل : 0.44 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 11
    التقييم : Array
    أبو رمزي غير متصل



    · باب مسح الخفين
    بابُ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ

    أتى به المؤلِّف بعد صِفَةِ الوُضُوء لأنه حُكمٌ يتعلَّق بأحد أعضاء الوُضُوء. وذكر المؤلِّفُ في هذا الباب المسحَ على العِمَامة، والجبيرةِ، والخِمَارِ، والخُفَّيْنِ، فكان مشتملاً على أربعة مواضيع.
    والخُفَّان: ما يُلبَسُ على الرِّجل من الجلود، ويُلْحَقُ بهما ما يُلبَسُ عليهما من الكِتَّان، والصُّوف، وشبه ذلك من كُلِّ ما يُلبَسُ على الرِّجْل مما تستفيدُ منه بالتسخين، ولهذا بعث النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم سريةً وأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتَّسَاخين[(406)].
    أي: الخِفَاف، وسُمِّيتْ: «تساخين»، لأنَّها تُسَخِّنُ الرِّجْلَ.
    والمسح على الخفين جائزٌ باتفاق أهل السُّنَّةِ.
    وخالفَ في ذلك الرَّافضةُ؛ ولهذا ذكره بعضُ العلماءِ في كتب العقيدةِ لمخالفةِ الرافضة فيه[(407)] حتى صار شعاراً لهم.
    وهو جائز بالكتابِ والسُّنَّةِ والإِجماعِ.
    أما من الكتاب فقوله تعالى: {{وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}} [المائدة: 6] على قراءة الجرِّ.
    وأما من السُّنَّة فقد تواترت الأحاديثُ بذلك عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم.
    قال النَّاظم:
    ممَّا تواتر حديثُ مَنْ كَذَب
    ومَنْ بَنَى لله بيتاً واحتسب
    ورؤيةٌ شفاعةٌ والحوض
    ومسحُ خُفَّين وهذي بعض
    قال الإمام أحمد رحمه الله: ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثاً عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم[(408)]. أي: ليس في قلبي أدنى شَكٍّ في الجواز.
    وأما الإجماع فقد أجمع أهلُ السُّنَّة على جواز المسح على الخُفَّين في الجملة.

    يَجُوزُ لمقيمٍ يوماً وليلةً ..........
    قوله: «يجوزُ لمقيمٍ يوماً وليلةً» ، عبَّر بالجواز، فهل الجوازُ مُنْصَبٌّ على بيان المدَّة، أو على بيان الحكم؟
    إن كان على بيان المدَّة فلا إِشكال فيه، يعني: أن الجواز متعلِّق بهذه المدَّة.
    وإِن كان مُنْصَباً على بيان الحكم فقد يكون فيه إِشكال، وهو أنَّ المسحَ على الخُفَّين للابسهما سُنَّةٌ، وخلْعُهما لغسلِ الرِّجلِ بدعة خلاف السُّنَّة.
    لكن قد يُجابُ عن هذا الإشكال بأن نقول: إِن المؤلِّفَ عبَّر بالجواز دفعاً لقول من يقول بالمنع، وهذا لا يُنافي أن يكون مشروعاً، والعلماءُ يعبِّرون بما يقتضي الإِباحة في مقابلة من يقول بالمنع، وإن كان الحكم عندهم ليس مقصوراً على الجواز، بل هو إِما واجب، أو مستحبٌّ.
    ونظيرُ ذلك: قول بعضهم: ولمن أحرم بالحجِّ مفرداً ولم يُسقِ الهدي أن يفسخه لعمرة ليكونَ متمتِّعاً[(409)].
    فالتعبير باللام الدالَّة على الجواز في مقابل من منع ذلك؛ لأنَّ بعض العلماء يقول بعدم الجواز؛ لأن هذا من إبطال العمل.
    وقوله: «لمقيم» يشمل المستوطن والمقيمَ؛ لأن الفقهاء رحمهم الله يرون أن النَّاس لهم ثلاث حالات:
    إحداها: الإقامة.
    الثانية: الاستيطان.
    الثالثة: السَّفر.
    ويُفرِّقون في أحكام هذه الأحوال.
    والصَّحيح: أنَّه ليس هناك إلا استيطان أو سفر، وهذا اختيار شيخ الإسلام[(410)]، وأن الإقامة باعتبارها قسماً ثالثاً ينفرد بأحكام خاصَّة لا توجد في الكتاب، ولا في السُّنَّة.
    والإِقامة عند الفقهاء: هي أن يقيمَ المسافرُ إقامةً تمنع القصْرَ ورُخَصَ السَّفرِ؛ ولا يكون مستوطناً، وعلى هذا فإِنه مقيم، فلا تنعقد به الجمعةُ، ولا تجب عليه؛ أي: بنفسه، ولا يكون خطيباً، ولا إماماً فيها، حتى لو أراد أن يقيم سنتين، أو ثلاثاً.
    والمستوطنُ: الذي اتَّخَذَ البلدَ وطناً له.
    وحكم المقيم في المسح على الخُفَّين كحكم المستوطن، كما أنَّ حكمه كحكم المستوطن في وجوب إِتمام الصَّلاة، وفي تحريم الفِطْرِ في رمضان، لكن ليس هو كالمستوطن في مسألة الجمعة، فلا تجب عليه بنفسه، ولا يكون إِماماً فيها، ولا خطيباً، وحينئذٍ يكون في مرتبة بين مرتبتين، ولا دليل على هذه المرتبة.
    وقوله: «يوماً وليلة» لحديث عليٍّ رضي الله عنه قال: «جعل النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم للمقيم يوماً وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن»، أخرجه مسلم[(411)].
    وهذا نَصٌّ صريحٌ بَيِّنٌ مُفَصَّلٌ.

    ولمسافرٍ ثلاثةً بلَيَالِيها من حَدَثٍ بَعْدَ لُبْسٍ ...........
    قوله: «ولمسافر ثلاثةً بلياليها» ، إطلاقُ المؤلِّف رحمه الله يشمل السَّفر الطَّويل والقصير.
    ويشمل سفرَ القَصر وغيره؛ لأن هناك سفراً طويلاً لكن لا يُقْصَر فيه كالسَّفر المحرَّم، أو المكروهِ على المذهبِ، كمن سافر لشُرب الخمر أو الاستمتاع بالبغايا.
    والمذهب: أنَّ السَّفر هنا مُقيَّدٌ بالسَّفر الذي يُباحُ فيه القَصرُ، ولعلَّه مراد المؤلِّف رحمه الله.
    قوله: «من حَدَثٍ بعد لُبْسٍ» ، من: للابتداء، يعني: أنَّ ابتداءَ المدَّةِ سواءٌ كانت يوماً وليلة؛ أم ثلاثة أيَّام، من الحَدَث بعد اللبس، وهذا هو المذهب؛ لأنّ الحَدَثَ سببُ وجوب الوُضُوء فعلَّق الحكم به، وإِلا فإنَّ المسحَ لا يتحقَّقُ إلا في أوَّل مرَّة يمسحُ.
    ونظيرُ هذا قولُهم في بيع الثِّمار: إذا باع نخلاً قد تشقَّقَ طَلْعُهُ فالثَّمر للبائع؛ مع أن الحديث: «من باع نخلاً قد أُبِّرتْ...»[(412)]، لكن قالوا: إِن التشقُّقَ سببٌ للتَّأبير فأُنيط الحكم به[(413)].
    والذي يمكن أن يُعلِّق به ابتداء المُدَّة ثلاثة أمور:
    الأول: حال اللُّبس.
    الثاني: حال الحَدَث.
    الثالث: حال المسح.
    أما حال اللِّبس، فلا تبتدئ المدَّة من اللِّبس قولاً واحداً في المذهب، وأما حال الحَدَث فالمذهبُ: أن المدَّة تبتدئُ منه.
    والقول الثاني: تبتدئُ من المسح[(414)]؛ لأنَّ الأحاديث: «يمسح المسافرُ على الخفين ثلاث ليال، والمقيم يوماً وليلة»[(415)]... إلخ، ولا يمكن أن يَصْدُقَ عليه أنَّه ماسح إِلا بفعل المسح، وهذا هو الصَّحيح.
    ويدلُّ له أن الفقهاء أنفسهم ـ رحمهم الله ـ قالوا: لو أن رجلاً لبس الخُفَّين وهو مقيمٌ؛ ثم أحدثَ؛ ثم سافر؛ ومسحَ في السَّفَر أوَّل مرَّة، فإنه يُتِمُّ مسح مسافر[(416)]. وهذا يدلُّ على أنَّه يعتَبر ابتداء المدَّة من المسح وهو ظاهرٌ.
    فالصَّوابُ: أن العِبْرَةَ بالمسح وليس بالحَدَثِ.
    مثال ذلك: رجلٌ توضَّأ لصلاة الفجر ولبس الخُفَّين، وبقي على طهارته إلى السَّاعة التَّاسعة ضُحى، ثم أحدث ولم يتوضَّأ، وتوضأ في السَّاعة الثانية عشرة، فالمذهب: تبتدئ المُدَّةُ من السَّاعة التَّاسعة.
    وعلى القول الرَّاجح: تبتدئ من السَّاعة الثَّانية عشرة إلى أن يأتي دورها من اليوم الثَّاني إِن كان مقيماً، ومن اليوم الرَّابع إن كان مسافراً.
    فالمقيمُ أربعٌ وعشرون ساعةً، والمسافر اثنتان وسبعون ساعةً.
    وأما قول العامَّة: إنَّ المدَّة خمسُ صلوات فهذا غير صحيح؛ لأنَّ الإِنسانَ قد يُصلِّي أكثر من ذلك ومُدَّة المسح باقية وهو مقيم، كما لو لبس الخُفَّين لصلاة الفَجر، وبقي على طهارته إِلى أن صَلَّى العشاء، فهذا يوم كامل لا يُحسب عليه؛ لأن المدَّة قبل المسح أوَّل مرَّة لا تُحسَبُ، فإذا مسح من الغَدِ لصلاة الفجر، فإِذا بقيَ على طهارته إلى صلاة العشاء من اليوم الثالث، فيكون قد صَلَّى خمس عشرة صلاة وهو مقيمٌ.

    على طَاهِرٍ .........
    قوله: «على طاهر» ، هذا هو الشَّرط الثَّاني من شُروطِ صِحَّةِ المسحِ على الخُفَّين، وهو أن يكونَ الملبوس طاهراً.
    والطَّاهر: يُطلَقُ على طاهر العين، فيخرج به نجس العين.
    وقد يُطْلَقُ الطَّاهرُ على ما لم تُصبْه نجاسةٌ، كما لو قلت: يجب عليك أن تُصلِّيَ بثوبٍ طاهر، أي: لم تُصبْه نجاسةٌ.
    والمراد هنا طاهر العين؛ لأن من الخِفَاف ما هو نجس العين كما لو كان خُفَّا من جلد حمار، ومنه ما هو طاهر العين لكنَّه متنجِّس؛ أي: أصابته نجاسة، كما لو كان الخُفُّ من جلد بعيرٍ مُذكَّى لكن أصابته نجاسة، فالأوَّل نجاسته نجاسة عينيَّة؛ والثَّاني نجاسته نجاسة حُكميَّة، وعلى هذا يجوز المسح على الخُفِّ المتنجِّس، لكن لا يُصلِّي به، لأنه يُشترط للصَّلاة اجتناب النَّجاسة.
    وفائدة هذا أن يستبيح بهذا الوُضُوء مسَّ المصحف؛ لأنه لا يُشترط للَمْسِ المصحف أن يكون متطهِّراً من النَّجاسة، ولكن يُشترط أن يكون متطهِّراً من الحدث.
    أما لو اتَّخذ خُفًّا من جلد ميتة مدبوغ تحلُّ بالذَّكَاة، فإِن هذا ينبني على الخلاف[(417)]:
    إن قلنا: لا يطهرُ ـ وهو المذهبُ ـ لم يَجُز المسح عليه.
    وإن قلنا: يطهُر بالدَّبغ جازَ المسحُ عليه.
    ووجه اشتراط الطَّهارة: أن المسحَ على نجس العين لا يزيدُه إلا تلويثاً، بل إن اليد إذا باشرت هذا النَّجسَ وهي مبلولةٌ تنجَّست.
    وربما يُؤخَذُ من قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «فإِنِّي أدخلتُهما طاهرتين»[(418)].
    لكن معنى الحديث أدْخَلتُهما، أي: القدمين طاهرتين، كما يفسِّره بعض الألفاظ[(419)].

    مُبَاحٍ ..............
    قوله: «مباحٍ» ، احترازاً من المحرَّم، هذا هو الشَّرط الثَّالث، والمحرَّم نوعان:
    الأول: محرَّم لكسبه كالمغصوب، والمسروق.
    الثاني: محرَّم لعينه كالحرير للرَّجُلِ، وكذا لو اتَّخَذ «شُرَاباً» (وهو الجورب) فيها صُور فهذا محرَّمٌ، ولا يُقال: إِن هذا من باب ما يُمتهن؛ لأنَّ هذا من باب اللباس، واللباس الذي فيه صُورٌ حرام بكلِّ حال، فلو كان على «الشُّراب» صورةُ أسدٍ مثلاً فلا يجوز المسح عليه.
    وكلا هذين النوعين لا يجوز المسحُ عليهما.
    ولا نعلم دليلاً بيِّنا على ذلك.
    وأما التَّعليل: فلأنَّ المسح على الخُفَّين رُخْصَة، فلا تُستباحُ بالمعصية؛ ولأن القول بجواز المسح على ما كان محرَّماً مقتضاه إقرار هذا الإنسان على لبس هذا المحرَّم، والمحرَّم يجب إِنكاره.
    وربما نقول: بالقياس على بطلان صلاة المُسْبِلِ[(420)] ـ إن صحَّ الحديثُ ـ فإِن المُسْبِلَ تبطل صلاتُه، لأنَّه لبس ثوباً محرَّماً، فإِذا فسدت الصَّلاةُ بلبس الثَّوب المحرَّم؛ فإنَّ المسح أيضاً يكون فاسداً بلبس الخُفِّ المحرَّم.

    ساتِرٍ للمفْرُوضِ،.............
    قوله: «ساترٍ للمفْروضِ» ، أي: للمفْروض غسلُه من الرِّجْلِ، وهذا هو الشَّرط الرابع، فيُشترَط لجواز المسح على الخُفَّين أن يكون ساتراً للمفروض.
    ومعنى «ساتر» ألا يتبيَّنَ شيءٌ من المفروض من ورائه؛ سواءٌ كان ذلك من أجل صفائه، أو خفَّته، أو من أجل خروق فيه.
    لأنَّه إِذا كان به خُروقٌ بانَ من ورائه المفروضُ، فلا يصحُّ المسحُ عليه حتى قال بعض أهل العلم ـ وهو المشهور من المذهب ـ: لو كان هذا الخَرْقُ بمقدار رأس المخراز.
    والتَّعليل: أن ما كان خفيفاً أو به خُروق، فإِن ما ظَهَرَ؛ فَرْضُهُ الغُسْل، والغُسْل لا يجامعُ المسحَ، إِذ لا يجتمعان في عضوٍ واحد.
    وأمَّا ما يصف البشرة لصفائه؛ فلأنه يُشترَطُ السَّتر وهذا غير ساترٍ، بدليل أن الإِنسان لو صلَّى في ثوب يصف البشرةَ لصفائه فصلاتُه باطلةٌ.
    وذهب الشافعيةُ إِلى: أنَّ ما لا يَسْتُرُ لصفائه يجوز المسحُ عليه[(421)]، لأنَّ محلَّ الفرض مستورٌ لا يمكن أن يصل إِليه الماء، وكونُه تُرى من ورائه البشرةُ لا يضرُّ، فليست هذه عورة يجب سترها حتى نقول: إن ما يصف البشرة لا يصحُّ المسح عليه.
    وليس في السُّنَّة ما يدلُّ على اشتراط ستر الرِّجْل في الخُفِّ.
    وهذا تعليل جَيّدٌ من الشَّافعية.
    وقال بعض العلماء: إنه لا يُشترطُ أن يكون ساتراً للمفروض[(422)].
    واستدلُّوا: بأن النُّصوص الواردةَ في المسح على الخُفَّين مُطْلَقةٌ، وما وَرَدَ مُطْلَقاً فإنه يجب أن يبقى على إِطلاقه، وأيُّ أحد من النَّاس يُضيف إِليه قيداً فعليه الدَّليل، وإلا فالواجب أن نُطلق ما أطلقه اللَّهُ ورسولُه، ونقيِّد ما قيَّده الله ورسولُه.
    ولأن كثيراً من الصَّحابة كانوا فُقَراء، وغالب الفُقراء لا تخلو خفافهم من خُرُوق، فإذا كان هذا غالباً أو كثيراً من قوم في عهد الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم؛ ولم ينبِّه عليه الرَّسولُ صلّى الله عليه وسلّم، دَلَّ على أنَّه ليس بشرط. وهذا اختيار شيخ الإسلام[(423)].
    وأما قولهم: إِنَّ ما ظَهَرَ؛ فرضُه الغُسْلُ، فلا يجامع المسحَ، فهذا مبنيٌّ على قولهم: إِنه لا بُدَّ من ستر المفروض، فهم جاؤوا بدليل مبنيٍّ على اختيارهم، واستدلُّوا بالدعوى على نفس المُدَّعَى، فيُقال لهم: مَنْ قال: إِنَّ ما ظَهَرَ؛ فرضُه الغُسْل؟
    بل نقول: إِن الخُفَّ إِذا جاء على وفق ما أطلقتْه السُّنَّةُ؛ فما ظَهَرَ من القدم لا يجب غسْلُه، بل يكون تابعاً للخُفِّ، ويُمسحُ عليه.
    وأما قولهم: لا يجتمع مسحٌ وغُسْلٌ في عضو واحد، فهذا مُنتقضٌ بالجَبيرة إِذا كانت في نصف الذِّراع، فالمسحُ على الجبيرة، والغُسْلُ على ما ليس عليه جبيرة، وعلى تسليم أنَّه لا بُدَّ من ستر كُلِّ القدم نقول: ما ظهر يُغسَلُ، وما استتر بالخُفِّ يُمسحُ كالجبيرة، ولكن هذا غيرُ مُسلَّم، وما اختاره شيخ الإسلام هو الرَّاجح؛ لأن هذه الخفاف لا تسلم غالباً من الخروق، فكيف نشقُّ على النَّاس ونلزمُهم بذلك. ثم إِن كثيراً من النَّاس الآن يستعملون جواربَ خفيفة، ويرونَها مفيدةً للرِّجْل، ويحصُل بها التَّسخينُ، وقد بعث النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم سريةً، فأصابهم البردُ، فأمرَهم أن يمسحوا على العصائب (يعني العمائم) والتَّساخين (يعني الخِفَاف)[(424)]، والتَّساخين هي الخِفاف؛ لأنها يُقصد بها تسخينُ الرِّجل، وتسخينُ الرِّجْل يحصُلُ من مثل هذه الجوارب.
    إذاً؛ هذا الشَّرط محل خلاف بين أهل العلم، والصَّحيحُ عدم اعتباره.

    َثْبُتُ بِنَفْسِهِ ...........
    قوله: «يَثْبُتُ بنفسه» ، أي: لا بُدَّ أن يثبت بنفسه، أو بنعلين فيُمسحُ عليه إِلى خلعهما، وهذا هو الشَّرط الخامس لجواز المسح على الخُفَّين، فإِن كان لا يثبت إِلا بشدِّه فلا يجوزُ المسح عليه. هذا المذهب.
    فلو فُرِضَ أنَّ رَجُلاً رِجْلُه صغيرةٌ، ولبس خُفَّاً واسعاً لكنَّه ربطه على رجْله بحيث لا يسقط مع المشي، فلا يصحُ المسحُ عليه.
    والصَّحيح: أنه يصحُّ، والدَّليلُ على ذلك أن النُّصوصَ الواردة في المسحِ على الخُفَّين مُطلقةٌ، فما دام أنه يَنْتَفِعُ به ويمشي فيه فما المانع؟ ولا دليل على المنع.
    وقد لا يجدُ الإِنسانُ إلا هذا الخُفَّ الواسع فيكونُ في منعه من المسح عليه مشقَّة، لكن اليوم ـ الحمد لله ـ كلُّ إنسانٍ يجد ما يريد.
    لكن لو فُرِضَ أنَّ هذا الرَّجُلَ قدمُه صغيرة، وليس عنده إلا هذا الخُفُّ الكبير الواسع وقال: أنا إِذا لَبِسْتُه وشددتُه مشيت، وإن لم أشدُدْهُ سقط عن قدمي، ماذا نقول له؟
    نقول: على المذهبِ لا يجوزُ، وعلى القول الرَّاجحِ يجوزُ، ووجه رجحانه أنَّه لا دليل على هذا الشَّرط.
    فإن قال قائل: ما هو الدَّليلُ على جواز المسح عليه؟
    نقولُ: الدَّليلُ عدم الدَّليلِ، أي عدمُ الدَّليلِ على اشتراط أن يَثْبُتَ بنفسه.

    مِنْ خُفٍّ،.............
    قوله: «من خُفٍّ» ، من: بيانيَّة لقوله: «طاهر»، فالجارُ والمجرورُ بيان لطاهر، و«من»: إذا كانت بيانيَّة فإِن الجار والمجرور في موضع نصب على الحال، يعني حال كونه من خُفٍّ.
    والخُفُّ: ما يكون من الجلد. والجوارب: ما يكون من غير الجلد كالخرق وشبهها، فيجوز المسح على هذا وعلى هذا.
    ودليل المسح على الجوارب القياس على الخُفِّ، إذ لا فرق بينهما في حاجة الرِّجْل إليهما، والعِلَّة فيهما واحدة، فيكون هذا من باب الشُّمول المعنوي، أو بالعموم اللفظي كما في حديث: «أن يمسحوا على العصائب والتَّساخين»[(425)].
    والتَّساخينُ يعمُّ كلَّ ما يُسخِّنُ الرِّجْلَ.
    وأمَّا «المُوق» فإنه خُفٌّ قصير يُمْسَحُ عليه، وقد ثبت أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم مسح على الموقين[(426)].

    وجَوْرَبٍ صَفِيقٍ،...........
    قوله: «وجَوْرَبٍ صفيق» ، اشترط المؤلِّفُ أن يكون صفيقاً؛ لأنَّه لا بُدَّ أن يكون ساتراً للمفروض على المذهب، وغير الصَّفيق لا يستر.

    وَنَحْوِهِمَا، وعلى عِمَامَةٍ لرجلٍ ..........
    قوله: «ونحوهما» ، أي: مثلهما من كلِّ ما يُلبَسُ على الرِّجْل سواء سُمِّي خُفَّاً، أم جورباً، أم مُوقاً، أم جُرموقاً، أم غير ذلك، فإِنَّه يجوز المسح عليه؛ لأن العِلَّة واحدة.
    قوله: «وعلى عِمَامةٍ لرجُل» ، أي ويجوز المسح على عِمَامة الرَّجل، والعِمامةُ: ما يُعمَّمُ به الرَّأس، ويكوَّرُ عليه، وهي معروفةٌ.
    والدَّليل على جواز المسح عليها حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «مسح بناصيته، وعلى العِمامة، وعلى خُفّيه»[(427)].
    وقد يُعبَّر عنها بالخِمَار كما في «صحيح مسلم»: «مسح على الخُفَّين والخِمَار»[(428)]، قال: يعني العِمَامة[(429)].
    ففسَّر الخِمَار بالعِمَامة، ولولا هذا التفسير لقلنا بجواز المسح على «الغُترة»، إِذا كانت مخمِّرة للرَّأس، كما يجوز في خُمُر النِّساء.
    وقوله: «لرَجُل»، أي: لا للمرأة، وهو أحد شروط جواز المسح على العِمامة، فلا يجوز للمرأة المسحُ على العِمَامة، لأنَّ لبسها لها حرام لما فيه من التشبُّه بالرِّجَال، وقد لعن رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم المتشبهين من الرِّجال بالنِّساء، والمتشبهات من النِّساء بالرِّجال[(430)].
    ويُشترطُ لها ما يُشترَطُ للخُفِّ من طهارة العين، وأن تكونَ مباحةً، فلا يجوز المسح على عمامةٍ نجسة فيها صورٌ، أو عمامةِ حريرٍ.
    وقوله: «لرَجُل»، كلمة رَجُل في الغالب تُطلَقُ على البالغ، وهذا ليس بمراد هنا، بل يجوزُ للصبيِّ أن يلبس عِمامةً ويمسحَ عليها.
    وكلمة «ذَكَر» تُطْلَقُ على ما يُقابل الأنثى.

    مُحَنَّكَةٍ، أَوْ ذَاتِ ذُؤَابَةٍ ...........
    قوله: «محنَّكة أو ذات ذؤابة» ، هذا هو الشَّرط الثَّاني لجواز المسح على العِمَامة، فالمحنَّكة هي التي يُدار منها تحت الحنك، وذات الذؤابة هي التي يكون أحد أطرافها متدلِّياً من الخلف، وذات: بمعنى صاحبة.
    فاشترط المؤلِّفُ للعِمامة شرطين:
    الأول: أن تكون لرَجُل.
    الثاني: أن تكون محنَّكة، أو ذات ذؤابة.
    مع اشتراط أن تكون مباحة، وطاهرة العين.
    والدَّليل على اشتراط التَّحنيك، أو ذات الذؤابة: أنَّ هذا هو الذي جرت العادةُ بلبسه عند العرب.
    ولأن المحنَّكة هي التي يَشقُّ نزعها، بخلاف المُكوَّرة بدون تحنيك.
    وعارض شيخ الإسلام رحمه الله في هذا الشرط[(431)]، وقال: إِنَّه لا دليل على اشتراط أن تكون محنَّكة، أو ذات ذؤابة.
    بل النصُّ جاء: «العِمامة»[(432)] ولم يذكر قيداً آخر، فمتى ثبتت العِمَامة جاز المسحُ عليها.
    ولأنَّ الحكمة من المسح على العِمَامة لا تتعيَّنُ في مشقَّة النَّزع، بل قد تكون الحكمةُ أنَّه لو حرَّكها ربما تَنْفَلُّ أكوارُها.
    ولأنَّه لو نَزَع العِمَامة، فإِن الغالب أنَّ الرَّأس قد أصابه العرقُ والسُّخونَة فإِذا نزعها، فقد يُصاب بضررٍ بسبب الهواء؛ ولهذا رُخِّصَ له المسح عليها.
    ولا يجب أن يَمسحَ ما ظهر من الرَّأس، لكن قالوا: يُسَنَّ أن يمسحَ معها ما ظهر من الرَّأس؛ لأنَّه سيظهر قليلٌ من النَّاصية ومن الخلف غالباً؛ فيجب المسح عليها، ويستحب المسح على ما ظَهَرَ.

    وعلى خُمُر نِسَاءٍ .............
    قوله: «وعلى خُمُر نساءٍ» ، أي ويجوزُ المسحُ على خُمُرِ نساءٍ.
    خُمُرِ: جمع خِمَار، وهو مأخوذٌ من الخُمْرة، وهو ما يُغطَّى به الشيءُ. فخِمَار المرأة: ما تُغطِّي به رأسها.
    واختلف العلماء في جواز مسح المرأة على خمارها.
    فقال بعضهم: إِنه لا يجزئ[(433)] لأن الله تعالى أمر بمسح الرَّأس في قوله: {{وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ}} [المائدة: 6] ، وإِذا مَسَحَتْ على الخمار فإِنها لم تمسح على الرَّأس؛ بل مسحت على حائل وهو الخمار فلا يجوز.
    وقال آخرون بالجواز، وقاسوا الخِمَار على عِمَامة الرَّجُل، فالخِمَار للمرأة بمنزلة العِمَامة للرَّجُل، والمشقَّة موجودة في كليهما.
    وعلى كُلِّ حالٍ إِذا كان هناك مشقَّة إِما لبرودة الجوِّ، أو لمشقَّة النَّزع واللَّفّ مرَّة أخرى، فالتَّسامح في مثل هذا لا بأس به، وإلا فالأوْلى ألاَّ تمسح ولم ترد نصوصٌ صحيحة في هذا الباب[(434)].
    ولو كان الرَّأس ملبَّداً بحنَّاء، أو صمغ، أو عسل، أو نحو ذلك فيجوز المسح؛ لأنه ثبت أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان في إحرامه ملبِّداً رأسَه[(435)] فما وُضع على الرَّأس مِنَ التَّلبيد فهو تابع له.
    وهذا يدلُّ على أن طهارة الرَّأس فيها شيء من التَّسهيل.
    وعلى هذا؛ فلو لبَّدت المرأة رأسها بالحِنَّاء جاز لها المسحُ عليه، ولا حاجة إلى أن تنقض رأسَها، وتَحُتُّ هذا الحنَّاء.
    وكذا لو شدَّت على رأسها حُليًّا وهو ما يُسمّى بالهامة، جاز لها المسحُ عليه؛ لأننا إِذا جوَّزنا المسح على الخمار فهذا من باب أَوْلَى.
    وقد يُقال: إن له أصلاً وهو الخاتم، فالرَّسول (ص) كان يلبس الخاتم[(436)] ومع ذلك فإِنَّه قد لا يدخل الماءُ بين الخاتم والجلد، فمثل هذه الأشياء قد يُسامِحُ فيها الشَّرع، ولا سيما أن الرَّأس من أصله لا يجب تطهيرُه بالغسل، وإنما يطهرُ بالمسح، فلذلك خُفِّفَتْ طهارتُه بالمسح.
    وقوله: «على خُمر نساء»، يفيد أنَّ ذلك شرطٌ، وهو أن يكون الخمارُ على نساء.

    مُدَارَةٍ تَحت حُلُوقِهِنَّ ............
    قوله: «مُدَارةٍ تحت حُلُوقِهن» ، هذا هو الشَّرط الثَّاني، فلا بُدَّ أن تكون مدارةً تحت الحلق، لا مطلقةً مرسلةً؛ لأن هذه لا يشقُّ نزعُها بخلافِ المُدارةِ.
    وهل يُشترطُ لها توقيت كتوقيت الخُفِّ؟ فيه خلاف. والمذهب أنَّه يُشترط، وقال بعض العلماء: لا يُشترط، لأنه لم يثبت عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه وقَّتها، ولأنَّ طهارة العُضوِ التي هي عليه أخفُّ من طهارة الرِّجْلِ، فلا يمكن إِلحاقُها بالخُفِّ، فإِذا كانت عليكَ فامسح عليها، ولا توقيتَ فيها، وممن ذهب إلى هذا القول: الشَّوكاني في «نيل الأوطار»[(437)]، وجماعة من أهل العلم[(438)].

    فِي حَدَثٍ أَصْغَرَ،............
    قوله: «في حَدَثٍ أصغر» ، الحَدَث: وصفٌ قائمٌ بالبَدَن يمنع من الصَّلاة ونحوها مما تُشترط له الطَّهارة.
    وهو قسمان:
    الأول: أكبر وهو ما أوجب الغسل.
    الثاني: أصغر وهو ما أوجب الوُضُوء.
    فالعِمامةُ، والخُفُّ، والخِمارُ، إِنما تمسحُ في الحَدَث الأصغر دون الأكبر، والدَّليل على ذلك حديث صفوان بن عَسَّال قال: «أمَرنا رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم إِذا كُنَّا سَفْراً ألاَّ ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط، وبول، ونوم»[(439)].
    فقوله: «إلا من جنابة»، يعني به الحدَثَ الأكبر.
    وقوله: «ولكن من غائط وبول ونوم»، هذا الحدث الأصغر. فلو حصل على الإِنسان جنابة مدَّةَ المسح فإنه لا يمسح، بل يجب عليه الغُسلُ؛ لأنَّ الحدث الأكبر ليس فيه شيء ممسوح، لا أصلي ولا فرعي، إلا الجبيرة كما يأتي.
    تـنـبـيـه:
    تَبيَّنَ مما سبق أن لهذه الممسوحات الثلاثة: الخُفّ والعِمامة والخِمار شروطاً تتفق فيها؛ وشروطاً تختصُّ بكل واحد. فالشُّروط المتفقة هي:
    1 ـ أن تكون في الحدث الأصغر.
    2 ـ أن يكون الملبوس طاهراً.
    3 ـ أن يكون مباحاً.
    4 ـ أن يكون لبسها على طهارة.
    5 ـ أن يكون المسح في المدَّة المحددة.
    هذا ما ذكره المؤلِّفُ وقد عرفت الخلاف في بعضها.
    وأما الشُّروط المختلفة فالخفُّ يُشتَرطُ أن يكون ساتراً للمفروض، ولا يُشتَرَطُ ذلك في العِمَامة والخِمَار، والعِمَامة يُشترَطُ أن تكونَ على رَجُلٍ، والخِمَار يُشترَط أن يكون على أنثى، والخُفُّ يجوزُ المسح عليه للذُّكور والإِناث.

    وجَبِيرَةٍ،...........
    قوله: «وجبيرة» ، أي: ويجوز المسحُ على جبيرةٍ، والجبيرة: فعيلة بمعنى فاعلة، وهي أعوادٌ توضعُ على الكسرِ ثم يُرْبَطُ عليها ليلتئمَ. والآن بدلها الجبسُ.
    وأما «جبير» بالنسبة للمكسور فهو بمعنى مفعول أي مجبورٌ.
    ويُسمَّى الكسيرُ جبيراً من باب التفاؤل، كما يُسمَّى اللَّديغُ سليماً مع أنه لا يُدرى هل يسلم أم لا؟
    وتُسمَّى الأرضُ التي لا ماء فيها ولا شجر مَفَازة من باب التَّفاؤل.

    لَمْ تَتَجَاوزْ قَدْرَ الحَاجَةِ، ولو فِي أكْبَرَ ........
    قوله: «لم تتجاوز قَدْرَ الحاجة» ، هذا أحدُ الشُّروطِ، وتتجاوز: أي تتعدَّى.
    والحاجة: هي الكسر، وكلُّ ما قَرُبَ منه مما يُحتاجُ إليه في شدِّها.
    فإِذا أمكن أن نجعل طول العيدان شبراً، فإِنَّنا لا نجعلُها شبراً وزيادة، لعدم الحاجة إلى هذا الزَّائد.
    وكذا إذا احتجنا إلى أربطةٍ غليظة استعملناها، وإلا استعملنا أربطةً دقيقة.
    وإِذا كان الكسر في الأصبع واحتجنا أن نربط كلَّ الرَّاحة لتستريحَ اليدُ جاز ذلك لوجود الحاجة.
    فإِن تجاوزت قَدْرَ الحاجة، لم يُمسح عليها، لكن إِن أمكن نزعُها بلا ضرر نُزِعَ ما تجاوز قدَر الحاجةِ، فإِنْ لم يُمكنْ فقيل: يمسح على ما كان على قدر الحاجةِ ويتيمَّم عن الزَّائد[(440)]. والرَّاجح أنه يمسحُ على الجميعِ بلا تيمُّم؛ لأنَّه لما كان يتضرَّرُ بنزع الزَّائدِ صار الجميع بمنزلةِ الجَبيرة.
    قوله: «ولو في أكبر» ، لو: لرفع التَّوهُّمِ، لأنه في العِمَامة والخِمارِ والخُفَّين قال: «في حدث أصغر»، ولو لم يقل هنا «ولو في أكبر» لتوهَّمَ متوهِّمٌ أن المسحَ عليها في الحدث الأصغر فقط مع أنَّه يجوز المسح عليها في الحدث الأصغر والأكبر.
    وذلك لوجوه:
    1 ـ حديث صاحب الشّجَّة ـ بناءً على أنه حديث حسن، ويُحتَجُّ به ـ فإِن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «إِنمَّا كان يكفيه أن يتيمَّمَ؛ ويعصِبَ على جُرحه خِرقةً ثم يمسح عليها»[(441)].
    وهذا في الحدث الأكبر، لأن الرَّجل أجنب.
    2 ـ أن المسح على الجبيرة من باب الضَّرورة، والضَّرورة لا فرق فيها بين الحدث الأكبر والأصغر، بخلاف المسح على الخفين فهو رخصة.
    3 ـ أنَّ هذا العضو الواجبَ غسلُه سُتِرَ بما يسوغُ ستره به شرعاً فجاز المسحُ عليه كالخُفَّين.
    4 ـ أنَّ المسحَ وردَ التعبُّد به من حيثُ الجُملةُ، فإذا عجزنا عن الغسل انتقلنا إلى المسح كمرحلة أخرى.
    5 ـ أنَّ تطهير محلِّ الجبيرة بالمسح بالماء، أقرب إلى الغسل من العدول إلى التيمُّم، والأحاديث في المسح على الجبيرة وإن كانت ضعيفة إلا أن بعضها يجبر بعضاً.
    ثم إِننا يمكن أن نقيسها ولو من وَجْهٍ بعيد على المسح على الخُفَّين، فنقول: إِنَّ هذا عضو مستور بما يجوز لُبْسُه شرعاً فيكون فرضُه المسحُ. وهذا القياسُ وإِن كان فيه شيءٌ من الضَّعف من جهة أن المسح على الخفَّين رخصةٌ ومؤقَّتٌ، والمسحُ على الجبيرةِ عزيمةٌ وغير مُؤقَّت، والمسحُ على الخُفَّين يكون في الحدث الأصغر، وهذا في الأصغر والأكبر، والمسحُ على الخُفَّين يكون على ظاهر القدم، وهذا يكون على جميعها، ولكن مع ما في هذا القياس من النَّظر إِلا أنه قويٌّ من حيث الأصلُ، وهو أنَّه مستورٌ بما يسوغُ ستره به شرعاً فجاز المسح عليه كالخُفَّين، وهذا ما عليه جمهور العلماء.
    وقال بعضُ العلماء ـ كابن حزم ـ لا يمسحُ على الجبيرة[(442)]؛ لأنَّ أحاديثها ضعيفةٌ، ولا يَرَى أنه ينجبر بعضها ببعض، ولا يَرَى القياس.
    واختلف القائلون بعدم جواز المسح.
    فقال بعضهم: إِنه يسقطُ الغُسْل إِلى بدل، وهو التيمُّم[(443)] بأن يِغْسِلَ أعضاءَ الطَّهارةِ ويتيمَّمَ عن الموضع الذي فيه الجبيرة، لأنَّه عاجزٌ عن استعمال الماء، والعجز عن البعض كالعجز عن الكُلِّ فيتيمَّم.
    وقال آخرون: إنه لا يتيمَّمُ، ولا يمسحُ[(444)]؛ لأنه عجز عن غسل هذا العضو فسقط كسائر الواجبات، وهذا أضعفُ الأقوال أنه يسقط الغسلُ إلى غير تيمُّمٍ، ولا مسح، لأنَّ العضو موجود ليس بمفقود حتى يسقط فرضه، فإذا عجز عن تطهيره بالماء تطهر ببدله.
    ورُبَّما يعمُّه قوله تعالى: {{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}} [المائدة: 6] ، وهذا مريضٌ؛ لأن الكسر أو الجُرحَ نوعٌ من المرض فجاز فيه التيمُّمُ.
    وإذا قُلنا: لا بُدَّ من التيمُّم أو المسح، فإِن المسح أقرب إلى الطَّهارة بالماء، لأنه طهارة بالماء، وذاك طهارة بالتُّراب.
    وأيضاً: التيمُّم قد يكون في غير محلِّ الجبيرة؛ لأن التيمُّم في الوجه والكفَّين فقط، والجبيرة قد تكون ـ مثلاً ـ في الذِّراع أو السَّاق.
    فأقرب هذه الأقوال: جواز المسح عليها.
    وهل يُجمعُ بين المسحِ والتيمُّم؟
    قال بعض العلماء: يجبُ الجمعُ بينهما احتياطاً[(445)].
    والصَّحيح: أنَّه لا يجب الجمعُ بينهما؛ لأن القائلين بوجوب التيمُّم لا يقولون بوجوب المسح، والقائلين بوجوب المسح لا يقولون بوجوب التيمُّم؛ فالقول بوجوب الجمع بينهما خارج عن القولين.
    ولأن إيجاب طهارتين لعضو واحد مخالفٌ للقواعد الشرعيَّة؛ لأنَّنا نقول: يجب تطهير هذا العضو إما بكذا أو بكذا.
    أما إيجاب تطهيره بطهارتين فهذا لا نظير له في الشَّرع، ولا يُكلِّف الله عبداً بعبادتين سببُهما واحد.
    قال العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ: إن الجُرحَ ونحوَه إِما أن يكون مكشوفاً، أو مستوراً.
    فإِن كان مكشوفاً فالواجبُ غسلُه بالماء، فإِن تعذَّر فالمسحُ، فإِن تعذَّر المسحُ فالتيمُّمُ، وهذا على الترتيب.
    وإن كان مستوراً بما يسوغُ ستره به؛ فليس فيه إلا المسحُ فقط، فإِن أضره المسحُ مع كونه مستوراً، فيعدل إلى التيمُّم، كما لو كان مكشوفاً، هذا ما ذكره الفقهاء رحمهم الله في هذه المسألة.

    إِلى حَلِّهَا، ............
    قوله: «إِلى حَلِّها» ، بفتح الحاء أي: إِزالتها، وكسر الحاء لحنٌ فاحشٌ يغيِّر المعنى؛ لأنه بالكسر يكون المعنى إلى أن تكون حلالاً، وهذا يفسدُ المعنى، فيمسحُ على الجبيرة إِلى حَلِّها إِمَّا ببرء ما تحتها، وإِمَّا لسبب آخر.
    فإذا برئ الجرحُ وجب إِزالتها؛ لأن السببَ الذي جاز من أجله وضعُ الجبيرة والمسحُ عليها زال، وإِذا زال السبب انتفى المُسبَّب.

    إِذَا لَبِسَ ذلك بَعْدَ كَمَال الطهارةِ.
    قوله: «إِذا لَبِسَ ذلك» ، المشارُ إليه الأنواع الأربعة: الخُفُّ، والعِمامةُ، والخِمارُ، والجبيرةُ.
    قوله: «بعد كمال الطَّهارة» ، لم يقلْ: بعد الطَّهارة حتى لا يتجوَّز متجوِّزٌ، فيقول: بعد الطَّهارة، أي: بعد أكثرها.
    فلو أنَّ رَجُلاً عليه جنابةٌ وغسل رجليه، ولبس الخُفَّين، ثم أكمل الغسل لم يجزْ؛ لعدم اكتمال الطَّهارة.
    صحيحٌ أن الرِّجلين طهُرتا، لأن الغسل من الجنابة لا ترتيب فيه، لكن لم تكتمل الطهارة.
    ولو توضَّأ رَجُلٌ ثم غسل رِجْلَه اليُمنى، فأدخلها الخُفَّ، ثم غسل اليُسرى؛ فالمشهورُ من المذهب: عدمُ الجواز، لقوله: «إذا لَبِسَ ذلك بعد كمال الطَّهارة»، فهو لمَّا لبس الخُفَّ في الرِّجْلِ اليُمنى لبسها قبل اكتمال الطَّهارة لبقاء غسل اليُسرى، فلا بُدَّ من غسل اليُسرى قبل إِدخال اليُمنى الخُفَّ.
    ودليل هذا القول: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فإِنِّي أدخلتُهما طاهرتين»[(446)].
    فقوله: «طاهرتين» وصفٌ للقدمين، فهل المعنى أدخلتُ كلَّ واحدة وهما طاهرتان، فيكون أدخلهما بعد كمال الطهارة.
    أو أن المعنى: أدخلتُ كُلَّ واحدة طاهرة، فتجوز الصُّورة التي ذكرنا؟ هذا محتمل.
    واختار شيخ الإِسلام: أنه يجوز إِذا طَهَّر اليُمنى أن يلبسَ الخفَّ، ثم يطهِّر اليسرى، ثم يلبس الخُفَّ[(447)].
    وقال: إنه أدخلهما طاهرتين، فلم يُدخل اليُمنى إلا بعد أن طهَّرها، واليُسرى كذلك، فيصدقُ عليه أنه أدخلهما طاهرتين.
    وعلى المذهب: لو أن رجلاً فعل هذا، نقول له: اخلع اليمنى ثم البسها؛ لأنَّك إذا لبستها بعد خلعها لبستها بعد كمال الطَّهارة.
    ورُبَّما يُقال: هذا نوعٌ من العبث؛ إذ لا معنى لخلعها ثم لبسها مرَّةً أخرى؛ لأن هذا لم يؤثِّر شيئاً، ما دام أنه لا يجب إعادة تطهير الرِّجْل فقد حصل المقصودُ.
    ولكن روى أهلُ السُّنن أن النبي صلّى الله عليه وسلّم رَخَّصَ للمقيم إِذا توضَّأ فلبس خُفّيه أن يمسح يوماً وليلة[(448)].
    فقوله: «إِذا توضَّأ» قد يُرَجِّح المشهورَ من المذهب؛ لأن مَنْ لم يغسل الرِّجل اليسرى لم يصدق عليه أنه توضَّأ.
    وهذا ما دام هو الأحوط فسلوكه أَوْلى، ولكن لا نجسُر على رَجُلٍ غسلَ رِجْلَه اليمنى ثم أدخلها الخفَّ، ثم غسل اليسرى ثم أدخلها الخُفَّ أن نقولَ له: أعدْ صلاتك ووضوءك، لكن نأمر من لم يفعل ألا يفعل احتياطاً.
    وأما اشتراط كمال الطَّهارة في الجبيرة، فضعيفٌ لما يأتي:
    الأول: أنه لا دليل على ذلك، ولا يصحُّ قياسُها على الخُفَّين لوجود الفروق بينهما.
    الثاني: أنها تأتي مفاجأةً، وليست كالخُفِّ متى شئت لبسته.
    وعدم الاشتراط هو اختيار شيخ الإسلام[(449)]، ورواية قويَّة عن أحمد اختارها كثيرٌ من الأصحاب[(450)].
    ويكون هذا من الفروق بين الجبيرة والخُفِّ.
    ومن الفروق أيضاً بين الجبيرة وبقيَّة الممسوحات:
    1 ـ أن الجبيرة لا تختصُّ بعضوٍ معيَّن، والخُفُّ يختصُّ بالرِّجْلِ، والعِمَامة والخِمَار يختصَّانِ بالرَّأسِ.
    وبهذا نعرف خطأَ من أفتى أن المرأةَ يجوز لها وضع «المناكير» لمدَّة يوم وليلة؛ لأن المسح إِنما ورد فيما يُلبس على الرَّأس والرِّجْلِ فقط، ولهذا لما كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في تبوك عليه جُبَّةٌ شاميَّةٌ وأراد أن يُخرِجَ ذراعيْه من أكمامه ليتوضَّأ، فلم يستطعْ لضيق أكمامِه، فأخرج يده من تحت الجُبَّة، وأَلقَى الجُبَّةَ على منكبيه، حتى صبَّ عليه المغيرةُ رضي الله عنه[(451)]، ولو كان المسح جائزاً على غير القدم والرَّأس، لمسح النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في مثل هذا الحال على كُمَّيهِ.
    2 ـ أن المسحَ على الجبيرة جائزٌ في الحَدَثين، وباقي الممسوحات لا يجوز إلا في الحدث الأصغر.
    3 ـ أن المسح على الجبيرة غيرُ مؤقَّت، وباقي الممسوحات مؤقّتةٌ، وسبقَ الخلافُ في العِمَامة[(452)].
    4 ـ أنَّ الجبيرةَ لا تُشترطُ لها الطَّهارةُ ـ على القول الرَّاجح ـ وبقيَّةُ الممسوحات لا تُلبسُ إلا على طهارة، على خلاف بين أهلِ العلمِ في اشتراطِ الطهارة بالنسبة للعِمَامة والخِمارِ[(453)].

    وَمَنْ مسحَ في سَفَرٍ، ثُمَّ أقَامَ، أوْ عَكَسَ،...........
    قوله: «ومن مسحَ في سَفَر، ثم أقام» ، من مَسَحَ في سَفَرٍ ثم أقام، فإِنَّه يُتمُّ مسحَ مقيم إِن بقيَ من المدَّة شيءٌ، وإِن انتهت المدَّةُ خَلَعَ.
    مثاله: مسافرٌ أقبلَ على بلده وحان وقتُ الصَّلاة، فمسحَ ثم وصل إلى البلد، فإِنَّه يُتمُّ مسحَ مقيمٍ؛ لأن المسحَ ثلاثة أيَّام لمن كان مسافراً والآن انقطع السَّفرُ، فكما أنَّه لا يجوزُ له قَصْرُ الصَّلاة لمَّا وصلَ إلى بلده، فكذا لا يجوز له أن يتمَّ مَسْحَ مسافرٍ.
    فإن كان مضى على مسحه يومٌ وليلة، ثم وصلَ بلدَه فإِنه يخلعُ، وإِن مضى يومان خَلَعَ، وإن مضى يومٌ بقي له ليلة.
    قوله: «أو عَكَسَ» ، أي: مسح في إقامة ثم سافر، فإنه يتمَّ مسح مقيم تغليباً لجانب الحظر احتياطاً.
    مثاله: مسح يوماً وهو مقيم، ثم سافر، فإنه يبقى عليه ليلة، وما بعد الليلة اجتمع فيه مبيحٌ وحاظرٌ، فالسَّفَر يبيحه والحَضَر يمنعه، فيُغَلَّبُ جانبُ الحظر احتياطاً؛ لأنك إذا خلعت وغسلت قدميك فلا شُبهة في عبادتك، وإن مسحت ففي عبادتك شُبهة، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «دَعْ ما يَريْبُك إلى ما لا يَرِيبُك»[(454)].
    والرِّواية الثانية عن أحمد: أنه يُتِمُّ مسح مسافر؛ لأنَّه وُجِدَ السَّببُ الذي يستبيح به هذه المدَّة، قبل أن تنتهي مُدَّة الإِقامة، أما لو انتهت مُدَّةُ الإقامة كأن يتمَّ له يومٌ وليلة؛ ثم يسافر بعد ذلك قبل أن يمسح؛ ففي هذه الحال يجب عليه أن يخلعَ[(455)].
    وهذه الرِّواية قيل: إِن أحمد رحمه الله رجع إليها (455) ، وهذه رواية قويَّة.
    مسألة: إذا دخل عليه الوقت ثم سافر، هل يُصلِّي صلاة مسافر أو مقيم؟
    المذهب: يُصلِّي صلاة مقيم.
    والصَّحيح: أنه يُصلِّي صلاة مسافر.
    فهذه المسألة قريبة من هذه؛ لأنَّه الآن صَلَّى وهو مسافر، وقد قال الله تعالى: {{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ}} [النساء: 101] .
    كما أنه إذا دخل عليه الوقتُ وهو مسافر، ثم وصل بلده فإنه يُتمُّ.

    أوْ شَكَّ في ابْتِدائِهِ، فَمَسْحَ مُقِيْمٍ، وإِنْ أَحْدَثَ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ مَسْحِهِ فَمَسْحَ مُسَافِرٍ، ولا يَمْسَحُ قَلاَنِسَ،.........
    قوله: «أو شَكَّ في ابتدائه...» ، يعني هل مَسَحَ وهو مسافرٌ أو مسحَ وهو مقيمٌ؟ فإِنه يُتمُّ مسح مقيم احتياطاً، وهو المذهب.
    وبناءً على الرِّواية الثَّانية ـ في المسألة السَّابقة ـ يتمُّ مسح مسافر؛ لأنَّ هذه الرِّواية الثَّانية يُباح عليها أن يُتمَّ مسح مسافر، ولو تيقن أنه ابتدأ المسح مقيماً. والصَّحيح في هذه المسائل الثلاث: أنَّه إِذا مسح مسافراً ثم أقام فإنه يتمُّ مسح مقيم، وإذا مسح مقيماً ثم سافر أو شَكَّ في ابتداء مسحه فإِنه يُتمُّ مسح مسافر، ما لم تنته مُدَّة الحضر قبل سفره، فإِن انتهت فلا يمكن أن يمسح.
    قوله: «وإن أحْدَث ثم سافر قبل مَسْحه فَمَسْحَ مسافرٍ» ، أي: أحدث وهو مقيمٌ، ثم سافر قبل أن يمسحَ، فإِنَّه يمسحُ مسحَ مسافرٍ؛ لأنَّه لم يبتدئ المسحَ في الحضر، وإِنَّما كان ابتداء مسحه في السَّفر. وعلى هذا يتبيَّن لنا رُجحان القول الذي اخترناه من قبل: بأنَّ ابتداءَ مُدَّة المسحِ من المسح لا من الحَدَث، وَهُمْ هُنَا قد وافقوا على أنَّ الحُكم معلَّقٌ بالمسح لا بالحَدَث، ويُلزمُ الأصحاب ـ رحمهم الله ـ أن يقولوا بالقول الرَّاجح؛ أو يطردوا القاعدة، ويجعلوا الحكم منوطاً بالحَدَث، ويقولوا: إِذا أحدثَ ثم سافر، ومسحَ في السَّفر، فيلزمُه أن يمسحَ مسحَ مقيمٍ؛ وإِلا حصلَ التَّناقض.
    قوله: «ولا يَمْسَحُ قَلانس» ، القلانس جمع قَلَنْسُوَة، نوع من اللباس الذي يُوضع على الرَّأس، وهي عبارة عن طاقيَّة كبيرة، فمثل هذا النوع لا يجوزُ المسحَ عليه؛ لأن الأصلَ وجوبُ مسح الرَّأس لقوله تعالى: {{وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ}} [المائدة: 6] .
    وعَدَل عن الأصل في العِمَامة، لورود النَّصِّ بها.
    وقال بعض الأصحاب: يمسحُ على القَلانس، إِذا كانت مثل العِمَامة يشقُّ نزعُها[(456)]، أمَّا ما لا يشقُّ نزعُه كالطاقيَّة المعروفة فلا يمسح عليها. ففرَّق بين ما يشقُّ نزعه وما لا يشقُّ.
    وهذا القول قويٌّ، لأنَّ الشَّارع لا يفرِّق بين متماثلين كما أنه لا يجمع بين متفرقين[(457)]؛ لأن الشَّرع من حكيمٍ عليم، والعِبْرة في الأمور بمعانيها، لا بصورها.
    وما دام أن الشَّرع قد أجاز المسحَ على العِمَامة، فكلُّ ما كان مثلها في مشقَّة النَّزع فإِنه يُعطى حكمَها.

    ولاَ لِفَافَةَ، ............
    قوله: «ولا لِفَافة» ، أي: في القَدَم، فلا يمسح الإِنسان لِفافة لفَّها على قدمه؛ لأنَّها ليست بخُفٍّ فلا يشملُها حكمُه.
    وكان النَّاس في زمنٍ مضى في فاقةٍ وإعواز، لا يجدون خُفًّا، فيأخذ الإِنسانُ خِرقة ويلفُها على رجله ثم يربطُها.
    وعلَّة عدم الجواز أنَّ الأصلَ وجوبُ غسل القدم، وخولِفَ هذا الأصل في الخُفِّ لورود النَّصِّ به، فيبقى ما عداه على الأصل.
    واختار شيخ الإسلام رحمه الله جوازَ المسح على اللِّفافةِ[(458)]، وهو الصَّحيحُ؛ لأن اللِّفَافة يُعذَرُ فيها صاحبُها أكثر من الخُفِّ؛ لأنَّ خلعَ الخُفِّ ثم غسل الرِّجْل، ثم لبْسَ الخُفِّ أسهل من الذي يَحُلُّ هذه اللِّفافة ثم يعيدها مرَّة أخرى، فإِذا كان الشَّرع أباح المسح على الخُفِّ، فاللِّفافة من باب أولى.
    وأيضاً: فإِن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أمر السَّريَّة التي بعثها بأن يمسحوا على العصائب والتَّساخين[(459)].
    فنأخذ من كلمة «التَّساخين» جواز المسح على اللِّفافة؛ لأنَّه يحصُل بها التَّسخين.
    والغرض الذي من أجله تُلبس الخِفَاف موجودٌ في لبس اللِّفافة.

    ولا مَا يَسْقُطُ مِنَ القَدَمِ،.........
    قوله: «ولا ما لا يسقط من القَدَم» ، يعني: ولا يمسح ما يسقط من القَدَم، وهذا بناءً على أنه يُشترط لجواز المسح على الخُفِّ ثبوتُه بنفسه، أو بنعلين إلى خلعهما؛ لأن ما لا يثبت خُفٌّ غيرُ معتاد؛ فلا يشمله النصُّ، والنَّاس لا يلبسون خِفافاً تسقط عند المشي، ولا فائدة في مثل هذا، وهذا ظاهرٌ فيمن يمشي فإِنَّه لا يلبسه.
    لكن لو فُرض أن مريضاً مُقْعَداً لَبِسَ مثل هذا الخُفِّ للتدفئة، فلا يجوز له المسح على كلام المؤلِّف.
    ولأنَّ الذي يسقط من القَدَم سيكون واسعاً، وإخراج الرِّجْلِ من هذا الخُفِّ سهلٌ، فيخرجها ثم يغسلها، ثم ينشِّفها ثم يردُّها.

    أو يُرَى منه بَعْضُهُ، فإِن لَبِسَ خُفًّا على خُفٍّ قَبْلَ الحدثِ فالحكمُ للفوقاني............
    قوله: «أو يُرى منه بعضُه» ، أي: إِذا كان الخُفُّ يُرى منه بعضُ القَدَم فإِنه لا يُمسح ولو كان قليلاً، وهذا مبنيٌّ على ما سبق من اشتراط أن يكون الخُفُّ ساتراً للمفروض.
    وسواء كان يُرى من وراء حائل؛ مثل أن يكون خفيفاً؛ أو من البلاستيك، أم من غير حائل. فلو فُرِضَ أن في الخُفِّ خَرقاً قَدْرَ سَمِّ الخِيَاطِ، أو كان جزء منه عليه بلاستيك يُرى من ورائه القَدَم؛ فالمذهب أنَّه لا يجوز المسح عليه.
    وسبق بيان أن الصَّحيح جواز ذلك[(460)].
    قوله: «فإِن لَبِسَ خُفًّا على خُفٍّ قبل الحَدَث فالحُكم للفوقاني» ، وهذا يقع كثيراً كالشُّراب والكنادر، فهذا خُفٌّ على جَورب.
    ولا يجوز المسح عليهما إِن كانا مَخْرُوقين على المذهب، ولو سَتَرَا؛ لأنَّه لو انفرد كلُّ واحد منهما لم يجز المسح عليه، فلا يمسح عليهما.
    مثاله: لو لَبِسَ خُفَّين أحدُهما مخروق من فوق، والآخر مخروق من أسفل، فالسَّتر الآن حاصل، لكن لو انفرد كلُّ واحد لم يجز المسحُ عليه فلا يجوز المسح عليهما.
    ولو كانا سليمين جاز المسحُ عليهما، لأنَّه لو انفرد كلُّ واحد منهما جاز المسح عليه.
    والصَّحيح: جواز المسح عليهما مطلقاً، بناءً على أنه لا يُشترط سترُ محلِّ الفرض ما دام اسم الخُفِّ باقياً.
    وإِذا لَبِسَ خُفًّا على خُفٍّ على وجه يصحُّ معه المسحُ، فإِن كان قبل الحدث فالحكم للفوقاني، وإن كان بعد الحدث فالحكم للتحتاني، فلو لَبِسَ خفًّا ثم أحدث، ثم لبس خُفًّا آخر فالحكم للتحتاني، فلا يجوزُ أن يمسح على الأعلى.
    فإِن لَبِسَ الأعلى بعد أن أحدث، ومسح الأسفل فالحكم للأسفل، كما لو لبس خُفًّا ثم أحدث، ثم مسح عليه، ثم لبس خفًّا آخر فوق الأوَّل وهو على طهارةِ مَسْحٍ عند لبسه للثاني، فالمذهب أنَّ الحكم للتَّحتاني؛ لأنَّه لبس الثاني بعد الحَدَث.
    وقال بعض العلماء: إِذا لبس الثَّاني على طهارة؛ جاز له أن يمسح عليه[(461)]؛ لأنه يصدق عليه أنه أدخل رجليه طاهرتين، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «فإني أدخلتهما طاهرتين»[(462)]، وهو شامل لطهارتهما بالغسل والمسح، وهذا قول قويٌّ كما ترى. ويؤيِّدُه: أنَّ الأصحاب ـ رحمهم الله ـ نَصُّوا على أن المسح على الخُفَّين رافع للحدث، فيكون قد لَبِسَ الثَّاني على طهارة تامَّة، فلماذا لا يمسح؟[(463)].
    أما لو لَبِسَ الثَّاني وهو محدثٌ فإِنه لا يمسحُ؛ لأنه لبسه على غير طهارة.
    وقوله: «فالحكم للفوقاني» هذا لبيان الجواز فإِنه يجوز أن يمسحَ على التَّحتاني حتى ولو كان الحكم للفوقاني.
    وإِذا كان في الحال التي يمسح فيها الأعلى؛ فَخَلَعه بعد مسحه؛ فإِنه لا يمسح التَّحتاني، هذا هو المذهب.
    والقول الثَّاني: يجوز جعلاً للخُفَّين كالظِّهارة والبِطَانة[(464)]، وذلك فيما لو كان هناك خُفٌّ مكوَّنٌ من طبقتين العُليا تُسمَّى الظِّهارة والسُّفلى تُسمَّى البِطَانة، فلو فرضنا في مثل هذا الخُفِّ أنه تمزَّق من الظِّهارة بعد المسح عليه، وهو الوجه الأعلى فإِنه يمسح على البِطَانة، وهي الوجه الأسفل حتى على المذهب[(465)].
    فالذين يقولون بجواز المسح على الخُفِّ الأسفل بعد خلع الخُفِّ الأعلى بعد الحدث قالوا: إِنما هو بمنزلة الظِّهارة والبطانة، فهو بمنزلة الخُفِّ الواحد. وهذا القول أيسر للنَّاس؛ لأن كثيراً من الناس يلبس الخُفَّين على الجورب ويمسح عليهما، فإِذا أراد النوم خلعهما، فعلى المذهب لا يمسح على الجورب بعد خلع الخُفَّين؛ لأنَّ زمن المسح ينتهي بخلع الممسوح. وعلى القول الثَّاني: يجوز له أن يمسحَ على الجورب، فإذا مسح ولبس خُفَّيه جاز له أن يمسح عليه مرَّة ثانية؛ لأنه لبسهما على طهارة، ولا شَكَّ أنَّ هذا أيسر للنَّاس؛ والفتوى به حسنة، ولا سيَّما إِذا كان قد صدر من المستفتي ما قبل ذلك فيُفتى بما هو أحوط.

    ويَمْسَح أكثَرَ العِمَامة، وظاهِرِ قَدَم الخُفِّ ..........
    قوله: «ويمسحُ أكثرَ العِمَامة» ، هذا بيان لوضع المسح وكيفيته في الممسوحات، ففي العِمَامة لا بُدَّ أن يكون المسح شاملاً لأكثر العِمَامة، فلو مسح جُزءاً منها لم يصحَّ، وإن مسح الكُلَّ فلا حرج، ويستحبُّ إِذا كانت النَّاصيةُ بادية أن يمسحها مع العِمَامة.
    قوله: «وظاهر قَدَم الخُفِّ» ، هذا بيان لمسح الخُفَّين.
    وقوله: «ظاهر» بالجرِّ يعني: ويمسحُ أكثر ظاهر القدم؛ لأن المسح مختصٌّ بالظَّاهر لحديث المغيرة بن شعبة[(466)]: «مسح خفيه» فإِنَّ ظاهره أن المسحَ لأعلى الخُفِّ.
    ولحديث عليٍّ رضي الله عنه قال: «لو كان الدِّين بالرَّأي، لكان أسفلُ الخُفِّ أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يمسح أعلى الخُفِّ»[(467)]. وهذا الحديث وإِنْ كان فيه نَظَرٌ؛ لكن حسَّنه بعضهم.
    وفي قوله: «لو كان الدِّين بالرَّأي» إِشكال، فإِن الرَّأي هو العقل.
    وهل الدِّين مخالفٌ للعقل؟ الجواب: لا، ولكن مرادُ عليٍّ رضي الله عنه ـ إِن صحَّ نسبته إليه ـ هو باديَ الرَّأي كما قال تعالى: {{وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ}} [هود: 27] ، أي: في ظاهر الأمر.
    لأنه عند التَّأمُّل نجد أن مسح أعلى الخُفِّ هو الأَولى، وهو الذي يدلُّ عليه العقل، لأنَّ هذا المسح لا يُراد به التَّنظيف والتنقيةُ، وإنما يُرادُ به التعبُّد، ولو أنَّنا مسحنا أسفلَ الخُفِّ لكان في ذلك تلويثٌ له.

    مِنْ أَصابِعِه إلى ساقِه دون أسْفَلِهِ، وعَقِبِه، وعَلَى جَمِيعِ الجَبِيْرَة............
    قوله: «من أصابعه إِلى ساقه» ، بيَّن المؤلِّفُ كيفيَّة المسح: بأن يبتدئ من أصابعه أي أصابع رجله إلى ساقه، وقد وردت آثارٌ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه أنه يمسح بأصابعه مفرَّقة حتى يُرى فوق ظهر الخُفِّ خُطوطٌ كالأصابع[(468)].
    قوله: «دون أسفله وعقبه» ، لأنهما ليسا من أعلى القدم، والمسح إِنما ورد في الأعلى كما سبق في حديث المغيرة، فإِنَّ له روايات[(469)] تدلُّ على ما دلَّ عليه حديثُ علي رضي الله عنه.
    وإذا كان الخُفُّ أكبر من القدم، فهل يمسحُ من طرف الخُفِّ أو طرف الأصابع؟
    إِن نظرنا إلى الظَّاهر؛ فإِنَّه إِن مسح على خُفَّيه مسح من طرف الخُفِّ إلى ساقه؛ بقطع النَّظر عن كون الرِّجْل فيه صغيرة أو كبيرة، وإِن نظرنا إلى المعنى قلنا: الخُفُّ هنا زائدٌ عن الحاجة والزَّائدُ لا حُكم له، ويكونُ الحكم مما يُحاذي الأصابع، والعمل بالظَّاهر هو الأحوط.
    تـنـبـيـه: لم يبيِّن المؤلِّفُ رحمه الله هل يمسح على الخُفَّين معاً أو يبدأ باليُمنى؛ فقيل: يمسح عليهما معاً لظاهر حديث المغيرة. وقيل: يبدأ باليُمنى؛ لأن المسح بدلٌ عن الغسل، والبَدلُ له حكم المبدلُ. وهذا فيما إِذا كان يمكنه أن يمسحَ بيديه جميعاً، أما إذا كان لا يمكنه، مثلَ أن تكون إحدى يديه مقطوعة أو مشلولة فإِنه يبدأ باليمنى.
    قوله: «وعلى جميع الجبيرة» ، أي: يمسح على جميع الجبيرة؛ لأن ظاهرَ حديث صاحب الشُّجَّة وهو قوله: «ويمسح عليها»[(470)] شامل لكلِّ الجبيرة من كلِّ جانب.
    ولو غسل الممسوح بدل المسح: فقال بعض أهل العلم: لا يجزئ[(471)] لأنَّه خلاف ما جاء به الشَّرع، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ»[(472)]، ثم إِننا بالغسل نقلب الرُّخصة إِلى مشقَّة. وقال بعض العلماء: يجزئ الغسل[(473)]؛ لأنَّه أكمل في الإِنقاء، وإِنما عدل إلى المسح تخفيفاً.
    وتوسَّط بعضُهم فقال: يجزئ الغسلُ إِن أَمَرَّ يده عليها[(474)]؛ لأنَّ إِمرار اليد جعل الغسل مسحاً، وهذا أحوطُ؛ لكن الاقتصار على المسح أفضل وأَوْلى.

    ومَتَى ظَهَرَ بعضُ مَحلِّ الفَرْضِ بَعْدَ الحدثِ،...........
    قوله: «ومتى ظهر بعضُ محلِّ الفرض بعد الحدث» ، فَرْضُ الرِّجْلِ أن تُغسَلَ إِلى الكعبين، فإِذا ظهر من القدم بعضُ محلِّ الفرض كالكعب مثلاً، وكذا لو أن الجورب تمزَّق وظهر طرفُ الإبهام، أو بعض العَقِب، أو أن العِمَامة ارتفعت عمّا جرت به العادة فإِنه يلزمه أن يستأنفَ الطَّهارة، ويغسل رِجليْه، ويمسحَ على رأسه.
    وهذا بالنسبة للعِمَامة مبنيٌّ على اشتراط الطَّهارة للبسها. وعلى القول بعدم اشتراط الطَّهارة بالنسبة للعمامة (474) فإِنه يعيد لفَّها ولا يستأنف الطَّهارة.
    وبالنسبة للخُفَّين ونحوهما مبنيٌّ على أنَّ ما ظَهَرَ؛ فرضُه الغسلُ، وإِذا كان فرضه الغسلُ فإن الغسلَ لا يُجامِعُ المسحَ، فلا بُدَّ من استئنافِ الطَّهارة؛ وغسل القدمين، ثم يلبسُ بعد ذلك.
    وقول المؤلِّف رحمه الله: «بعد الحدث»، يُفهم منه أنه لو ظهر بعضُ محلِّ الفرض، أو كلُّه قبل الحدث الأوَّل فإِنه لا يضرُّ.
    كما لو لبس خُفَّيه لصلاة الصُّبح، وبقي على طهارته إِلى قُرب الظُّهر، وفي الضُّحى خلع خُفَّيه، ثم لبسهما وهو على طهارته الأولى فإِنه لا يستأنف الطَّهارة.
    مسألة: إذا خلع الخُفين ونحوهما هل يلزمُه استئناف الطَّهارة؟ اختُلِفَ في هذه المسألة على أربعة أقوال[(475)]:
    القول الأول: ما ذهب إليه المؤلِّفُ رحمه الله أنه يلزمه استئناف الطَّهارة، حتى ولو كان ظهورها بعد الوُضُوء بقليل وقبل جفاف الأعضاء، فإِنه يجبُ عليه الوُضُوء، والعِلَّة: أنَّه لمَّا زال الممسوحُ بطلت الطَّهارة في موضعه، والطَّهارةُ لا تتبعّضُ، فإِذا بطلت في عضوٍ من الأعضاء بطلت في الجميع، وهذا هو المذهب.
    القول الثاني: أنه إِذا خلع قبل أن تَجِفَّ الأعضاء أجزأه أن يغسل قدميه فقط، لأنَّه لمَّا بطلت الطَّهارةُ في الرِّجْلَين؛ والأعضاء لم تنشَفْ، فِإنَّ الموالاة لم تَفُتْ، وحينئذٍ يبني على الوُضُوء الأوَّل فيغسل قدميه.
    القول الثالث: أن يلزمه أن يغسلَ قدميه فقط، ولو جفَّت الأعضاءُ قبل ذلك، وهذا مبنيٌّ على عدم اشتراط الموالاة في الوُضُوء.
    القولُ الرَّابعُ: ـ وهو اختيار شيخ الإسلام[(476)] ـ أن الطَّهارة لا تبطل سواء فاتت الموالاة أم لم تَفُتْ، حتى يوجد ناقضٌ من نواقض الوُضُوء المعروفة، لكن لا يعيده في هذه الحال ليستأنف المسح عليه؛ لأنَّه لو قيل بذلك لم يكن لتوقيت المسح فائدة؛ إِذ كلُّ مَنْ أراد استمرار المسح خلع الخُفَّ، ثم لَبسه، ثم استأنف المدَّة.
    وحجته: أن هذه الطهارة ثبتت بمقتضى دليل شرعيٍّ، وما ثبت بمقتضى دليل شرعيٍّ، فإِنه لا ينتقض إلا بدليل شرعيٍّ، وإِلا فالأصل بقاء الطَّهارة، وهذا القول هو الصَّحيحُ، ويؤيِّده من القياس: أنَّه لو كان على رَجُلٍ شَعْرٌ كثيرٌ، ثم مسح على شعره؛ بحيث لا يصل إلى باطن رأسه شيء من البلل، ثم حلق شعره بعد الوُضُوء فطهارتُه لا تنتقض.
    فإن قيل: إن المسح على الرَّأس أصلٌ، والمسحُ على الخُفِّ فرعٌ، فكيف يُساوى بين الأصل والفرع.
    فالجواب: أن المسحَ ما دام تعلَّق بشيء قد زال، وقد اتفقنا على ذلك، فكونه أصليًّا، أو فرعيًّا غير مؤثِّر في الحكم.

    أوْ تَمَّتْ مُدَّتُهُ اسْتَأْنَفَ الطَّهارة.
    قوله: «أو تمَّت مدَّتُه استأنف الطَّهارة» ، يعني إِذا تَمَّت المدَّة، ولو كان على طهارة، فإنه يجب عليه إِذا أراد أن يُصلِّيَ ـ مثلاً ـ أن يستأنفَ الطَّهارة.
    مثاله: إِذا مَسَحَ يوم الثلاثاء الساعة الثانية عشرة، فإِذا صارت الساعة الثانية عشرة من يوم الأربعاء انتهت المدَّة فبطل الوُضُوء، فعليه أن يستأنفَ الطَّهارة، فيتوضَّأ وُضُوءاً كاملاً. هكذا قرَّر المؤلِّفُ رحمه الله.
    ولا دليل على ذلك من كتاب الله تعالى، ولا من سُنَّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم ولا من إجماع أهل العلم.
    والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وقّتَ مدَّة المسح، ليُعرَفَ بذلك انتهاء مدَّة المسح، لا انتهاء الطَّهارة. فالصَّحيحُ أنَّه إِذا تَمَّت المدَّةُ، والإِنسان على طهارة، فلا تبطل، لأنها ثبتت بمقتضى دليل شرعيٍّ، وما ثبت بمقتضى دليل شرعيٍّ، فلا ينتقض إِلا بدليل شرعيٍّ آخر، ولا دليل على ذلك في هذه المسألة، والأصلُ بقاء الطَّهارة، وهذا اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى[(477)].
    فإن قيل: ألا توجبون عليه الوُضُوء احتياطاً؟
    قلنا: الاحتياط بابٌ واسعٌ، ولكن ما هو الاحتياط؟ هل هو بلزوم الأيسر؟ أو بلزوم الأشدِّ؟ أو بلزوم ما اقتضته الشَّريعة؟ الأخير هو الاحتياط.
    فإِذا شككنا هل اقتضته الشَّريعةُ أم لا؟ اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ: فقال بعضهم: نسلك الأيسرَ[(478)]؛ لأن الأصلَ براءة الذِّمَّة؛ ولأنَّ الدينَ مبنيٌّ على اليُسر والسُّهولة.
    وقال آخرون: نسلك الأشدَّ (478) ؛ لأنه أحوط، وأبعد عن الشُّبهة.
    ولكن في مسألة نقض الوُضُوء عندنا أصل أصَّله النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، وهو قوله في الرَّجُل يُخيَّل إِليه أنَّه يجدُ الشَّيء في بطنه في الصَّلاة، فقال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً»[(479)].
    فلم يوجب النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم الوُضُوء إلا على من تيقَّن سبب وجوبه، ولا فرق بين كون سبب الوجوب مشكوكاً فيه من حيث الواقعُ كما في الحديث، أو من حيث الحكمُ الشَّرعي، فإِن كُلاًّ فيه شَكٌّ، هذا شكٌّ في الواقع هل حصل النَّاقض أم لم يحصُل، وهذا شكٌّ في الحكم؛ هل يوجبه الشَّرع أم لا؟.
    فالحديث: دَلَّ على أن الوُضُوء لا ينتقض إلا باليقين، وهنا لا يقين.
    وعلى هذا؛ فالرَّاجح ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا تنتقض الطَّهارة بانتهاء المدَّة، لعدم الدَّليل.
    وأيُّ إِنسان أتى بدليل فيجب علينا أن نتَّبع الدَّليل، وإذا لم يكن هناك دليلٌ فلا يسوغ أن نُلزم عباد الله بما لم يلزمهم الله به، لأنَّ أهل العلم مسؤولون أمام الله، ومؤتمنون على الشَّريعة؛ ولهذا جاء في الحديث: «أنهم ورثة الأنبياء»[(480)].
    وكذلك ـ على المذهب ـ لو برئ ما تحت الجبيرة، لزمه أن يستأنف الطَّهارة إِذا كانت في أعضاء الوُضُوء.
    وإِذا كانت في أعضاء الغسل، كما لو اغتسل من جنابة ومسح عليها لزمه أن يغسل ما تحتها، ولا يلزمه الغسل كاملاً، لأن الموالاة على المذهب لا تُشترط في الغسل.
    وكذلك لو انحلَّت الجبيرةُ استأنفَ الطَّهارةَ في الوُضُوءِ إِذا كانت في أحد أعضاء الوُضُوء.
    والصَّحيح كما سبق: أنه لا تبطل الطَّهارة لبرء ما تحتها، أو انتقاضها، ويعيد شدَّها في الحال، أو متى شاء؛ لأن الجبيرة ـ على القول الرَّاجح ـ لا يُشترط لوضعها الطَّهارةُ كما سبق[(481)].

    ------------------------------------

    [406] رواه أحمد (5/277)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب المسح على العمامة، رقم (146)، والحاكم (1/169)، عن راشد بن سعد عن ثوبان قال: «بعث رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم سريةً، فأصابهم البردُ، فلما قَدِموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمرَهم أن يمسحوا على العصائب والتَّسَاخين»، قال أحمد: «لا ينبغي أن يكونَ راشدٌ سمع من ثوبان، لأنه مات قديماً». تعقَّبه ابنُ عبد الهادي والزيلعيُّ بما نصُّه: «وفي هذا القول نظر، فإِنهم قالوا: إن راشداً شهد مع معاوية صفين، وثوبان مات سنة أربع وخمسين، ومات راشد سنة ثمان ومائة، ووثَّقه ابنُ معين وأبو حاتم...». انظر: «المحرَّر» لابن عبد الهادي (1/113) رقم (71)، «نصب الراية» (1/165). أضف إِلى ذلك أن ثوبان وراشداً حمصيّان. والحديث صحَّحه الحاكم؛ ووافقه الذهبي. وقال الذهبي في «السِّير» (4/491): «إسناده قويٌ».
    [407] انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (2/551، 555).
    [408] انظر: «المغني» (1/360)، «نصب الراية» (1/162).
    [409] انظر: «الإقناع» (1/563).
    [410] انظر: «مجموع الفتاوى» (14/136، 139).
    [411] رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب التوقيت في المسح على الخفين، رقم (276).
    [412] رواه البخاري، كتاب البيوع: باب من باع نخلاً قد أبِّرت، رقم (2204)، ومسلم، كتاب البيوع: باب مَنْ باع نخلاً عليها ثمر، رقم (1543)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
    [413] انظر: «كشاف القناع» (1/279).
    [414] انظر: «الإنصاف» (1/400).
    [415] رواه أحمد (5/213) ـ واللفظ له ـ وأبو داود، كتاب الطهارة: باب التوقيت في المسح، رقم (157)، والترمذي، كتاب الطهارة: باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم، رقم (95)، وابن حبان رقم (1329) (1330)، والطبراني (4/ رقم 3764) عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت به مرفوعاً.
    قال البخاري: «لا يصح عندي؛ لأنه لا يُعرف لأبي عبد الله الجدلي سماع من خزيمة بن ثابت». «العلل الكبير» (1/173).
    وهذا من البخاري بناءً على اشتراطه ثبوت السماع بين الراوي وشيخه.
    وإلا فإن الحديث قد صححه جمع من الأئمة منهم: ابن معين، والترمذي، وابن حبان، وابن القيم وغيرهم.
    انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (1/22)، عون المعبود (1/264)، «جامع التحصيل» ص(231).
    وانظر: حديث أبي بكرة ص(249).
    [416] انظر: «الإنصاف» (1/404).
    [417] انظر: ص(85).
    [418] رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان، رقم (206)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب المسح على الخفين، رقم (274) من حديث المغيرة بن شعبة.
    [419] رواه أبو داود، كتاب الطهارة: باب المسح على الخفين، رقم (151). بإسناد حسن عن المغيرة مرفوعاً: «... فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان». وبوّب به البخاري، انظر الحديث السَّابق.
    وروى ابن حبان رقم (1324) بسندٍ حسن عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «... إِذا تطهَّرَ ولبس خفيه فليمسحْ عليهما». وصَحَّحه ابنُ خزيمة رقم (192).
    [420] رواه أبو داود، كتاب الصَّلاة: باب الإِسبال في الصَّلاة، رقم (638)، والبيهقي (2/241) عن أبان العطار، عن أبي جعفر [المدني]، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يقبل الله صلاة رجلٍ مسبل إِزاره». قال النووي: «على شرط مسلم»! «الخلاصة» رقم (983). قلت: بل إِسناده ضعيف؛ فيه ثلاث علل:
    1- أبو جعفر هذا هو المدني: مجهول، كما قال ابن القطان، والذهبي، وابن حجر، وغيرهم. انظر: «تهذيب التهذيب» (12/55).
    2- أبان العطَّار قد خُولف في إسناده؛ كما قال البيهقي، ولبيان ذلك انظر «السنن الكبرى» للبيهقي (2/242).
    3- في إسناده اختلاف. أفاده الحافظ ابن حجر. انظر: «السنن الكبرى» للنسائي (5/488) رقم (9703)، «النكت الظراف» مع «التحفة» (10/279)، «أطراف المسند» (8/309).
    [421] انظر: «المجموع شرح المهذب» (1/503).
    [422] انظر: «الإنصاف» (1/405).
    [423] انظر: «مجموع الفتاوى» (21/173، 212)، «الاختيارات» ص(13).
    [424] تقدم تخريجه ص(222).
    [425] تقدم تخريجه ص(222).
    [426] رواه أبو داود، كتاب الطَّهارة: باب المسح على الخفين، رقم (153)، والطبراني (1/رقم 1100، 1101)، والحاكم (1/170) وصحَّحه عن شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن أبي عبد الله مولى بني تيم بن مرة، عن أبي عبد الرحمن، عن بلال به مرفوعاً. وهذا إسناد ضعيف.
    ـ أبو عبد الله، وأبو عبد الرحمن كلاهما مجهول لا يُعرف.
    ـ شُعبة قد خولف في إسناده. خالفه ابن جريج فرواه عن أبي بكر بن حفص، عن أبي عبد الرحمن، عن أبي عبد الله به. فيما رواه عبد الرزاق رقم (734).
    وانظر: «العلل» للدارقطني (7/176) رقم (1283)، «تهذيب الكمال» (34/32، 43)، «تهذيب التهذيب» (12/155).
    ورواه أحمد (6/15)، والطبراني (1/رقم 1112)، وابن خزيمة رقم (189) عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي إدريس الخولاني، عن بلال به مرفوعاً. وهذا إسناد جيد في الظاهر؛ إلا أنه معلول، لأنه قد رواه جماعة عن أيوب فلم يذكروا أبا إدريس الخولاني، وخالفهم حماد فذكره. واختُلف فيه على أوجه أخرى.
    انظر: «العلل الكبير» للترمذي (1/177)، «العلل» لابن أبي حاتم (1/39) رقم (82)، «مسند البزار» رقم (1378)، «العلل» للدارقطني (7/182) رقم (1285).
    [427] رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب المسح على الناصية والعمامة، رقم (274).
    [428] رواه مسلم، الكتاب والباب السابقين، رقم (275) عن بلال بن رباح رضي الله عنه.
    [429] روى أحمد (6/11 ـ 12 ـ 13) من حديث بلال بلفظ: «فيمسح على العمامة والخفين».
    [430] رواه البخاري، كتاب اللباس: باب المتشبهون بالنساء والمتشبهات بالرجال، رقم (5885) من حديث ابن عباس.
    [431] انظر: «مجموع الفتاوى» (21/186، 187)، «الاختيارات» ص(14).
    [432] تقدم تخريجه، ص(236).
    [433] انظر: «الإنصاف» (1/387).
    [434] روى ابن أبي شيبة، كتاب الطهارات: في المرأة تمسح على خمارها، رقم (249) بإِسناد حسن عن الحسن البصري عن أم سلمة أنها كانت تمسح على الخمار.
    قال علي بن المديني: رأى الحسن أم سلمة ولم يسمع منها. «جامع التحصيل» ص(163).
    [435] رواه البخاري، كتاب الحج: باب من أهلَّ ملبِّداً، رقم (1540)، ومسلم، كتاب الحج: باب التلبية وصفتها، رقم [21 ـ (1184)] من حديث ابن عمر.
    [436] تقدم تخريجه، ص(209).
    [437] انظر: «نيل الأوطار» (1/205، 206).
    [438] انظر: «المحلى» (2/65).
    [439] رواه أحمد (4/239، 240)، والنسائي، كتاب الطهارة: باب الوضوء من الغائط والبول، وباب الوضوء من الغائط، (1/98) رقم (158، 159)، والترمذي، كتاب الطهارة: باب ما جاء في المسح على الخفين للمسافر رقم (96)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب الوضوء من النوم، رقم (478).
    والحديث صحّحه: الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والنَّووي، وابن حجر.
    انظر: «المحرر» رقم (67)، «الخلاصة» رقم (245)، «الفتح» شرح حديث رقم (206).
    [440] انظر: «الإنصاف» (1/426).
    [441] رواه أبو داود، كتاب الطهارة: باب في المجروح يتيمَّم، رقم (336)، والدارقطني (1/189) رقم (719)، والبيهقي (1/227).
    وصحّحه ابن السكن، وقال ابن الملقن: «رجاله ثقات»!
    قال أبو بكر بن أبي داود: «لم يروه عن عطاء عن جابر غير الزبير بن خُريق، وليس بالقوي». قال البيهقي: «ليس هذا الحديث بالقوي».
    قال عبد الحق الإِشبيلي: «لا يُروى الحديث من وجه قوي». وكذلك ضعفه النووي.
    وقال ابن حجر: «رواه أبو داود بسندٍ فيه ضعف، وفيه اختلاف على رواته».
    انظر: «الأحكام الوسطى» (1/223)، «الخلاصة» رقم (580)، «التلخيص الحبير» رقم (210)، «البلوغ» رقم (136).
    [442] انظر : «المحلى» (2/74).
    [443] انظر: «نيل الأوطار» (1/324).
    [444] انظر: «المحلَّى» (2/74، 75).
    [445] انظر: «الإنصاف» (1/425).
    [446] تقدَّم تخريجه، ص(229).
    [447] انظر: «مجموع الفتاوى» (21/209، 210)، «الاختيارات» ص(14).
    [448] رواه ابن ماجه، كتاب الطهارة: باب ما جاء في التوقيت في المسح للمقيم والمسافر، رقم (556)، وابن خزيمة رقم (192)، وابن حبان رقم (1324) وغيرهم، عن أبي بكرة.
    والحديثُ صَحَّحه: الشافعي، وابن خزيمة، وابن حبان، والخطّابي، والنووي وغيرُهم، وحَسَّنه البخاري.
    انظر: «الخلاصة» رقم (247)، «التلخيص الحبير» رقم (216).
    [449] انظر : «مجموع الفتاوى» (21/179)، «الاختيارات» ص(15).
    [450] انظر: «الإِنصاف» (1/387، 388).
    [451] تقدم تخريجه، ص(229) من حديث المغيرة بن شعبة.
    [452] انظر: ص(241).
    [453] انظر: «الإنصاف» (1/387، 388).
    [454] تقدم تخريجه، ص(32).
    [455] انظر: «الإنصاف» (1/302، 403).
    [456] انظر: «الإنصاف» (1/385، 386).
    [457] وقال شيخنا رحمه الله في «مجموع الفتاوى» (11/170): «وأما ما يلبس في أيام الشتاء من القبع الشامل للرأس والأذنين، والذي قد يكون في أسفله لفة على الرقبة، فإِن هذا مثل العمامة لمشقة نزعه فيمسح عليه».
    [458] انظر: «مجموع الفتاوى» (21/185)، «الاختيارات» ص(13).
    [459] تقدم تخريجه، ص(222).
    [460] انظر: ص(232، 233).
    [461] انظر: «المجموع شرح المهذب» (1/507).
    [462] تقدم تخريجه، ص(229).
    [463] وقال شيخُنا رحمه الله في «مجموع الفتاوى» (11/176): «... وعلى هذا فلو توضأ ومسح على الجوارب، ثم لبس عليها جوارب أخرى أو «كنادر» ومسح العليا فلا بأس به على القول الراجح، ما دامت المدَّة باقية لكن تُحسب المدةُ من المسح على الأول لا من المسح على الثاني».
    [464] انظر: «الإِنصاف» (1/434).
    [465] انظر: «الإنصاف» (1/412).
    [466] تقدم تخريجه ص(229).
    [467] رواه أحمد (1/114)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب كيف المسح، رقم (162)، وأبو يعلى رقم (346) وغيرهم.
    قال ابن حجر: «إسناده صحيح».
    انظر: «التلخيص» رقم (219)، «بلوغ المرام» رقم (60).
    [468] رواه ابن ماجه، كتاب الطهارة، باب في مسح أعلى الخف وأسفله، رقم (551)، والطبراني في «الأوسط» رقم (1157) من حديث جابر. وضعَّفه النووي.
    وقال ابن حجر: «إسناده ضعيف جداً».
    انظر: «الخلاصة» رقم (254)، «التلخيص» رقم (219).
    [469] رواه أحمد (4/254)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب كيف المسح، رقم (161)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء في المسح على الخفِّين ظاهرهما، رقم (98) بلفظ: «رأيت النبي صلّى الله عليه وسلّم يمسح على الخفين على ظاهرهما».
    وفي إسناده عبد الرحمن بن أبي الزناد: صدوق؛ تغيّر حفظه لما قدم بغداد، والرواة عنه بغداديون. ويشهد له حديث علي المتقدم.
    والحديث حسَّنه الترمذيُّ، والنوويُّ، وغيرهما.
    انظر: «سنن البيهقي» (1/291). «الخلاصة» رقم (249)، «التلخيص الحبير» رقم (219).
    [470] تقدم تخريجه ص(244).
    [471] انظر: «الإنصاف» (1/345، 419).
    [472] تقدم تخريجه، ص(186).
    [473] انظر: «الإنصاف» (1/345، 419).
    [474] انظر: «الإنصاف» (1/387، 388).
    [475] انظر: «المجموع شرح المهذب» (1/526)، «الإنصاف» (1/428).
    [476] انظر: «الاختيارات» ص(15).
    [477] انظر ص(264).
    [478] «إعلام الموقعين» (4/219)، «جامع العلوم والحكم» (1/282).
    [479] تقدم تخريجه ص(59).
    [480] رواه أحمد (1/196)، وأبو داود، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم، رقم (3641)، والترمذي، كتاب العلم: باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، رقم (2682)، وابن ماجه، المقدمة: باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، رقم (223)، وصححه الحاكم وابن حبان.
    وقال ابن حجر: «.. حسَّنه حمزة الكناني، وضعَّفه بعضهم باضطراب في سنده، لكن له شواهد يتقوَّى بها». انظر: «الفتح» كتاب العلم: باب العلم قبل القول والعمل، رقم (67، 68).
    [481] انظر: ص(250).


     



  7. رقم #7
     افتراضي  العنوان : رد: الشرح الممتع على زاد المستقنع (متجدد)
    كاتب الموضوع : أبو رمزي
    بتاريخ : 18 Jul 2009 الساعة : 02:43 PM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية أبو رمزي

    رقم العضوية : 16928
    الانتساب : Jun 2009
    المشاركات : 1,330
    بمعدل : 0.44 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 11
    التقييم : Array
    أبو رمزي غير متصل



    · باب نواقض الوضوء

    بابُ نَواقِضِ الوُضُوءِ

    يَنْقُضُ ما خَرَجَ من سَبِيلٍ ..........
    النَّواقض: جمعُ ناقض؛ لأن «ناقض» اسم فاعل لغير العاقل، وجمعُ اسمِ الفَاعل لغير العاقل على «فواعل».
    والوُضُوء بالضَّمِّ: الطَّهارة التي يرتفع بها الحَدَث، وبالفتح: الماءُ الذي يُتَوَضَّأُ به كما يُقال: طَهُور بالفتح: لما يُتَطَهَّرُ به، بالضَّمِّ لنفس الفعل، وسَحور بالفتح: لما يُتَسَحَّرُ به، وبالضَّمِّ لنفس الفعل الذي هو الأكل.
    ونواقض الوُضُوء: مفسداتُه، أي: التي إِذا طرأت عليه أفسدته.
    والنَّواقض نوعان:
    الأول: مجمع عليه، وهو المستند إلى كتاب الله وسُنَّةِ رسوله صلّى الله عليه وسلّم.
    الثاني: فيه خلافٌ، وهو المبنيُّ على اجتهادات أهل العلم رحمهم الله.
    وعند النِّزاع يجب الردُّ إلى كتاب الله وسُنَّةِ رسوله صلّى الله عليه وسلّم.
    قوله: «ينقضُ ما خَرَجَ من سَبيلٍ» ، هذا هو النَّاقض الأوَّل من نواقض الوُضُوء.
    وقوله: «ما خرج من سبيل»، ما: اسم موصول بمعنى الذي، وهو للعموم، وكلُّ أسماء الموصولات للعموم؛ سواء كانت خاصَّة، أم مشتركة، فالخاصة: هي التي تدلُّ على المفرد، والمثنى، والجمع مثل: الذي، اللَّذَيْنِ، الذين.
    والمشتركة: هي الصَّالحة للمفرد وغيره مثل: «مَنْ»، «ما»، فقوله: «ما خرج من سبيل» يشمل كلَّ خارج.
    و«من سبيل» مطلق يتناول القُبُل، والدُّبر، وسُمِّيَ «سبيلاً»، لأنَّه طريق يخرج منه الخارج.
    وقوله: «ما خرج» عام يشمل المعتاد وغير المعتاد؛ ويشمل الطَّاهر والنَّجس[(482)]، فالمعتاد كالبول، والغائط، والرِّيح من الدُّبر، قال الله تعالى: {{أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ}} [المائدة: 6] .
    وفي حديث صفوان بن عَسَّال: «ولكن من بول، وغائط، ونوم»[(483)].
    وفي حديث أبي هريرة، وعبد الله بن زيد رضي الله عنهما: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً»[(484)].
    وغير المعتاد: كالرِّيح من القُبُل.
    واختلف الفقهاء ـ رحمهم الله ـ فيما إذا خرجت الرِّيحُ من القُبُل؟
    فقال بعضهم: تنقض وهو المذهب[(485)].
    وقال آخرون: لا تنقض[(486)].
    وهذه الرِّيح تخرج أحياناً من فُروج النساء، ولا أظنُّها تخرج من الرِّجَال، اللهم إلا نادراً جداً.
    وتنقضُ الحصاةُ إِذا خرجت من القُبُل، أو الدُّبُر؛ لأنه قد يُصابُ بحصوة في الكِلى، ثم تنزلُ حتى تخرجَ من ذكره بدون بول.
    ولو ابتلع خرزة، فخرجت من دبره، فإِنه ينتقض وضوءُه لدخوله في قوله: «ينقض ما خرج من سبيل».
    ويشمل الطَّاهر: كالمنيِّ.
    والنَّجس ما عداه من بولٍ، ومذيٍ، ووَدْيٍ، ودَمٍ.
    وهذا هو النَّاقض الأوَّل، وهو ثابت بالنَّصِّ، والإِجماع، إِلا ما لم يكن معتاداً، ففيه الخلاف[(487)].

    وخَارجٌ مِنْ بَقيَّةِ البَدَنِ إِنْ كَان بَوْلاً، أو غَائِطاً، ..........
    قوله: «وخارج من بقية البدن إن كان بولاً، أو غائطاً» ، هذا هو النَّاقض الثَّاني من نواقض الوُضُوء.
    وهو معطوف على «ما»، أي: وينقضُ خارجٌ من بقيَّة البَدن، إن كان بولاً، أو غائطاً، وهذا ممكن ولا سيَّما في العصور المتأخِّرة، كأن يُجرى للإِنسان عمليَّةٌ جراحيَّةٌ حتى يخرج الخارج من جهة أخرى.
    فإِذا خرج بول، أو غائط من أيِّ مكان فهو ناقض، قلَّ أو كَثُرَ.
    وقال بعض أهل العلم: إن كان المخرج من فوق المعدة فهو كالقيء، وإن كان من تحتها فهو كالغائط، وهذا اختيار ابن عقيل رحمه الله[(488)]. وهذا قولٌ جيد، بدليل: أنه إِذا تقيَّأ من المعدة، فإنه لا ينتقض وضوءُه على القول الرَّاجح، أو ينتقض إِن كان كثيراً على المشهور من المذهب.
    ويُستثنى مما سبق مَنْ حَدَثُه دائمٌ، فإِنَّه لا ينتقضُ وضوءهُ بخروجه؛ كَمَنْ به سلسُ بول، أو ريح، أو غائط، وله حال خاصَّةٌ في التطهُّر تأتي إن شاء الله[(489)].
    وظاهر قوله: «إن كان بولاً، أو غائطاً»، أن الرِّيح لا تنقض إِذا خرجت من هذا المكان الذي فُتِحَ عوضاً عن المخرج، ولو كانت ذات رائحة كريهة، وهذا ما مشى عليه المؤلِّف، وهو المذهب.
    وقال بعضُ العلماء: إِنها تنقضُ الوُضُوء[(490)]، لأن المخرج إِذا انسدَّ وانفتح غيره كان له حكمُ الفَرج في الخارج، لا في المسِّ، لأنَّ مسَّه لا ينقض الوُضُوء كما سيأتي إن شاء الله[(491)].

    أو كثيراً نَجساً غَيْرَهُما ............
    قوله: «أو كثيراً نجساً غيرَهُما» ، أي: أو كان كثيراً نجساً غير البول والغائط، فقيَّد المؤلِّفُ غير البول، والغائط بقيدين.
    الأول: كونُه كثيراً.
    الثاني: أن يكون نجساً.
    ولم يقيِّد البولَ والغائط بالكثير النَّجس؛ لأن كليهما نجس، ولأنَّ قليلَهُما وكثيرَهُما ينقض الوُضُوء.
    وقوله: «أو كثيراً»، أطلق المؤلِّف الكثير، والقاعدة المعروفة: أنَّ ما أتى، ولم يُحدَّدْ بالشَّرع فمرجعُه إلى العُرف، كما قيل:
    وكلُّ ما أتى ولم يحدَّدِ
    بالشَّرع كالحِرْزِ فبالعُرف احدُدِ[(492)]
    فالكثير: بحسب عُرف النَّاس، فإن قالوا: هذا كثيرٌ، صار كثيراً، وإن قالوا: هذا قليلٌ، صار قليلاً.
    وقال بعض العلماء: إِن المعتبر عند كلِّ أحد بحسبه[(493)]، فكلُّ من رأى أنَّه كثيرٌ صار كثيراً، وكلُّ من رأى أنه قليلٌ صار قليلاً.
    وهذا القول فيه نظر؛ لأنَّ من النَّاس من عنده وسواس، فالنُّقطَةُ الواحدة عنده كثيرة، ومنهم من عنده تهاون فإِذا خرج منه دم كثير قال: هذا قليل.
    والصَّحيح الأول: أن المعتبر ما اعتبره أوساط النَّاس، فما اعتبروه كثيراً فهو كثير، وما اعتبروه قليلاً فهو قليل.
    وقوله: «نجساً غيرَهُما»، نجساً: احترازاً من الطَّاهر، فإِذا خرج من بقية البدن شيء طاهر، ولو كَثُرَ فإِنه غيرُ ناقض كالعَرَق، واللُّعاب ودمع العين.
    وقوله: «غيرَهُما» أي: غير البول والغائط، فدخل في هذا الدَّمُ، والقيءُ، ودَمُ الجروح، وماءُ الجروحِ وكلُّ ما يمكن أن يخرج مما ليس بطاهر.
    فالمشهور من المذهب أنَّه إذا كان كثيراً إِما عُرفاً، أو كل إِنسان بحسب نفسه ـ على حسب الخلاف السابق ـ أنَّه ينقض الوُضُوء، وإن كان قليلاً لم ينقض.
    واستدلُّوا على ذلك بما يلي:
    1- أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قَاءَ، فأفطرَ، فتوضَّأ[(494)]. وقد قال الله تعالى: {{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}} [الأحزاب: 21] ، فلما توضَّأ بعد أن قاء فالأُسوة الحسنة أن نفعل كفعله.
    2- أنها فضلات خرجت من البدن فأشبهت البول والغائط، لكن لم تأخذْ حكمهما من كلِّ وجهٍ؛ لاختلاف المخرج، فتُعطى حكمهما من وجه دون وجه، فالبول والغائطُ ينقض قليلهُ وكثيرُه؛ لخروجه من المخرج، وغيرهما لا ينقض إلا الكثير.
    وذهب الشافعيُّ، والفقهاءُ السَّبعةُ[(495)] وهم المجموعون في قول بعضهم:
    إِذا قيل مَنْ في العلم سبعة أبْحُرٍ
    روايتهم ليست عن العلم خَارِجَه
    فقل: هم عُبَيدُ الله، عروة، قاسمٌ
    سعيدٌ، أبو بكرٍ، سليمانُ، خارجه[(496)]
    إلى أنَّ الخارج من غير السَّبيلين لا ينقض الوُضُوء قلَّ أو كثُر إلا البول والغائط، وهذا هو القول الثاني في المذهب[(497)]، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية[(498)]، واستدلُّوا بما يلي:
    1 ـ أن الأصل عدم النَّقض، فمن ادَّعى خلاف الأصل فعليه الدَّليل.
    2 ـ أن طهارته ثبتت بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي، فإنه لا يمكن رفعه إِلا بدليل شرعي.
    ونحن لا نخرجُ عمّا دلَّ عليه كتاب الله، وسُنَّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، لأننا متعبَّدون بشرع الله، فلا يسوغ لنا أن نلزم عباد الله بطهارةٍ لم تجبْ، ولا أن نرفَعَ عنهم طهارةً واجبة.
    وأما الحديث الذي استدلُّوا به على نقض الوُضُوء فقد ضعَّفه كثيرٌ من أهل العلم. وأيضاً: هو مجرد فعل، ومجرد الفعل لا يدلُّ على الوجوب؛ لأنه خالٍ من الأمر. وأيضاً: هو مقابل بحديث ـ وإِن كان ضعيفاً ـ أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم احتجم، وصلَّى، ولم يتوضَّأ[(499)]. وهذا يدلُّ على أن الوُضُوء ليس على سبيل الوجوب، وهذا هوالقول الرَّاجح.

    وَزَوَالُ العَقْلِ إِلاَّ يَسِيرَ نَوْمٍ مِنْ قَاعِدٍ أوْ قَائِمٍ ............
    قوله: «وزوالُ العقلِ» ، هذا هو النَّاقض الثَّالث من نواقض الوُضُوء، وزوال العقل على نوعين:
    الأول: زواله بالكُلِّيَّة، وهو رفع العقل، وذلك بالجنون.
    الثاني: تغطيته بسبب يوجب ذلك لمدَّة معيَّنة كالنَّوم، والإِغماء، والسُّكر، وما أشبه ذلك.
    وزوال العقل بالجنون والإِغماء والسُّكْرِ هو في الحقيقة فَقْدٌ له، وعلى هذا فيسيرُها وكثيرُها ناقضٌ، فلو صُرِعَ ثم استيقظَ، أو سَكِرَ، أو أُغمي عليه انتقضَ وضوءُه سواءٌ طال الزَّمنُ أم قَصُرَ.
    قوله: «إلا يسيرَ نوم من قاعدٍ أو قائمٍ» ، اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في النَّوم هل هو ناقضٌ، أو مظنَّة النَّقض، على أقوالٍ منها:
    القول الأول: أن النَّوم ناقضٌ مطلقاً يسيرُه وكثيره[(500)]، وعلى أيِّ صفة كان؛ لعموم حديث صفوان وقد سبق[(501)]. ولأنَّه حَدَث، والحدثُ لا يُفرَّقُ بين كثيره ويسيره كالبول.
    القول الثَّاني: أنَّ النَّوم ليس بناقضٍ مطلقاً[(502)]؛ لحديث أنس رضي الله عنه أن الصَّحابة رضي الله عنهم كانوا ينتظرون العِشاء على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى تخفِقَ رؤوسهم ثم يُصلُّون ولا يتوضؤون»[(503)]، وفي رواية البزَّار: «يضعون جنوبهم»[(504)].
    القول الثَّالث: ـ وهو المذهب ـ أن النَّوم ليس بِحَدَثٍ، ولكنه مظنَّة الحدث، ولا يُعفى عن شيء منه إلا ما كان بعيداً فيه الحدث[(505)]، ولهذا قال المؤلِّف: «إِلا يسير نومٍ من قاعدٍ وقائم».
    القول الرَّابع: ـ وهو اختيار شيخ الإسلام، وهو الصَّحيح ـ: أنَّ النَّوم مظنَّة الحَدَث، فإِذا نام بحيث لو انتقض وضوءُه أحسَّ بنفسه، فإِن وضوءَه باقٍ، وإِذا نام بحيث لو أحدث لم يحسَّ بنفسه فقد انتقض وضوءُه[(506)].
    وبهذا القول تجتمع الأدلة، فإن حديث صفوان بن عسَّال دلَّ على أنَّ النَّوم ناقض، وحديث أنس رضي الله عنه دلَّ على أنه غيرُ ناقض.
    فيُحمل ما ورد عن الصَّحابة على ما إذا كان الإِنسانُ لو أحدث لأحسَّ بنفسه، ويُحمل حديثُ صفوان على ما إذا كان لو أحدث لم يحسَّ بنفسه.
    ويؤيِّد هذا الجمع الحديثُ المروي «العين وكَاء السَّه، فإِذا نامت العينان استطلق الوكاء»[(507)]. فإِذا كان الإِنسانُ لم يُحكِمْ وكاءَه بحيث لو أحدث لم يحسَّ بنفسه فإِن نومه ناقضٌ، وإِلا فلا.
    وقوله: «إِلاّ يسير نومٍ من قاعد أو قائم»، هذا استثناء من قول المؤلِّف: «وزوال العقل»، فخرج باليسير: الكثير، وخرج بقوله: «من قائم أو قاعد» ما عداهما، فما عدا هاتين الحالين ينقض النَّوم فيها مطلقاً.
    فعلى هذا يكون النَّومُ الكثيرُ ناقضاً مطلقاً، والنَّومُ اليسيرُ ناقضاً أيضاً إلا من قائم أو قاعد.
    واليسيرُ يُرجَعُ فيه إلى العُرف، فتارة يكونُ يسيراً في زمنه بحيث يغفل غفلة كاملة، وربما يرى في منام شيئاً، لكنه شيء يسير؛ لأنَّه استيقظ سريعاً، ولو خرج منه شيء لشمَّه.
    وتارة يكون يسيراً في ذاته بحيث لا يَغْفُل كثيراً في نومه، فمثلاً يسمع المتكلِّمين، أو إِذا كلَّمه أحدٌ انتبه بسرعة، أو لو حصل له حَدَث لأحسَّ به.
    وظاهر قوله: «من قاعد أو قائم» الإِطلاق، ولكنهم استثنوا ما إِذا كان محتبياً أو متَّكِئاً أو مستنداً فإِنه ينتقض وضوؤُه؛ لأنه في الغالب يستغرق في نومه، وإذا استغرقَ في نومه، فإنه قد يُحدِثُ ولا يحسُّ بنفسه.
    ولو أن رجلاً نام وهو ساجدٌ نوماً خفيفاً، فالمذهب: ينتقضُ وضوؤُه؛ لأنه ليس قاعداً ولا قائماً.
    وعلى القول الرَّاجح: لا ينتقض إِلا في حالِ لو أحدث لم يحسَّ بنفسه.

    وَمَسُّ ذَكَرٍ مُتَّصلٍ، أَوْ قُبُلٍ بظَهْرِ كَفِّه، أَوْ بَطْنِه،........
    قوله: «ومسُّ ذكر متَّصل» ، هذا هو النَّاقض الرابع من نواقض الوُضُوء والمسُّ لا بُدَّ أن يكون بدون حائلٍ؛ لأنَّه مع الحائل لا يُعَدُّ مسّاً.
    وقوله: «ذكرٍ»، أي: أن الذي ينقض الوُضُوءَ مسُّ الذَّكرِ نفسِه، لا ما حوله.
    وقوله: «متَّصلٍ»، اشترط المؤلِّف أن يكون متَّصلاً احترازاً من المنفصل، فلو قُطِع ذكرُ إِنسان في جناية، أو علاج، أو ما أشبه ذلك، وأخذه إِنسان ليدفنه، فإِن مسَّه لا ينقض الوُضُوء.
    وأيضاً: لا بُدَّ أن يكون أصليًّا؛ احترازاً من الخُنثى؛ لأن الخُنثى ذكره غيرُ أصليٍّ؛ لأنَّه إن تبيَّن أنَّه أنثى فهو زائد، وإِن أشكل فلا ينتقضُ الوُضُوءُ مع الإِشكال.
    قوله: «أو قُبُلٍ» ، القُبُل للمرأة، ويُشترَطُ أن يكونَ أصليًّا ليخرج بذلك قُبُل الخُنثى.
    قوله: «بظهر كفِّه أو بطنه» متعلِّق بـ«مسَّ»، أي: لا بُدَّ أن يكون المسُّ بالكفِّ، سواء كان بحرفه، أو بطنه، أو ظهره.
    ونصَّ المؤلِّف على ظهر الكفِّ؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إنَّ المسَّ بظهر الكفِّ لا ينقض الوُضُوء[(508)]؛ لأن المسَّ والإِمساك عادة إِنَّما يكون بباطن الكَفِّ.
    والمسُّ بغير الكَفِّ لا ينقض الوُضُوء؛ لأن الأحاديث الواردة في المسِّ باليد كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ أفضى بيده إلى ذَكره ليس بينهما سِترٌ، فقد وجب عليه الوضوءُ»[(509)]. واليد عند الإِطلاق لا يُراد بها إلا الكَفُّ لقوله تعالى: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا}} [المائدة: 38] ، أي: أكُفَّهُما.
    واختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في مسِّ الذَّكر والقُبُل، هل ينقضُ الوُضُوءَ أم لا؟ على أقوال:
    القول الأول: وهو المذهب أنَّه ينقض الوُضُوءَ، واستدلُّوا بما يلي:
    1- حديث بُسْرَة بنت صفوان أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ مَسَّ ذكرَه فليتوضأ»[(510)].
    2- حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إذا أفضى أحدُكُم بيده إلى ذكره؛ ليس دونها سِتْر فقد وجب عليه الوُضُوء».
    وفي رواية: «إلى فرجه»[(511)].
    3- أن الإنسان قد يحصُل منه تحرُّكُ شهوةٍ عند مسِّ الذَّكر، أو القُبُل فيخرج منه شيء وهو لا يشعر، فما كان مظَّنة الحدث عُلِّق الحكم به كالنَّوم.
    القول الثاني: أن مسَّ الذَّكَرِ لا ينقضُ الوضوءَ[(512)]، واستدلُّوا بما يلي:
    1- حديث طَلْقِ بْنِ عليٍّ أنه سأل النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم عن الرَّجُل يمسُّ ذَكَرَه في الصَّلاة: أعليه وُضُوءٌ؟ فقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا، إِنَّما هو بَضْعة منك»[(513)].
    2- أنَّ الأصل بقاءُ الطَّهارة، وعدمُ النقض، فلا نخرج عن هذا الأصل إِلا بدليل متيقَّن. وحديث بُسرة وأبي هريرة ضعيفان، وإِذا كان فيه احتمالٌ؛ فالأصل بقاءُ الوُضُوء. قال صلّى الله عليه وسلّم: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً»[(514)]، فإِذا كان هذا في السَّببِ الموجبِ حسًّا، فكذلك السَّببُ الموجبُ شرعاً، فلا يمكن أن نلتفت إليه حتى يكون معلوماً بيقين.
    القول الثَّالث: أنَّه إنْ مسَّهُ بشهوة انتقض الوُضُوء وإلا فلا[(515)]، وبهذا يحصُل الجمع بين حديث بُسرة، وحديث طَلْق بن عليٍّ، وإِذا أمكن الجمع وجب المصير إليه قبل التَّرجيح والنَّسخ؛ لأنَّ الجَمْعَ فيه إِعمال الدَّليلين، وترجيح أحدهما إِلغاء للآخر.
    ويؤيد ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنمَّا هو بَضْعَة منك»[(516)]، لأنك إِذا مسَسْتَ ذَكَرَكَ بدون تحرُّكِ شهوة صار كأنما تمسُّ سائر أعضائك، وحينئذٍ لا ينتقض الوُضُوء، وإِذا مَسَسْتَه لشهوةٍ فإِنَّه ينتقض؛ لأن العِلَّة موجودة، وهي احتمال خروج شيء ناقض من غير شعور منك، فإِذا مسَّه لشهوةٍ وجب الوُضُوء، ولغير شهوة لا يجب الوُضُوءِ، ولأن مسَّه على هذا الوجه يخالف مسَّ بقية الأعضاء.
    قالوا ـ وهم يحاجُّون الحنابلة ـ: لنا عليكم أصل، وهو أنكم قلتم: إِنَّ مسَّ المرأة لغير شهوة لا ينقض، ومسَّها لشهوة ينقض؛ لأنه مظنَّة الحدث.
    وجمع بعض العلماء بينها بأنَّ الأمر بالوُضُوء في حديث بُسْرة للاستحباب، والنَّفيَ في حديث طَلْق لنفي الوجوب[(517)]؛ بدليل أنه سأل عن الوجوب فقال: «أعليه»، وكلمة: «على» ظاهرة في الوجوب.
    القول الرَّابع: وهو اختيار شيخ الإسلام أن الوُضُوء من مسِّ الذَّكَر مستحبٌ مطلقاً، ولو بشهوةٍ[(518)].
    وإذا قلنا: إِنه مستحبٌّ، فمعناه أنه مشروع وفيه أجر، واحتياط، وأما دعوى أنَّ حديث طَلْق بن عليٍّ منسوخ، لأنَّه قَدِمَ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وهو يبني مسجده أول الهجرة[(519)]، ولم يَعُدْ إِليه بعدُ. فهذا غير صحيح لما يلي:
    1- أنه لا يُصار إلى النَّسخ إلا إِذا تعذَّر الجمع، والجمع هنا ممكن.
    2- أن في حديث طَلْق عِلَّة لا يمكن أن تزول، وإِذا رُبط الحُكم بعلَّة لا يمكن أن تزولَ فإن الحكم لا يمكن أن يزولَ؛ لأن الحكم يدور مع عِلَّته، والعلَّة هي قوله: «إنما هو بَضْعَة منك»، ولا يمكن في يوم من الأيام أن يكون ذكرُ الإِنسان ليس بَضْعَةً منه، فلا يمكن النَّسخ.
    3- أن أهل العلم قالوا: إن التاريخ لا يُعلم بتقدُّم إِسلام الرَّاوي، أو تقدُّم أخذه؛ لجواز أن يكون الرَّاوي حَدَّث به عن غيره.
    بمعنى: أنه إِذا روى صحابيَّان حديثين ظاهرهما التَّعارض، وكان أحدُهما متأخِّراً عن الآخر في الإِسلام، فلا نقول: إنَّ الذي تأخَّر إِسلامُه حديثُه يكون ناسخاً لمن تقدَّم إِسلامُه، لجواز أن يكون رواه عن غيره من الصَّحابة، أو أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم حدَّث به بعد ذلك.
    والخلاصة: أن الإنسان إِذا مسَّ ذكره استُحِبَّ له الوُضُوءَُ مطلقاً، سواء بشهوة أم بغير شهوة، وإِذا مسَّه لشهوة فالقول بالوجوب قويٌ جدًّا، لكنِّي لا أجزم به، والاحتياط أن يتوضَّأ.

    ولَمْسُهُمَا من خُنْثَى مُشْكِلٍ، وَلَمْسُ ذَكَرٍ ذَكَرَه، أَوْ أُنْثَى قُبُلَه لِشَهوةٍ فِيهِمَا .......
    قوله: «ولمسُهُما من خُنْثَى مُشْكِل» ، لمسُهُما: أي القُبُل والذَّكر. وقوله «من خُنْثَى مُشْكِلٍ» هو الذي لا يُعلم أذكرٌ هو أم أنثى.
    أي: إِذا مسَّ قُبُلَ الخُنثى وذَكَرَه انتقض وضوءُه؛ لأنه قد مسَّ فَرجاً أصليّاً إِذ إِنَّ أحدَهما أصليٌّ قطعاً.
    قوله: «ولَمسُ ذَكَرٍ ذَكَرَه» ، أي: لمسُ الذَّكرِ ذَكَرَ الخُنْثَى لشهوة.
    قوله: «أو أنثى قُبُلَه» ، أي: لَمْسُ الأُنثى قُبُلَ الخُنثى لشهوة.
    قوله: «لشهوة فيهما» ، أي: فيما إِذا مسَّ الذَّكرُ ذكرَ الخُنثى، أو الأنثى قُبُلَهُ.
    مثاله: رجلٌ خُنثى، ورجلٌ صحيحٌ، هذا الصَّحيحُ مَسَّ ذَكَرَ الخُنثى لشهوةٍ فينتقضُ وضوؤُه.
    والعلَّة: أنه لمَّا مسَّ هذا الجزء من بدنه لشهوة، فإن كان أنثى فقد مسَّها لشهوة، ومسُّ المرأة لشهوة يَنْقُضُ الوُضُوء على المذهب كما سيأتي[(520)]، وإن كان ذكراً فقد مسَّ ذَكَرَه، ومسُّ الذَّكر ينقض الوُضُوء، وعلى هذا يكون وُضُوؤُه منتقضاً على كلِّ تقدير. وإِنْ مسَّ الرَّجلُّ فرجَ الخُنثى لم ينتقضِ الوُضُوءُ، وإِن كان بشهوة؛ لأنَّ الخُنثى إنْ كان ذكراً فقد مسَّه لشهوة، ومسُّ الرَّجُل الرَّجُلَ لشهوة لا ينقضُ الوُضُوء، وإن كان أنثى فقد مسَّ فرجها، لكن ليس لدينا علم الآن بأنَّه أنثى، بل فيه شَكٌّ، فيبقى الوُضُوء على أصله، ولا ينتقض.
    وإن كانت الأنثى مَسَّتْ قُبُل الخُنثى لشهوة، فإِن ينتقض الوُضُوء.
    مثاله: امرأةٌ صحيحةٌ عندها خُنثى، فمسَّتْ قُبُلَه لشهوةٍ، فإنَّه ينتقضُ الوُضُوء.
    والعِلَّة: أنَّه إِن كان الخُنثى ذكراً، فقد مسَّتْه لشهوةٍ، ومسُّ المرأة الرَّجُلَ لشهوة ينقض الوُضُوء، وإن كان أنثى فقد مسَّت فرجها، ومسُّ فرج المرأة ينقض الوُضُوء، وعلى هذا يكون وُضوءُها منتقضاً على كلِّ تقدير، والصُّور كما يلي:
    1- مسُّ أحد فرجي الخنثى المشكل بدون شهوة، فإِنه لا ينقض مطلقاً، سواء كان اللامس ذكراً أم أنثى.
    2- مسُّهُما جميعاً، فإِنه ينتقض الوُضُوء مطلقاً.
    3- مسُّ أحد فرجي الخُنثى المشكل بشهوة؛ فله أربع حالات:
    حالتان ينتقض الوُضُوء فيهما وهما:
    1- أن يمسَّ الذَّكرُ ذَكَره.
    2- أن تمسَّ الأنثى فرجه.
    وحالتان لا ينتقضُ الوُضُوء فيهما وهما:
    1- أن يمسَّ الذَّكرُ فرجه.
    2- أن تمسَّ الأنثى ذَكَرَه.

    وَمَسُّهُ امرأةً بشهوةٍ ..........
    قوله: «ومسُّه امرأةً بشهوة» ، هذا هو النَّاقض الخامس من نواقض الوُضُوء.
    والضَّمير في قوله: «ومسُّه» يعود على الرَّجُل، أي: مسُّ الرَّجل امرأة بشهوة؛ وظاهره العموم وأنه لا فرق بين الصغير والكبير، والعاقل والمجنون، والحرِّ والعبد.
    ولم يقيِّد المؤلِّف المسَّ بكونه بالكَفِّ فيكون عامًّا، فإِذا مسَّها بأيِّ موضع من جسمه بشهوة انتقض وضُوءُه.
    والباء في قوله: «بشهوةٍ» للمصاحبة، أي: مصحوباً بالشَّهوة.
    وبعضُهم يعبِّر بقوله: «لشهوة» باللام، فتكون للتعليل[(521)]، أي مسًّا تحملُ عليه الشَّهوةُ.
    وقوله: «امرأة» المرأة هي البالغة، ولكن البلوغ هنا ليس بشرط، لكن قيَّده بعضُ العلماء ببلوغ سبع سنين، سواءٌ من اللامس أم الملموس[(522)]. وفيه نظر؛ لأن الغالب فيمن كان له سبع سنوات أنَّه لا يدري عن هذه الأمور شيئاً؛ ولهذا قيَّده بعضُ العلماء بمن يطأ مثله. ومن تُوطأ مثلها، أي: تشتهي[(523)]. والذي يطأ مثله من الرجال هو من له عشر سنوات، والتي تُوطأ مثلُها من النِّساء هي من تم لها تسعُ سنوات، فعلى هذا يكون الحُكم معلَّقاً بمن هو محلُّ الشَّهوة، وهذا أصحُّ؛ لأنَّ الحُكم إِذا عُلِّق على وصف فلا بُدَّ أن يوجد محلٌّ قابلٌ لهذا الوصف.
    واختلف أهل العلم في هذا النَّاقض على أقوال:
    القول الأول: ـ وهو المذهبُ ـ أن مسَّ المرأة بشهوة ينقض الوُضُوء[(524)].
    واستدلُّوا:
    بقوله تعالى: {{أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ}} [المائدة: 6] وفي قراءة سَبعيَّة: «أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ»[(525)]. والمسُّ واللمس معناهما واحد، وهو الجسُّ باليد أو بغيرها، فيكون مسُّ المرأة ناقضاً للوُضُوء.
    فإن قيل الآية ليس فيها قيدُ الشَّهوة، إذ لم يقل الله «أو لامستم النساء بشهوة »، فالجواب: أن مظنَّةَ الحدث هو لمس بشهوة، فوجب حمل الآية عليها، ويؤيد ذلك أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يُصلِّي من الليل، وكانت عائشةُ رضي الله عنها تمدُّ رجليها بين يديه، فإِذا أراد السُّجود غمزها فكفّتْ رجليها[(526)]، ولو كان مجردُ اللَّمس ناقضاً لانتقض وضوءُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم واستأنفَ الصَّلاة.
    ولأن إيجابَ الوُضُوء بمجرد المسِّ فيه مشقَّةٌ عظيمة، إذ قلَّ من يسلمُ منه، ولا سيَّما إِذا كان الإِنسان عنده أمٌّ كبيرةٌ، أو ابنةٌ عمياء وأمسك بأيديهما للإِعانة أو الدِّلالة. وما كان فيه حرج ومشقَّةٌ فإِنه منفيٌّ شرعاً.
    القول الثَّاني: أنه ينقضُ مطلقاً، ولو بغير شهوة، أو قصد[(527)].
    واستدلُّوا: بعموم الآية.
    وأجابوا عن حديث عائشة: بأنه يحتمل أن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم كان يمسُّها بظُفره، والظُّفر في حكم المنفصل، أو بحائل، والدَّليل إِذا دخله الاحتمال بطل الاستدلال به، وفي هذا الجواب نَظَر، وهذا ليس بصريح.
    القول الثَّالث: أنه لا ينقض مسُّ المرأة مطلقاً، ولو الفرج بالفرج، ولو بشهوة (527) .
    واستدلُّوا:
    1- حديث عائشةَ أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قَبَّلَ بعضَ نسائه، ثم خرج إلى الصَّلاة، ولم يتوضَّأ[(528)]، حَدَّثت به ابن اختها عروةَ بن الزبير فقال: ما أظنُّ المرأةَ إِلا أنت، فضحكت.
    وهذا حديثٌ صحيح، وله شواهدُ متعدِّدةٌ، وهذا دليلٌ إيجابي، وكون التَّقبيل بغير شهوة بعيدٌ جداً.
    2- أنَّ الأصل عدم النَّقض حتى يقومَ دليلٌ صحيح صريحٌ على النَّقض.
    3- أن الطَّهارة ثبتت بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعيٍّ، فإنه لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي، ولا دليل على ذلك وهذا دليل سلبيٌّ.
    وأجابوا عن الآية بأن المُراد بالملامسة الجماع لما يلي:
    1- أن ذلك صحَّ عن ابن عباس[(529)] رضي الله عنهما، الذي دعا له النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أن يعلِّمه الله التأويل[(530)]، وهو أولى من يُؤخذ قوله في التفسير إلا أن يعارضه من هو أرجح منه.
    2- أنَّ في الآية دليلاً على ذلك حيث قُسِّمت الطَّهارةُ إلى أصليَّة وبدل، وصُغرى وكُبرى، وبُيِّنَت أسباب كلٍّ من الصُّغرى والكُبرى في حالتي الأصل والبدل، وبيان ذلك أن الله تعالى قال: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}} [المائدة: 6] ، فهذه طهارة بالماء أصليَّة صُغرى.
    ثم قال: {{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}}، وهذه طهارة بالماء أصليَّة كُبرى.
    ثم قال: {{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}}، فقوله: «فتيمَّمُوا» هذا البدل، وقوله: {{أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ}} هذا بيانُ سبب الصُّغرى، وقوله: {{أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ}} هذا بيان سبب الكُبرى.
    ولو حملناه على المسِّ الذي هو الجسُّ باليد، لكانت الآية الكريمة ذكر الله فيها سببين للطهارة الصُّغرى، وسكت الله عن سبب الطَّهارة الكُبرى مع أنَّه قال: {{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}}، وهذا خلاف البلاغة القرآنية.
    وعليه؛ فتكون الآية دالة على أن المُراد بقوله: {{أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ}} أي: «جامعتم»، ليكون الله تعالى ذكر السَّببين الموجبين للطَّهارة، السَّببَ الأكبر، والسَّبب الأصغَر، والطَّهارتين الصُّغرى في الأعضاء الأربعة، والكُبرى في جميع البدن، والبدُل الذي هو طهارةُ التيمُّم في عضوين فقط؛ لأنَّه يتساوى فيها الطَّهارة الكُبرى والصغرى.
    فالرَّاجح: أن مسَّ المرأة، لا ينقضُ الوُضُوءَ مطلقاً إِلا إِذا خرج منه شيءٌ فيكون النَّقضُ بذلك الخارج.
    قوله: «أو تمسُّه بها» ، ضمير المفعول في «تمسُّه» يعود على الرَّجل، أي: أو تمسُّ المرأة الرَّجلَ بشهوة، فينتقض وضوءُها.
    والدَّليل على ذلك: القياس، فإِذا كان مسُّ الرَّجل للمرأة بشهوة ينقض الوُضُوء، فكذا مسُّ المرأة للرَّجُل بشهوة ينقضُ الوُضُوءَ، وهذا مقتضى الطَّبيعة البشرية، وهذا قياسٌ واضحٌ جليٌّ.
    وعُلِمَ من قوله: «أو تمسُّه بها»، أن المرأة لو مسَّت امرأة لشهوة فلا ينتقض وضوءها، لأن المرأة ليست محلاً لشهوة المرأة الأخرى كما أنَّ الرَّجُل ليس محلاً لشهوة الرَّجُل.
    ويمكن أن نقول: إِنَّ المرأة إِذا مسَّت امرأة لشهوة انتقض وضوءُها بالقياس على ما إِذا مسَّت الرَّجُل بشهوة؛ لأن العِلَّة واحدة، ويوجد من النِّساء من تتعلَّق رغبتُها بالشَّابات، كما أنه يوجد من الرِّجال ـ والعياذ بالله ـ من تتعلَّق رغبتهم بالشَّباب، وما دامت العلَّة معقولة، فإِن ما شارك الأصلَ في العِلَّة، وجب أن يُعطى حكمَه، لكن سبق أنَّ القولَ الرَّاجح أن مسَّ المرأة لا ينقضُ الوُضُوءَ مطلقاً ما لم يخرج منه شيءٌ، فما تفرَّع عنه فهو مثله.

    أو تَمَسُّهُ بهَا ومَسُّ حَلْقَةِ دُبُرٍ،.............
    قوله: «ومسُّ حلْقةِ دُبُرٍ» ، هذا من النواقض، ولا يحتاج إلى أن يُخصَّ؛ لأنَّه داخل في عموم مسِّ الفَرْج، ولكن لما ذكر المؤلِّفُ «مسَّ الذَّكر احتاج إلى أن يقول: «ومسُّ حلْقة دُبُرٍ»، ولو قال هناك: «مسُّ الفَرْج» لكان أعمَّ ولم يحتج إلى ذكر الدُّبر.
    وقد روى الإِمامُ أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «من مسَّ فرجه فليتوضَّأ»[(531)]، والدُّبُر فَرْجٌ ـ لأنه منفرجٌ عن الجوف، ويخرج منه ما يخرج.
    وعلى هذا فإنه ينتقضُ الوضوءُ بمسِّ حلْقة الدُّبُر، وهذا فرعٌ من حكم مسِّ الذَّكر فليُرجعْ إِليه لمعرفة الراجح في ذلك[(532)].
    وقوله: «حلقة دُبُر» يخرج به ما لو مسَّ ما قَرُب منها كالصفحتين، وهما جانبا الدُّبُر، أو مسَّ العجيزة، أو الفخذ، أو الأنثيين، فلا ينتقض الوُضُوء.

    لاَ مَسَّ شَعرٍ وَظُفُرٍ،...........
    قوله: «لا مسَّ شَعْرٍ» ، أي: لا ينقض مسُّ شعرٍ ممن ينقضُ مسُّه كمس المرأة بشهوة على المذهب.
    مثاله: رجلٌّ مسَّ شَعْر امرأته بشهوة، ولم يخرجْ منه شيءٌ، فإِنَّه لا ينتقض وضوءه، لأن الشَّعْر في حكم المنفصل، فكما لو مسَّ خمارها لم ينتقض وضوءُهُ ولو بشهوة، فكذا الشَّعر؛ لأنه في حكم المنفصل، ولا حياة فيه.
    قوله: «وظُفُر» ، يعني لو مسَّ ظُفُر من ينقضُ الوُضُوءَ مسُّه لم ينقضْ وضوءه[(533)].
    مثاله: رجل مسَّ ظُفْر امرأته لشهوة فإِنه لا ينتقض وضوءُه، سواء طال هذا الظُّفْر، أو قَصُر.
    وكذا السِّنُّ، فلو مسَّه بشهوة لا ينتقضُ وضوءهُ، لأنَّه في حكم المنفصل ولا حياة فيه ولا شعور.
    وقال ابن عقيل: إذا قلتم: إن هذه الثَّلاثة لا حياة فيها، فقولوا: إنَّ المسَّ بالعضو الأشلِّ لا ينقض الوُضُوء أيضاً، وأنتم تقولون بأنَّه ينقض[(534)].

    وأَمْرَدٍ،..............
    قوله: «وأمْرَدٍ» ، أي لا ينقضُ الوُضُوء مَسُّ الأمرد، وهو من طرّ شاربُه، أي: اخضَرَّ ولم تنبت لحيتُه؛ لأنه ليس محلاً للشهوة، ولذا قال لوط لقومه: {{أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ *وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ *}} [الشعراء] .
    فالذَّكَر لم يُخلق للذَّكر فهو كما لو مسَّ بنت ثلاثة أشهر؛ لأن كُلًّا منهما ليس محلًّا للشَّهوة.
    وهذا القول ضعيف جدًّا، إِذا قلنا بنقض الوُضُوء بمسِّ المرأة لشهوة؛ لأن من النَّاس ـ والعياذ بالله ـ من قَلَبَ اللَّهُ حِسَّه وفطرته فأصبح يشتهي الذُّكور دون النِّساء، بل أشدُّ.
    وقوم لوط لما جاؤوا إِلى لوط قال: {{هَؤُلاَءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ}} فقالوا: {{لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ}} [هود: 79] يقصدون الملائكة الذين أتوا في صورة شباب.
    والصَّواب: أن مسَّ الأمرد كمسِّ الأُنثى سواء، حتى قال بعض العُلماء: إِنَّ النظر إلى الأمرد حرامٌ مطلقاً كالنظر إلى المرأة فيجب عليه غَضُّ البصر[(535)].
    وقال شيخ الإسلام: لا تجوز الخلوةُ بالأمرد، ولو بقصد التَّعليم[(536)]؛ لأن الشَّيطان يجري من ابن آدم مجرى الدَّم، وكم من أُناس كانوا قتلى لهذا الأمرد، فأصبحوا فريسة للشَّيطان والأهواء، وهذه المسألة يجب الحذر منها.
    ولهذا كان القول الرَّاجح أن عقوبةَ اللوطيِّ ـ فاعلاً كان أو مفعولاً به إذا كان راضياً ـ القتلُ بكلِّ حالٍ إِذا كانا بالغين عاقلين، حتى وإن لم يكونا محصنين.
    قال شيخ الإسلام رحمه الله: إِن الصَّحابةَ رضي الله عنهم أجمعوا على قتلِ الفاعلِ والمفعولِ به، لكن اختلفوا كيف يُقتلُ[(537)].
    فأبو بكر، وعبد الله بن الزُّبير، وخالد بن الوليد حرَّقوهم بالنَّار؛ لأن فعلتهم هذه من أقبح المنكرات، ولهذا قال الله في الزِّنا: {{وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً}} [الإسراء: 32] يعني: من الفواحش؛ لأن «فاحشةً» نكرة.
    وقال الله في اللِّـواط: {{أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ}} [الأعراف: 80] ، فكأنها بلغـت فـي الفُحْشِ غايتَه، وأعلاه.
    والإِمام يقتله بما يردع عن هذه الفِعلة الخبيثة؛ لأنه لا يمكن التحرُّز منها إِطلاقاً، فالزِّنا يُتَحرَّز منه، فإِذا رأينا رجلاً معه امرأة غريبة، قلنا له: من هذه؟ أما الرَّجُلُ مع الرَّجُل فلا يمكن ذلك.
    وهذا كما قالوا: إن قتل الغيلة موجبٌ للقتل بكلِّ حال، ولو عفا أولياء المقتول، لأنه لا يمكن التحرُّز منه[(538)].

    ولا مَعَ حَائِلٍ، ولا مَلْمُوسٍ بَدَنُه، وَلَوْ وُجِدَ منه شَهْوَةٌ، ....
    قوله: «ولا مع حائل» ، أي: ولا ينقض مسٌّ مع حائل؛ لأنَّ حقيقة المسِّ الملامسةُ بدون حائل.
    قوله: «ولا ملموسٍ بدنُه» ، يعني ولا ينتقضُ وضوءُ ملموسٍ بدنُه، فلو أن امرأة مسَّها رَجُلٌ بشهوةٍ، فلا ينتقض وضوءُها، وينتقض وضوءُ الرَّجُل.
    قوله: «ولو وُجِدَ منه شهوة» ، أي: ولو وُجِدَ من الملموس بدنُه شهوةٌ؛ فإِن وضوءَه لا ينتقضُ؛ وهذا غريبٌ: أنه لا ينتقضُ وضوءُ الملموس.
    مثاله: شابٌّ قَبَّلَ زوجته وهي شابَّةٌ بشهوة، وهي كذلك بشهوة فيجب عليه الوضوء، ولا يجب عليها مع أن العِلَّة واحدة.
    ولهذا كان القول الصَّحيح في هذه المسألة: أن الملموس إِذا وُجِدَ منه شهوةٌ انتقض وضوءُه؛ على القول بأنَّ اللامس ينتقض وضوءُه، وهو القياس.
    قال الموفق رحمه الله: كل بشرتين حصل الحدثُ بمسِّ إحداهما؛ فإِن الطَّهارة تجبُ على اللامس والملموس، كالختانين فيه مُجَامَع ومُجَامِع، إِذا التقى الختانان بدون إِنزال منهما وجب الغسل عليهما جميعاً[(539)].
    وهذا الذي قاله الموفق رحمه الله هو الصَّوابُ؛ لكنَّه مبنيٌّ على القول بأن مسَّ المرأة بشهوة ينقض الوُضُوء، وقد سبق أن الرَّاجح أنه لا ينقض إلا أن يخرج منه شيء.

    وَيَنْقُضُ غَسْلُ مَيِّتٍ،.............
    قوله: «وينقضُ غَسْلُ ميِّتٍ» ، هذا هو النَّاقضُ السَّادسُ من نواقض الوضوء.
    والغَسل بالفتح: بمعنى التغسيل، وبالضم، المعنى الحاصل بالتغسيل، ومعنى: ينقض غَسلُ ميِّت، أي: تغسيل ميِّت، سواء غَسَل الميِّتَ كلَّه أو بعضَه.
    وقوله: «ميِّت» يشمل الذَّكرَ والأنثى، والصَّغيرَ والكبيرَ، والحُرَّ والعبدَ، ولو من وراء حائل؛ لأن المؤلِّف يقول: «غسل» ولم يقل «مسُّ»، فلو وضع على يده خرقة، وأخذ يغسله انتقض وضوءهُ مطلقاً، وهذا الذي مشى عليه المؤلِّفُ هو المذهبُ، وهو من مفردات مذهبِ أحمد[(540)]؛ لأن الأئمة الثَّلاثة قالوا بخلاف ذلك[(541)].
    واستدلَّ الأصحاب بما يلي:
    1- ما رُويَ عن ابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس رضي الله عنهم أنهم أمروا غاسل الميِّت بالوُضُوء[(542)].
    2- أن غاسل الميِّت غالباً يمسُّ فرجه، ومسُّ الفرج من نواقض الوُضُوء.
    القول الثاني: أن غَسْلَ الميِّت لا ينقضُ الوُضُوءَ[(543)].
    واستدلُّوا على ذلك بما يلي:
    1- أن النقضَ يحتاجُ إلى دليل شرعيٍّ يرتفعُ به الوُضُوءُ الثَّابتُ بدليل شرعيٍّ، ولا دليل على ذلك من كتاب الله، ولا من سُنَّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، ولا من الإجماع.
    وأجابوا عما وَرَدَ عن هؤلاء الصَّحابة الثَّلاثة:
    أن الأمر يحتملُ أن يكون على سبيل الاستحباب، وفرضُ شيء على عباد الله من غير دليل تطمئنُّ إليه النَّفس أمر صعب، لأن فرض ما ليس بفرض كتحريم ما ليس بحرام.
    ولأننا إذا فرضنا عليه الوُضُوء، فقد أبطلنا صلاته إِذا غسَّل الميِّت وصلَّى ولم يُعِد الوُضُوء، وإبطال الصَّلاة أمر صعب يحتاج إلى دليل بيِّنٍ.

    ، وأكْلُ اللَّحْمِ خاصَّة من الجَزُور ...........
    قوله: «وأكل اللَّحم خاصَّة من الجَزُورِ» ، يعني وينقض أكلُ اللَّحم خاصَّة من الجزور، وهذا هو النَّاقضُ السابعُ من نواقض الوُضُوء، وهو من مفردات مذهب أحمد رحمه الله[(544)].
    وقوله: «وأكل اللحم» يشمل النِّيء والمطبوخ؛ لأنَّه كلَّه يُسمَّى لحماً. وخرج بقوله: «أكلُ» ما لو مضغه ولم يبلعه، فإِنه لا ينتقض وضوءُه؛ لأنه لا يُقال لمن مضغ شيئاً ثم لفظه: إنه أكله.
    وقوله: «خاصَّة» يعود إلى اللَّحم لا إلى الجزور؛ لأن قوله «الجزور» يُغني عن «خاصَّة».
    وخرج بكلمة «خاصَّة» ما عدا اللحم كالكِرْش، والكبد، والشَّحم، والكلية، والأمعاء، وما أشبه ذلك.
    والدَّليل على ذلك:
    1- أن هذه الأشياء لا تدخل تحت اسم اللَّحم، بدليل أنك لو أمرت أحداً أن يشتريَ لك لحماً، واشترى كرشاً؛ لأنكرت عليه، فيكون النقضُ خاصًّا باللَّحم الذي هو «الهَبْرُ»[(545)].
    2- أنَّ الأصل بقاءُ الطَّهارة، ودخولُ غير «الهَبْر» دخولٌ احتماليٌّ، واليقينُ لا يزول بالاحتمال.
    3- أنَّ النَّقْضَ بلحم الإِبل أمرٌ تعبُّديٌّ لا تُعرف حكمته، وإِذا كان كذلك، فإِنه لا يمكن قياس غير الهَبْرِ على الهَبْر؛ لأن من شرط القياس أن يكون الأصل معلَّلاً، إِذ القياس إِلحاق فرع بأصل في حُكم لِعلَّةٍ جامعة، والأمور التعبُّدية غير معلومة العِلّة وهذا هو المشهور من المذهب.
    والصَّحيح: أنه لا فرق بين الهَبْرِ وبقيَّة الأجزاء، والدَّليل على ذلك:
    1- أنَّ اللَّحم في لُغَة الشَّرع يشمل جميعَ الأجزاء، بدليل قوله تعالى: {{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ}} [المائدة: 3] ، فلحم الخنزير يشمل كلَّ ما في جلده، بل حتى الجلد، وإِذا جعلنا التَّحريمَ في لحم الخنزير ـ وهو مَنْعٌ ـ شاملاً جميع الأجزاء فكذلك نجعل الوُضُوء من لحم الجزور ـ وهو أَمْرٌ ـ شاملاً جميع الأجزاء، بمعنى أنك إِذا أكلت أي جزء من الإِبل، فإِنه ينتقض وضوءُك.
    2- أنَّ في الإِبل أجزاءً كثيرة قد تُقارب الهَبْر، ولو كانت غير داخلة لبيَّن ذلك الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم لعِلْمِهِ أنَّ النَّاس يأكلون الهَبْر وغيره.
    3- أنَّه ليس في شريعة محمَّد صلّى الله عليه وسلّم حيوانٌ تتبعَّضُ أجزاؤه حلًّا وحُرمةً، وطَهارةً ونجاسةً، وسلباً وإيجاباً، وإِذا كان كذلك فلتكن أجزاء الإِبل كلُّها واحدة.
    4- أنَّ النَّصَّ يتناول بقيَّة الأجزاء بالعموم المعنوي، على فرض أنه لا يتناولها بالعُموم اللَّفظي؛ إِذْ لا فرق بين الهَبْر وهذه الأجزاء، لأنَّ الكُلَّ يتغذَّى بدمٍ واحد، وطعام واحد، وشراب واحد.
    5- أنَّه إِذا قلنا بوجوب الوُضُوء وتوضَّأنا وصلَّينا، فالصَّلاة صحيحةٌ قولاً واحداً، وإِن قلنا بعدم الوجوب وصلَّينا بعد أكل شيء من هذه الأجزاء بلا وُضُوء، فالصَّلاة فيها خلاف؛ فمن العلماء من قال بالبطلان، ومنهم من قال بالصِّحة، ففيها شُبهة، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «من اتَّقى الشُّبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه»[(546)].
    وقال صلّى الله عليه وسلّم: «دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ»[(547)].
    6- أنَّه روى أحمد في «مسنده» بسندٍ حسن عن أُسيد بن حُضير أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «تَوضَّؤوا من ألبان الإِبل»[(548)].
    وإِذا دلَّت السُّنَّة على الوُضُوء من ألبان الإِبل، فإِن هذه الأجزاء التي لا تنفصل عن الحيوان من باب أَوْلَى. وعلى هذا يكون الصَّحيحُ أنّ أكل لحم الإِبل ناقضٌ للوُضُوء مطلقاً، سواءٌ كان هَبْراً أم غيره.
    وقوله: «من الجزور» أي: البعير، وخرج به اللحم من غير الجزور، وإِن شارك الجزور في الحكم كالبقرة، فإِنها تُسمَّى بدنة وتجزئ عنها في الهدي والأضاحي، ومع ذلك فإِنَّ لحمها لا يَنْقُضُ الوُضُوء، وكذلك اللحم المحرَّم لا ينقض الوضوء، كما لو اضطر إِنسانٌ إِلى أكلِ لحم حمار أو ميتة فإِنه لا ينقض الوُضُوء، وكذا لو أكل اللحم المحرَّم لغير ضرورة، فإِنه لا ينقض وضوءه، لأن الأصل بقاء الطهارة.
    وقوله: «من الجزور» ظاهره أنه لا فرق بين القليل والكثير، والمطبوخ والنِّيء، وسواء كانت الجزور كبيرة أم صغيرة لا تجزئ في الأضحية لعموم الحديث. ولا يُقال: إِنَّ لحم الصَّغير يُترفَّه به كلحم الضأن، فلا يوجب الوُضُوء؛ لأن هذه علَّة مظنونة، والعموم أقوى منها، فنأخذ به.
    وهذا النَّاقض من نواقض الوُضُوء هو من مفردات مذهب أحمد رحمه الله واستدلُّوا على ذلك بما يلي:
    1- حديث جابر بن سَمُرَة رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: أنتوضَّأ من لحوم الإِبل؟ قال: «نعم، فتوضَّأ من لحوم الإِبل»، قال: أنتوضَّأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضَّأ، وإِن شئت فلا تتوضَّأ»[(549)].
    وجه الدَّلالة: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم علَّق الوُضُوء بالمشيئة في لحم الغَنَم، فدلَّ هذا على أنَّ لحم الإِبل لا مشيئة فيه ولا اختيار، وأن الوُضُوء منه واجب.
    2- حديث البراء، وفيه: «توضَّؤوا من لحوم الإبل»[(550)]. والأصل في الأمر الوجوب، قال الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه: فيه حديثان صحيحان عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: حديث البراء، وحديث جابر بن سَمُرة[(551)].
    القول الثاني: أنه لا ينقض الوُضُوء[(552)]، واستدلُّوا على ذلك بما يلي:
    1- حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ـ: «كان آخر الأمرين من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تركُ الوُضُوء مما مسَّت النار»، رواه أهل السُّنن[(553)].
    ووجه الدلالة أن قوله: «مما مسَّت» عام يشمل الإِبل وغيرها، وقد صرَّح بقوله: «كان آخرُ الأمرين»، وإِذا كان آخر الأمرين، فالواجب أن نأخذ بالآخر من الشَّريعة؛ لأن الآخر يكون ناسخاً للأول.
    2- حديث ابن عباس، أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «الوُضُوء ممَّا خَرَج، لا ممَّا دخل»[(554)].
    وأجيب عن هذين الدَّليلين بما يلي:
    أما حديث جابر: «كان آخر الأمرين ترك الوُضُوء مما مسَّت النار»، فلا يعارض حديث الوُضُوء من لحم الإِبل، فضلاً عن أن يكون ناسخاً له؛ لأنه عام، والعام يُحمل على الخاصِّ، باتِّفاق أهل العلم، فيخرج منه الصُّور التي قام عليها دليل التَّخصيص، ولا يُقال بالنسخ مع إِمكان الجمع؛ لأن النَّسخ مع إمكان الجمع إبطال لأحد الدَّليلين، مع أنه ليس بباطل.
    والغرض من حديث جابر: بيان أن الوُضُوءَ مما مسَّت النَّار ليس بواجب؛ فإِن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان قد أمر بالوُضُوء مما مَسَّت النارُ، وصحَّ عنه الأمر بذلك، فقال جابر: «كان آخُر الأمرين تركَ الوُضُوء مما مسَّت النار».
    والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إِذا أمر بأمرٍ وفعل خلافه، دَلَّ على أن الأمر ليس للوجوب.
    وأصَّلَ بعضُ أهل العلم أصلاً ليس بأصيل، ومالَ إِليه الشَّوكاني[(555)]، وهو أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم إِذا أمرَ بأمرٍ، وفعل خلافه، صار الفعلُ خاصًّا به، وبقي الأمر بالنسبة للأمة على مدلوله للوجوب.
    وهذا ضعيف؛ لأنَّ سُنَّة الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم تشمل قوله صلّى الله عليه وسلّم وفعله، فإِذا عارض قولُه فعلَه، فإِن أمكن الجمع فلا خصوصية؛ لأننا مأمورون بالاقتداء به قولاً وفعلاً، ولا يجوز أن نحمله على الخصوصية مع إِمكان الجمع، لأن مقتضى ذلك ترك العمل بشطر السُّنَّة، وهو السُّنَّة الفعلية.
    وأما حديث ابن عباس فضعيف، وإِن صَحَّ موقوفاً[(556)]، فقد خُولف.
    فظهر بذلك ضعفُ دليل من قال: إِن لحمَ الإِبل لا ينقضُ الوضوءَ، ويبقى حديثُ الوُضُوءِ من لحمِ الإِبل سالماً من المعارض المقاوم، وإِذا كان كذلك، وجب الأخذ به، والقول بمقتضاه.
    وأما الوُضُوء من ألبان الإِبل؛ فالصَّحيح أنَّه مستحبٌّ وليس بواجب؛ لوجهين:
    الأول: أنَّ الأحاديث الكثيرة الصَّحيحة واردة في الوُضُوء من لحوم الإِبل، والحديث في الوضوء من ألبانها إِسناده حسن وبعضهم ضعَّفه[(557)].
    الثَّاني: ما رواه أنس في قصة العُرنيين أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أمرهم أن يلحقوا بإِبل الصَّدقة، ويشربوا من أبوالها وألبانها[(558)]... ولم يأمرْهم أن يتوضؤوا من ألبانها، مع أن الحاجة داعية إلى ذلك، فدلَّ ذلك على أن الوُضُوء منها مستحبٌّ.
    مسألة: الوُضُوء من مرقِ لحم الإِبل.
    المذهب: أنه غير واجب، ولو ظهر طعمُ اللَّحم؛ لأنه لم يأكل لحماً.
    وفيه وجه للأصحاب: أنه يجب الوُضُوء[(559)]؛ لوجود الطعم في المرق، كما لو طبخنا لحم خنزير، فإِن مرقه حرام. وهذا تعليل قويٌّ جداً. فالأحوط أن يتوضَّأ، أما إِذا كان المرق في الطَّعام، ولم يظهر فيه أثره فإِنه لا يضرُّ.
    فإن قيل: ما الحكمة من وجوب الوُضُوء من أكل لحم الإبل؟
    فالجواب من وجهين:
    الأول: أن الحكمة أمرُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وكل ما أتى به النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم من الأحكام فهو حكمة.
    قال تعالى: {{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}} [الأحزاب: 36] .
    وقالت عائشة لما سُئلت: ما بال الحائضِ تقضي الصَّوم، ولا تقضي الصَّلاة؟ قالت: «كان يُصيبُنا ذلك على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فنؤمر بقضاء الصَّوم، ولا نؤمر بقضاء الصَّلاة»[(560)].
    ولأننا نؤمن ـ ولله الحمد ـ أن الله لا يأمر بشيء إِلا والحكمة تقتضي فعلَه، ولا ينهى عن شيء إلا والحكمة تقتضي تركَه.
    الثاني: أن بعض العلماء التمس حكمةً فقال: إِن لحم الإِبل شديدُ التَّأثير على الأعصاب، فيُهَيِّجها[(561)]؛ ولهذا كان الطبُّ الحديث ينهى الإِنسان العصبي من الإِكثار من لحم الإِبل، والوُضُوء يسكِّن الأعصاب ويبرِّدها، كما أمر النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بالوُضُوء عند الغضب[(562)]؛ لأجل تسكينه.
    وسواء كانت هذه هي الحكمة أم لا؛ فإِن الحكمة هي أمر النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، لكن إِن علمنا الحكمة فهذا فَضْلٌ من الله وزيادة علم، وإن لم نعلم فعلينا التَّسليم والانقياد.

    الجَزُورِ وكُلُّ ما أَوْجَبَ غُسْلاً، أَوْجَبَ وُضُوءاً،.............
    قوله: «وكلُّ ما أوجب غُسْلاً أوجب وُضُوءاً» ، هذا هو النَّاقض الثَّامن من نواقض الوُضُوء وبه تمَّت النَّواقضُ.
    أي: وكلُّ الذي أوجب غسلاً أوجب وُضُوءاً، وهذا ضابط.
    ولا بُدَّ من معرفة موجبات الغسل حتى نعرف أن هذا الذي أوجب غسلاً أوجب وُضُوءاً، فيكون هذا إِحالة على باب وسيأتي إن شاء الله[(563)].
    فالحدث الأكبر يدخل فيه الحَدَث الأصغر.
    مثال ذلك: خروجُ المنيِّ موجبٌ للغسل، وهو خارجٌ من السَّبيلين فيكون ناقضاً للوُضُوء بقاعدة: أن ما خرج من السَّبيلين فهو ناقض.
    وهذا الضَّابط في النَّفس منه شيء لقوله تعالى: {{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}} [المائدة: 6] . فأوجب الله في الجنابة الغسل فقط، ولم يوجب علينا غسلَ الأعضاء الأربعة، فما أوجب غُسْلاً لم يوجب إِلا الغُسْل، إلا إِن دَلَّ إِجماع على خلاف ذلك، أو دليل.
    ولهذا فالراجح: أن الجنب إِذا نوى رفع الحدث كفى، ولا حاجة إلى أنْ ينويَ رفع الحدث الأصغر.

    إِلاَّ الموتَ ..............
    قوله: «إلا الموت» ، فالموت موجبٌ للغسل، ولا يوجب الوُضُوءَ بمعنى أنه لا يجب على الغاسل أن يوضِّئ الميِّت أولاً.
    فلو جاء رجل وغمس الميِّتَ في نهرٍ ناوياً تغسيله ثم رفعه فإنه يجزئ.
    وهذا من غرائب العلم، كيف ينفون وجوب الوُضُوء في تغسيل الميِّت مع أن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «ابدأن بميامنها، ومواضع الوُضُوء منها»[(564)].
    والتعليلُ على المذهب لاستثناء الموت: أن الشَّارعَ إِنما أمر بتغسيل الميت فقط.
    فيُقال: وكذا الشارع أمر بتغسيل الميت والبداءة بمواضع الوضوء منه.
    فإن قالوا: إِن الموت حَدَث لا يرتفع.
    قلنا: ولكن الأثر الحاصل بتغسيله عندكم بمعنى ارتفاع الحَدَث، لأننا غسَّلناه وحكمنا بطهارته مع أن الحَدَث الموجب للطَّهارة ما زال باقياً، فيكون بمعنى ارتفاع الحدث.
    ونحن نوافق أن الموت موجبٌ للغسل، ولا يوجب الوُضُوء، لعدم الدَّليل الصريح على وجوب الوُضُوء. وإِن كان يحتمل أن الوُضُوء واجب؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ومواضع الوُضُوء منها»[(565)].
    فالظَّاهر أن موجبات الغُسْل لا توجب إِلا الغُسْل لعدم الدَّليل على إِيجاب الوُضُوء.

    ومَنْ تَيَقَّنَ الطهارةَ وشَكَّ في الحَدَثِ، أَوْ بِالْعَكْسِ بَنَى على اليقينِ،............
    قوله: «ومن تيقَّن الطَّهارة وشَكَّ في الحدث أَوْ بالعَكْسِ بَنَى على اليقينِ» ، يعني: إِذا تيقَّن أنه طاهر، وشك في الحدث فإِنه يبني على اليقين، وهذا عام في موجبات الغُسل، أو الوُضُوء.
    مثاله: رجل توضَّأ لصَلاةِ المغرب، فلما أذَّن العِشَاء وقام ليُصلِّي شَكَّ هل انتقض وضوءُه أم لا؟
    فالأصل عدم النَّقضِ فيبني على اليقين وهو أنه متوضِّئ.
    مثال آخر: استيقظ رجلٌ فوجد عليه بللاً، ولم يرَ احتلاماً، فشكَّ هل هو منيٌّ أم لا؟ فلا يجب عليه الغسل للشَّكِّ.
    ولو رأى عليه أثر المنيِّ وشكَّ هل هو من الليلة البعيدة أم القريبة؟ يجعله من القريبة لأنها مُتيقَّنة، وما قبلها مشكوك فيه.
    ودليل ذلك حديث أبي هريرة، وعبد الله بن زيد رضي الله عنهما في الرَّجُل يجد الشيءَ في بطنه، ويُشْكِلُ عليه: هل خرج منه شيء أم لا؟ فقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا ينصرف حتى يسمعَ صوتاً، أو يجد ريحاً»[(566)]، وفي حديث أبي هريرة: «لا يخرج» (566) ، أي: من المسجد «حتى يسمعَ صوتاً أو يجدَ ريحاً» (566) مع أن قرينةَ الحَدَثِ موجودةٌ، وهي ما في بَطْنِهِ من القرقرة والانتفاخ.
    وقوله: «أو بالعكس»، يعني أن من تَيَقَّنَ الحدثَ وشكَّ في الطَّهارة، فالأصْل الحدث.
    ويُستدلُّ لهذه المسألة بحديث أبي هريرة، وعبد الله بن زيد من باب قياس العكس.
    وقياس العكس ثابت في الشَّريعة، قال صلّى الله عليه وسلّم: «وفي بُضْعِ أحدكم صدقة»، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدُنا شهوَتَه، ويكون له فيها أجْرٌ؟ قال: «نعم، أرأيتم لو وَضَعَها في حرام؛ أكان عليه وِزْر؟»، قالوا: نعم، فقال: «فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجرٌ[(567)].
    وكذا لو كان عليه جنابة، وشكَّ هل اغتسل أم لا؟ فإِنه يغتسل، ولا يتردَّد.
    وهذه ـ أعني البناءَ على اليقين وطرحَ الشَّكِّ ـ قاعدة مهمَّة، دَلَّ عليها قولُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِذا شَكَّ أحدكم في صلاته فليطرح الشَّكَّ وليَبْنِ على ما استيقن»[(568)]، ولها فروع كثيرة جدًّا في الطلاق والعقود وغيرهما من أبواب الفقه، فمتى أخذ بها الإنسان انحلَّت عنه إشكالات كثيرة، وزال عنه كثير من الوَساوس والشُّكوك، وهذا من بَرَكَةِ كلام النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وحكمه.
    وهو أيضاً من يُسْرِ الإِسلام وأنه لا يريد من المسلمين الوُقوعَ في القلق والحيرة؛ بل يريد أن تكون أمورهم واضحة جليَّة، ولو استسلم الإِنسان لمثل هذه الشُّكوك لتنغَّصت عليه حياته؛ لأنَّ الشيطان لن يقف بهذه الوساوس والشكوك عند أمور الطَّهارة فقط، بل يأتيه في أمور الصَّلاة والصِّيام وغيرهما، بل في كلِّ أمور حياته؛ حتى مع أهله، فَقَطَعَ الشَّارع هذه الوساوس من أصلها، وأمر بتركها، بل ودفعها حتى لا يكون لها أَثَرٌ على النفس.

    فإِن تَيَقّنَهُمَا، وَجَهلَ السابقَ، ...........
    قوله: «فإِن تَيَقَّنَهُمَا وجهل السَّابق» ، أي: تيقَّن أنه مرَّ عليه طهارةٌ وحَدَثٌ تَيَقَّنَهُمَا جميعاً، ولكن لا يدري أيُّهما الأول، فيُقال له: ما حالُكَ قَبْلَ هذا الوقت الذي تبيَّن لك أنَّكَ أحدثت وتَطَهَّرْتَ فيه؟
    فإن قال: محدث، قلنا: أنت الآن متطهِّر. وإِن قال: متطهِّر، قلنا: أنت الآن محدث.
    مثاله: رجل متيقِّنٌ أنَّه على وُضُوء من صلاة الفجر إلى طلوع الشَّمس، وبعد طلوع الشمس بساعة أراد أن يُصلِّي الضُّحَى، فقال: أنا متيقِّن أنَّه من بعد طلوع الشَّمس إِلى الآن حصل مِنِّي حَدَث ووُضُوء، ولا أدري أيُّهُما السَّابق. نقول: أنت الآن محدث.
    وإن قال: أنا متيقِّن أني بعد صلاة الفجر نَقَضْتُ الوُضُوءَ، وبعد طلوع الشمس حَصَل مِنِّي حَدَثٌ ووُضُوء، نقول: أنت الآن طاهر.
    والتَّعليل: أنه تيقَّن زوال تلك الحال إلى ضِدِّها، وشَكَّ في بقائه، والأصل بقاؤه.
    ففي الصُّورة الأولى تيقَّن أنَّه كان على وُضُوء إلى طلوع الشَّمس، ثم تيقَّن أنه أحْدَثَ بعد ذلك، ثم شَكَّ هل زال الحدث أم لا؟ فيُقال: إِنك محدث لأنَّ الأصل بقاء الحدَثِ الذي تَيَقَّنْتَه، وهكذا.
    فإِن تيقَّن الطَّهارة والحَدَث؛ وجهل السَّابق منهما؛ وجهل حاله قَبْلَهُمَا؛ وَجَبَ عليه الوُضُوء؛ لأنه ليس هناك حال متيقَّنة ويُحَالُ الحكم عليها. وهذا هو المذهب.
    وقال بعض العُلماء: إِنه يجب الوُضُوء مطلقاً[(569)].
    والتَّعليل: أنَّه تيقَّن أنه حصل له حالان، وهذان الحالان مُتَضَادَّان ولا يدري أيُّهما الأسبق، فلا يدري أيُّهما الوارد على الآخر فيتساقطان، وقد تيقَّن زوال تلك الحال الأولى، فيجب عليه الوُضُوء احتياطاً كما لو جهل حاله قبلهما.
    والقول بوجوب الوُضُوء أَحْوَطَ، لأنه مثلاً بعد طلوع الشمس متيقِّن أنه أَحْدَثَ وتَوَضَّأ، ولا يدري الأسبق منهما، وفيه احتمال أنه توضَّأ تجديداً ثم أحدث، فصار يجب عليه الوُضُوء الآن، وإِذا كان هذا الاحتمال وارداً فلا يخرج من الشَّكِّ إِلا بالوُضُوءِ.
    وهذا الوُضُوء إِنْ كان هو الواجب فقد قام به، وإِلا فهو سُنَّةٌ. والفقهاء رحمهم الله قالوا: إِذا قَوِيَ الشَّكُّ فإِنه يُسَنُّ الوُضُوء؛ لأجل أن يُؤَدِّي الطَّهارة بيقين[(570)].
    والحاصل أن الصُّوَرَ أربع وهي:
    الأولى: أن يتيقَّن الطَّهارة ويَشُكَّ في الحَدَثِ.
    الثانية: أن يتيقَّن الحَدَثَ ويشكَّ في الطَّهارة.
    الثَّالثة: أن يَتَيَقَّنَهُمَا ويجهلَ السَّابق منهما، وهو يعلم حاله قَبْلَهُمَا.
    الرَّابعة: أن يَتَيَقَّنَهُمَا ويجهلَ السَّابق منهما، وهو لا يعلم حاله قَبْلَهُمَا، وقد تبيَّن حكم كلِّ حالٍ من هذه الأحوال.
    وبهذا التَّقسيم وأمثاله يتبيَّن دقَّة ملاحظة أهل العِلْمِ؛ وأنه لا تكاد مسألة تَطْرأُ على البال إِلاَّ وذكروا لها حُكْماً، وهذا من حِفْظِ الله تعالى للشَّريعة، لأنَّه لولا هؤلاء العلماء الأَجِلاَّء الذين فَرَّعوا على كتاب الله تعالى وعلى سُنَّةِ رسوله صلّى الله عليه وسلّم ما فَرَّعوا؛ لفاتنا كثير من هذه الفروع.

    ويَحْرُمُ على المحدِثِ مسُّ المُصْحَفِ،..........
    قوله: «ويحرم على المحدِث مسُّ المصحف» ، المصْحَفُ: ما كُتِبَ فيه القرآن سواء كان كاملاً، أو غير كامل، حتى ولو آية واحدة كُتِبَتْ في ورقة ولم يكن معها غيرها؛ فحكمها حكم المصحف.
    وكذا اللَّوح له حكم المصحف؛ إِلا أن الفقهاء استثنوا بعض الحالات.
    وقوله: «المحدِث»، أي: حدثاً أصغر أو أكبر؛ لأن «أل» في المحدث اسم موصول فتشمل الأصغر والأكبر.
    والحَدَثُ: وصف قائم بالبَدَن يمنع مِنْ فِعْلِ الصلاة ونحوها مما تُشترط له الطَّهارة.
    والدَّليل على ذلك:
    1- قوله تعالى: {{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ *فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ *لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ *تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ *}} [الواقعة] .
    وجه الدِّلالة: أنَّ الضَّمير في قوله: «لا يمسُّه» يعود على القرآن، لأن الآيات سِيقت للتَّحدُّث عنه بدليل قوله: {{تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ *}} [الواقعة] والمنزَّل هو هذا القرآن، والمُطَهَّر: هو الذي أتى بالوُضُوء والغُسُل من الجنابة، بدليل قوله: {{وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}} [المائدة: 6] [(571)].
    فإن قيل: يَرِدُ على هذا الاستدلال: أنَّ «لا» في قوله: «لا يمسُّه» نافية، وليست ناهية، لأنه قال: «لا يمسُّه» ولم يقل: «لا يمسَّه»؟.
    قيل: إِنه قد يأتي الخبر بمعنى الطَّلب، بل إِن الخبر المراد به الطَّلب أقوى من الطَّلب المجرَّد، لأنه يُصوِّر الشيءَ كأنه مفروغ منه، ومنه قوله تعالى: {{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}} [البقرة: 234] ، فقوله: «يَتَرَبَّصْنَ» خبر بمعنى الأمر. وفي السُّنَّة: «لا يبيع الرَّجُل على بيع أخيه»[(572)] بلفظ الخبر، والمراد النَّهي.
    2- ما جاء في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إلى أهل اليمن وفيه: «... ألا يمسَّ القرآن إلا طاهر...»[(573)].
    والطَّاهر: هو المُتطهِّرُ طهارة حسِّيَّة من الحَدَث بالوُضُوء أو الغُسُل، لأن المؤمن طهارته معنوية كاملة، والمصحف لا يمسُّه غالباً إلا المؤمنون، فلما قال: «إلا طاهر» عُلم أنها طهارة غير الطَّهارة المعنوية، بل المراد الطَّهارة من الحَدَث، ويَدُلُّ لهذا قوله تعالى: {{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}} [المائدة: 6] أي طهارة حسِّيَّة؛ لأنه قال ذلك في آية الوضوء والغُسل.
    3- من النَّظر الصَّحيح: أنَّه ليس في الوجود كلام أشرف من كلام الله، فإذا أَوْجَبَ الله الطَّهارة للطَّواف في بيته، فالطَّهارة لِتِلاوَةِ كتابه الذي تَكَلَّم به من باب أولى، لأننا نَنْطق بكلام الله خارجاً من أفواهنا، فَمُمَاسَّتنا لهذا الكلام الذي هو أشرف من البناء يقتضي أن نكون طاهِرِين؛ كما أن طوافنا حول الكعبة يقتضي أن نكون طاهرين، فتعظيماً واحتراماً لكتاب الله يجب أن نكون على طهارة.
    وهذا قول جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة[(574)].
    وقال داود الظَّاهري وبعض أهل العلم: لا يحرم على المُحْدِثِ أن يَمَسَّ المصحف[(575)].
    واستدلُّوا: بأن الأصل براءة الذِّمة، فلا نُؤَثِّم عباد الله بفعل شيء لم يَثْبُتْ به النَّص.
    وأجابوا عن أدلَّة الجمهور:
    أما الآية فلا دلالة فيها، لأن الضَّمير في قوله: «لا يمسُّه» يعود إلى «الكتاب المكنون»، والكتاب المكنون يُحْتَمَلُ أن المرادَ به اللوحُ المحفوظ، ويُحْتَملُ أن المرادَ به الكتب التي بأيدي الملائكة. فإن الله تعالى قال: {{كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ *فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ *فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ *مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ *بِأَيْدِي سَفَرَةٍ *كِرَامٍ بَرَرَةٍ *}} [عبس] ، وهذه الآية تفسير لآية الواقعة، فقوله: {{فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ *}} كقوله: {{فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ *}} [الواقعة] .
    وقوله: {{بِأَيْدِي سَفَرَةٍ *}}، كقوله: {{لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ *}} [الواقعة] .
    والقرآنُ يُفسِّر بعضه بعضاً، ولو كان المراد ما ذَكَرَ الجمهور لقال: «لا يمسُّه إلا المطَّهِّرون» بتشديد الطاء المفتوحة وكسر الهاء المشددة، يعني: المتطهرين، وفرق بين «المطهَّر» اسم مفعول، وبين «المتطهِّر» اسم فاعل، كما قال الله تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}} [البقرة: 222] .
    وقولهم: إن الخبر يأتي بمعنى الطَّلب، هذا صحيح لكن لا يُحْمَلُ الخبر على الطلب إِلا بقرينة، ولا قرينة هنا، فيجب أن يبقى الكلام على ظاهره، وتكون الجملة خَبَريَّة، ويكون هذا مؤيِّداً لما ذكرناه من أن المراد بـ«المطهَّرون»، الملائكة كما دلَّت على ذلك الآيات في سورة «عبس».
    وأما قوله: {{تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ *}} [الواقعة]، فهو عائدٌ على القرآن، لأن الكلام فيه، ولا مانع من تداخل الضَّمائر، وعود بعضها إلى غير المتحدَّث عنه، ما دامت القرينة موجودة.
    ثم على احتمال تساوي الأمرين فالقاعدة عند العلماء إنه إِذا وُجِدَ الاحتمال بَطلَ الاستدلال. فيسقط الاستدلال بهذه الآية، فنرجع إلى براءة الذِّمة.
    وأما بالنسبة لحديث عمرو بن حزم: فهو ضعيف، لأنه مُرسَل، والمرسل من أقسام الضَّعيف، والضَّعيف لا يُحْتَجُّ به في إثبات الأحكام؛ فضلاً عن إِثبات حُكْمٍ يُلْحِقُ بالمسلمين المشَقَّة العظيمة في تكليف عباد الله ألا يقرؤوا كتابه إلا وهو طاهرون، وخاصَّة في أيام البرد.
    وإذا فرضنا صِحَّتَهُ بناء على شُهْرَتِهِ فإن كلمةَ «طاهر» تَحْتَمِلُ أن يكونَ طاهرَ القلب من الشِّرك، أو طاهر البَدَنِ من النَّجَاسَة، أو طاهراً من الحدث الأصغر؛ أو الأكبر، فهذه أربعة احتمالات، والدَّليل إِذا احتمل احتمالين بَطلَ الاستدلال به، فكيف إِذا احتمل أربعة؟
    وكذا فإِن الطَّاهر يُطْلَقُ على المؤمن لقوله تعالى: {{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}} [التوبة: 28] ، وهذا فيه إثبات النَّجاسة للمُشرك.
    وقال صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ المؤمنَ لا يَنْجُس»[(576)]، وهذا فيه نَفْيُ النَّجاسة عن المؤمن، ونفي النَّقيضِ يستلزم ثبوت نقيضه، لأنَّه ليس هناك إِلا طَهَارة أو نَجَاسة، فلا دلالة فيه على أن من مَسَّ المصْحَفِ لا يكون إِلا من مُتَوضِّئ.
    وأما بالنِّسبة للنَّظَر: فنحن لا نُقِرُّ بالقياس أصلاً، لأن الظَّاهِريَّة لا يقولون به.
    وعندي: أن ردَّهم للاستدلال بالآية واضح، وأنا أوافقهم على ذلك.
    وأما حديث عمرو بن حزم فالسند ضعيف كما قالوا[(577)]، لكنْ مِنْ حيثُ قَبُولُ النَّاسِ له، واسْتنادُهم عليه فيما جاء فيه من أحكام الزَّكاة والدِّيات وغيرها، وتلقِّيهم له بالقَبُول يَدلُّ على أنَّ له أصلاً، وكثيراً ما يكون قَبُول النَّاس للحديث سواء كان في الأمور العلميَّة أو العَمَليَّة قائماً مقام السَّند، أو أكثر، والحديث يُسْتَدلُّ به من زمن التابعين إِلى وقتنا هذا، فكيف نقول: لا أَصْلَ له؟ هذا بَعيد جدًّا.
    وكنت في هذه المسألة أميل إلى قول الظَّاهِريَّة، لكنْ لمَّا تأمَّلتُ قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يمسُّ القرآن إلا طاهر»، والطَّاهرُ يُطْلَق على الطَّاهر من الحدث الأصغر والأكبر لقوله تعالى: {{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}} [المائدة: 6] ، ولم يكن من عادة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أن يُعَبِّرَ عن المؤمن بالطَّاهر؛ لأنَّ وَصْفَهُ بالإِيمان أَبْلَغُ، تبيَّن لي أنَّه لا يجوز أن يمسَّ القرآنَ مَنْ كان محدثاً حدثاً أصغر، أو أكبر، والذي أَرْكَنُ إِليه حديث عمرو بن حزم، والقياس الذي استُدلَّ به على رأي الجمهور فيه ضعف، ولا يقوى للاستدلال به، وإِنما العُمْدَة على حديث عمرو بن حزم.
    وقد يقول قائل: إِنَّ كتابَ عمرو بن حزم كُتِبَ إلى أهل اليَمَنِ، ولم يكونوا مسلمين في ذلك الوقت، فَكَوْنُهُ لِغَيْرِ المسلمين يكون قرينة أنَّ المراد بالطَّاهر هو المؤمِن.
    وجَوَابُه: أن التَّعبير الكثير مِنْ قوله صلّى الله عليه وسلّم أن يُعَلِّقَ الشَّيء بالإيمان، وما الذي يَمْنَعُهُ مِنْ أن يقول: لا يَمَسُّ القرآنَ إِلا مُؤْمِنٌ، مع أنَّ هذا واضح بَيِّن.
    فالذي تَقَرَّرَ عندي أخيراً: أنَّه لا يجوز مَسُّ المصْحَفِ إِلا بِوُضُوء.
    مسألة: هل المحرَّمُ مَسُّ القرآنِ، أو مَسُّ المصحفِ الذي فيه القرآن؟ فيه وَجْهٌ للشَّافعية: أن المحرَّم مسُّ نَفْس الحروفِ دونَ الهوامِش[(578)]، لأنَّ الهوامِش وَرَقٌ، قال تعالى: {{بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ *فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ *}} [البروج] ، والظَّرف غير المظروف.
    وقال صلّى الله عليه وسلّم: «لا يَمَسَّ القرآنَ إِلا طَاهِرٌ»[(579)].
    وقال الحنابلة: يَحْرُمُ مَسُّ القرآن وما كُتِبَ فيه؛ إِلا أنَّه يجوز للصَّغير أن يَمَسَّ لوحاً فيه قُرآن بِشَرْطِ ألاَّ تقع يَدُهُ على الحروف[(580)].
    وهذا هو الأحوط؛ لأنه يَثْبُتُ تبعاً ما لا يَثْبُتُ استقلالاً.
    مسألة: هل يَشْمُل هذا الحُكْم مَنْ دونَ البُلُوغ.
    قال بعض العلماء: لا يَشْمُل الصِّغار لأنَّهم غير مكلَّفين[(581)]، وإِذا كانوا غير مكلَّفين فكيف نُلزمهم بشَيءٍ لا يتعلَّق به كُفْر، ولا ما دون الكُفْرِ؛ إِلا أنه مَعْصِيَة للكبير، وهؤلاء ليسوا من أهل المعاصي لِرَفْعِ القلمِ عنهم.
    وهل يلزم وَلِيُّهُ أنْ يأمره بذلك، أو لا يلزمه؟
    الصَّحيح عند الشَّافعية: أنه لا يلزمه الوُضُوء، ولا يَلزم وليَّه أن يُلزِمه به[(582)]؛ لأنه غير مكلَّف.
    ولأن إِلزام وليِّه به فيه مَشَقَّة وهو غير واجب عليه، وإِذا كان فيه مشقَّة في أمر لا يجب على الصَّغير، فإِنه لا يُلزِمه به وَلِيُّه.
    والمشهور عند الحنابلة: أنه لا يجوز للصَّغير أن يَمَسَّ القرآن بلا وُضُوء، على وليِّه أن يُلزِمه به كما يلزمه بالوُضُوء للصَّلاة[(583)]، لأنه فعل تُشترط لحِلِّه الطَّهارة، فلا بُدَّ من إِلزام وليِّه به.
    واستثنوا اللوح، فيجوز للصَّغير أن يَمَسَّه ما لَمْ تقع يدهُ على الحروف[(584)]. وعَلَّلَ بعضُهم ذلك بالمشقَّة[(585)]، وعَلَّلَ آخرون بأنَّ هذه الكتابة ليست كالتي في المصحف (585) ، لأن التي في المصحف تُكْتَبُ للثُّبوت والاستمرار، أمَّا هذه فلا.
    ولو كَتَبْتَ قرآناً معكوساً ووضعتَه أمام المرآة، فإنه يكون قرآناً غير معكوس، ولا يَحْرُم مس المرآة، لأن القرآن لم يُكتبْ فيها.
    وظاهِرُ كلام الفُقَهاء رحمهم الله: أنه لا يجوز مَسُّ «السُّبُّورة»[(586)] الثَّابتة بلا وُضُوء إِذا كُتِبَتْ فيها آية، لكن يجوز أن تَكتبَ القرآن بلا وُضُوء ما لم تمسَّها. وقد يُقال: إِن هذا الظَّاهر غير مراد؛ لأنه يُفرَّق بين المصحف أو اللوح وبين السُّبُّورة الثَّابتة، بأنَّ المصحف أو اللوح يُنْقَل ويُحْمَل فيكون تابعاً للقرآن بِخِلاف السبّورة الثابتة.
    وأمَّا كُتُب التَّفسير فيجوز مَسُّها؛ لأنها تُعْتَبر تفسيراً، والآيات التي فيها أقلُّ من التَّفسير الذي فيها.
    ويُسْتَدَلُ لهذا بكتابة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم الكُتُبَ للكُفَّارِ، وفيها آيات من القرآن[(587)]، فدلَّ هذا على أن الحُكْمَ للأغلب والأكثر.
    أما إِذا تساوى التَّفسير والقُرآن، فإِنَّه إِذا اجتمع مبيحٌ وحاظرٌ ولم يتميَّز أحدُهما بِرُجْحَانٍ، فإِنه يُغلَّب جانب الحظر فيُعْطى الحُكْمُ للقرآن.
    وإن كان التَّفسير أكثر ولو بقليل أُعْطِيَ حُكْمَ التَّفسير.

    والصَّلاةُ، ........
    قوله: «والصَّلاة» ، أي: تَحْرُمُ الصَّلاة على المحدِثِ، وذلك بالنَّصِّ من الكتاب والسُّنَّة والإِجماع.
    أولاً: الكتاب:
    قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}} [المائدة: 6] ، ثم علَّلَ ذلك بأن المقصود التطهُّر لهذه الصَّلاة.
    وعلى هذا فالطَّهارة شَرْطٌ لِصحَّةِ الصَّلاة وجَوازِها، فلا يَحِلُّ لأحَدٍ أن يُصَلِّيَ وهو مُحْدِثٌ، سواء كان حَدثاً أصغر أو أكبر.
    فإِن صلَّى وهو مُحْدِثٌ، فإِنْ كان هذا استهزاء منه؛ فهو كافر لاستهزائه. وإِنْ كان متهاوناً فقد اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في تكفيره.
    فمذهب أبي حنيفة رحمه الله: أنه يَكْفُر[(588)]، لأن من صلَّى وهو مُحْدِثٌ مع عِلْمِهِ بإِيجاب الله الوُضُوء فهذا كالمستهزئ، والاستهزاء كُفْرٌ كما قال الله تعالى: {{قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} } [التوبة: 65، 66] .
    ومَذْهَبُ الأئمة الثَّلاثة: أنَّه لا يَكْفُر[(589)]، لأنَّ هذه معصيةَ، ولا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِهِ أنْ يكونَ مُسْتَهزئاً.
    ولهذا قلنا: إِنْ صَلَّى بلا وُضُوء استهزاء فإِنَّه كافر، وإلا فلا، وهذا أقرب، لأنَّ الأَصْلَ بقاءُ الإِسلام، ولا يمكن أنْ نُخرِجه منه إلا بدليل.
    ثانياً: السُّنَّة:
    قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يَقْبَلُ الله صلاةً بغير طُهُور»[(590)]، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاة بغير طُهُور»[(591)]، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «لا يقبل الله صلاة أَحَدِكُمْ إِذا أَحْدَثَ حتى يتوضَّأ»[(592)].
    ثالثاً: الإجماع:
    فقد أجمع المسلمون أنه يَحْرُمُ على المحْدِثِ أن يُصَلِّيَ بلا طَهَارة.
    والصَّلاة هي التي بَيَّنَهَا الرَّسولُ صلّى الله عليه وسلّم تحريمها التَّكبير، وتحليلها التَّسليم، سواء كانت ذاتَ رُكوع وسُجود أم لا.
    فالفرائض الخَمسُ صلاة، والجمعة، والعيدان، والاستسقاء، والكسوف، والجنازة صلاة، لأن الجنازة مُفتتحة بالتكبير، مُختتمة بالتَّسليم، فينطبق عليها التَّعريف الشَّرعي، فتكون داخلة في مُسَمَّى الصَّلاة.
    وقال بعض العلماء: إِنَّ الصَّلاةَ هي التي فيها رُكُوع وسجود[(593)].
    وقال آخرون: إِن الصَّلاة هي التي تكون رَكْعَتَيْن فأكثر، إِلا الوِتْر فهو صلاة، ولو رَكْعَة (593) .
    والأوَّل هو الأصحُّ.
    وبناءً على هذا التَّعريف ننظر في سجدتَي التِّلاوة والشُّكر هل يكونان صلاة؟
    فالمشهور من المَذْهَبِ أنهما صلاة تُفْتَتَحُ بالتكبير، وتُخْتَتَمُ بالتَّسليم، ولهذا يُشرعُ عندهم أن يُكبِّر إِذا سجد وإِذا رفع، ويُسلِّم. وبِنَاءً على هذا يَحْرُمُ على المحْدِثِ أن يَسْجُدَ للتِّلاوة أو الشُّكْر وهو غير طاهر. فالخلاف في اشتراط الطَّهارة لهما مبنيٌّ على أنَّ سَجْدَتَي التِّلاوة والشُّكر هل هما صلاة أم لا؟ فإِن قُلْنا: إِنهما صلاة وَجَبَ لهما الطَّهارة، وإن قلنا: إنهما غير صلاة لم تَجِبْ لهما الطهارة.
    والمتأمِّلُ للسُّنَّةِ يُدْرِك أنهما ليسا بصلاة لما يلي:
    1- أن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم كان يسجد للتِّلاوة، ولم يُنْقَل عنه أنه كان يُكبّر إذا سجد أو رفع،ولا يسلِّم، إلا في حديث رواه أبو داود في التَّكبير للسجود دُونَ الرَّفع منه، ودُونَ التَّسليم[(594)].
    2- أن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم سَجَدَ في سورة النَّجْمِ، وسجد معه المسلمون والمشركون، والمشركُ لا تصحُّ منه صلاة، ولم يُنكر النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ذلك[(595)].
    وهذا قَدْ يُعَارَضُ فيه، فيُقال: إِنَّ سُجُودَ المشرِكين في ذلك الوقت كان قَبلَ فَرْضِ الوُضُوءِ، لأنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ لمْ يَكُنْ إِلا مع فَرْض الصَّلاةِ، والصَّلاةُ لم تُفرض إِلا مُتأخِّرة قبل الهجرة بسَنةٍ، أو بثلاثِ سَنَوات، وما دام الاحتمالُ قائماً فالاستِدْلال فيه نظر.
    والمتأمِّل لِسُجُودِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للشُّكر، أو التِّلاوة يَظْهَرُ له أنه لا يُكَبِّر، وعليه لا تكون سجدة التِّلاوة والشُّكر من الصَّلاة، وحينئذٍ لا يَحْرُم على مَنْ كان مُحْدِثاً أن يَسْجُدَ للتِّلاوة أو الشُّكْرِ وهو على غَير طَهَارة، وهذا اختيار شيخ الإِسلام رحمه الله[(596)].
    وصَحَّ عن عبد الله بنِ عُمَر رضي الله عنه أنه كان يَسْجُدُ للتِّلاوة بلا وُضُوء[(597)].
    ولا رَيْبَ أنَّ الأفضل أن يتوضّأ، ولا سيَّما أن القارئ سوف يَتْلُو القرآن، وتِلاوَةُ القرآن يُشْرَعُ لها الوُضُوء، لأنها مِنْ ذِكْرِ الله، وكلُّ ذكر لله يُشرع له الوُضُوء.
    أمَّا اشتراط الطَّهارة لِسُجُودِ الشُّكر فَضَعيف، لأنَّ سَبَبَهُ تَجدُّد النِّعَمِ، أو تجدُّد اندفاع النِّقَمِ، وهذا قد يَقَعُ للإِنسان وهو مُحْدِث.
    فإن قلنا: لا تَسْجُدُ حتّى تَتَوَضَّأ؛ فرُبَّما يطول الفصل، والحُكْمُ المعلَّق بِسَبَبٍ إِذا تأخَّرَ عن سببه سقط، وحينئذٍ إِمّا أن يُقال: اسْجُدْ على غير وُضُوء، أو لا تسجد، لأنه قد لا يَجِدُ الإِنسانُ ماءً يتوضَّأ منه سريعاً ثمَّ يَسْجُد.
    أما سُجُود التِّلاوة فَيَنْبَغِي ألا يَسْجُدَ الإِنسانُ إِلا وهو على طَهَارةٍ كما أنَّهُ يَنْبغي أَنْ يقرأ على طهارة.

    والطَّوافُ.
    قوله: «والطَّواف» ، أي: يَحْرُمَ على المُحْدِثِ الطَّوافُ بالبيتِ، سواء كان هذا الطَّواف نُسُكاً في حَجٍّ، أو عُمْرَةٍ أو تَطَوُّعاً، كما لو طَافَ في سَائِرِ الأيَّام.
    والدَّليل على ذلك:
    1 ـ أنه ثَبَتَ عنِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّه حين أراد الطَّواف تَوَضَّأ ثمَّ طاف[(598)].
    2 ـ حديث صفيَّة لمَّا قيل له: إِنَّ صَفِيَّة قد حاضَتْ، وظنَّ أنها لم تَطُفْ للإِفاضة فقال: «أحابستنا هي؟»[(599)].
    والحائِضُ معلوم أنَّها غيرُ طاهِرٍ.
    3 ـ حديث عائشة أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال لها حين حاضت: «افعلي ما يفعل الحاجُّ غيرَ أنْ لا تطوفي بالبيت»[(600)].
    4 ـ قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الطَّواف بالبيت صلاة؛ إِلا أنَّ الله أباح فيه الكلام؛ فلا تَكلَّموا فيه إِلا بخير»[(601)].
    5 ـ استدلَّ بعضهم بقوله تعالى: {{وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}} [البقرة: 125] .
    وجه الدَّلالة: أنه إِذا وَجَبَ تطهير مكان الطَّائف، فتطهيرُ بَدَنِهِ أَوْلَى، وهذا قَول جمهورِ العلماء[(602)].
    وقال بعض العلماء: إِنَّ الطَّوافَ لا تُشْتَرطُ له الطَّهارة، ولا يَحْرُمُ على المُحْدِثِ أنْ يَطُوفَ، وإِنَّما الطَّهارة فيه أَكْمَل[(603)].
    واسْتَدَلُّوا: بأنَّ الأَصْلَ بَراءة الذِّمَّة حتى يقوم دليلٌ على تحريمِ هذا الفِعْل إِلاَّ بهذا الشَّرط، ولا دليلَ على ذلك، ولمْ يَقُل النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يوماً من الدَّهْر: لا يقبل الله طَوَافاً بغيرِ طهور، أو: لا تطوفوا حتى تطَّهَّروا. وإِذا كان كذلك فلا نُلْزِم الناس بأمرٍ لم يكن لنا فيه دليلٌ بَيِّنٌ على إِلزامهم، ولا سيَّما في الأحوالِ الحرِجَة كما لو انتقضَ الوُضُوءُ في الزَّحْمَةِ الشَّديدةِ في أيَّامِ الموسِمِ، فَيَلْزمه على هذا القَوْلِ إِعَادَةُ الوُضُوء، والطَّوافِ مِنْ جديد.
    وأجابوا عن أدلَّة الجمهور:
    أنَّ فِعْلَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم المجرَّد لا يدلُّ على الوُجُوبِ، بل يَدلُّ على أنَّه الأفضل، ولا نِزاع في أنَّ الطَّوافَ على طَهَارة أفضل؛ وإِنَّما النِّزاع في كَوْنِ الطَّهارة شَرْطاً لصِحَّة الطَّواف.
    وأمَّا حديث عائشة: «افْعَلي ما يفعل الحاجُّ...» إلى آخره، وقوله صلّى الله عليه وسلّم في صفيَّة: «أحابِسَتنا هي؟». فالحائض إِنما مُنِعَتْ مِنَ الطَّواف بالبيت، لأنَّ الحيض سَبَبٌ لمنْعِها من المُكْثِ في المسجد، والطَّواف مُكْثٌ.
    وأيضاً: فالحيض حَدَثٌ أكبر، فلا يُسْتَدلُّ بهذا على أنَّ المحدِثَ حَدَثاً أصغرَ لا يجوزُ لَهُ الطَّواف بالبيت، وأنتم توافقون على أنَّ المحدِثَ حدثاً أصغر يجوز له المُكْثُ في المسجد، ولا يجوز للحائض أن تَمْكُثَ، فَمَنَاطُ حُكْمِ المنْعِ عندنا هو المُكْثُ في المسجد.
    وأمَّا حديث: «الطَّواف بالبيت صلاة»[(604)] فَيُجَاب عنه:
    1 ـ أنَّه موقوفٌ على ابن عباس، ولا يَصِحُّ رفعه للنبي صلّى الله عليه وسلّم.
    2 ـ أنَّه مُنْتَقَضٌ، لأنَّنا إِذا أخذنا بِلَفْظِهِ، فإِنَّه على القواعِد الأصوليَّة يقتضي أنَّ جميعَ أحكام الصَّلاة تَثْبُتُ للطَّواف إِلاَّ الكلام، لأن مِنَ القواعد الأصولية: أنَّ الاستثناء مِعيار العُمُوم، أي: إِذا جاء شيء عام ثم استثني منه، فكلُّ الأفراد يتضمَّنه العموم، إلا ما اسْتُثْنِيَ، وإِذَا نظرنا إلى الطَّواف وجدناه يُخالِفُ الصَّلاة في غَالِبِ الأحكام غير الكلام، فهو يجوز فيه الأكلُ، والشُّربُ، ولا يجب فيه تكبير ولا تسليم، ولا قراءة، ولا يبطل بالفعل ونحوه، وكلامه صلّى الله عليه وسلّم يكون مُحْكَماً لا يمكن أن يَنْتَقِضَ، فلمّا انْتَقَضَ بهذه الأمور ووجدنا هذه الاستثناءات علمنا أنَّ هذا لا يصحُّ من قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
    وهذا أحد الأوجه التي يُسْتَدَلُّ بها على ضَعْفِ الحديث مرفوعاً، وهو أن يكون متخلخلاً، لا يمكن أن يَصْدُرَ من النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم.
    وأما بالنسبة للآية؛ فلا يَصِحُّ الاستدلال بها، إِذ يلزم منه أنَّ المعْتَكِفَ لا يصحُّ اعتكافُه إلا بطهارة، ولم يَشْتَرِطْ أحدٌ ذلك، إِلا إِنْ كان جُنُباً فيجب عليه أن يَتَطَهَّر ثم يَعْتَكِف؛ لأنَّ الجنابة تُنافي المُكْثَ في المسجد.
    ولا شَكَّ أنَّ الأفضل أن يَطُوفَ بطهارة بالإِجماع، ولا أظنُّ أنَّ أحداً قال: إِنَّ الطواف بطهارة وبغير طهارة سواء، لأنه من الذِّكرِ، ولِفِعْلِهِ صلّى الله عليه وسلّم.
    مسألة: إِذا اضطُرَّت الحائض إِلى الطَّواف[(605)].
    على القول بأنَّ الطَّهارة من الحيض شَرْط فإنها لا تطوف؛ لأنها لو طافت لم يصحَّ طوافها؛ لأنه شرط للصِّحَّة.
    وإن قلنا: لا تطوف لِتَحْرِيمِ المقَام عليها في المسجد الحرام، فإنها إِذا اضْطُرَّت جَازَ لها المُكثُ، وإِذا جاز المُكث جاز الطَّواف.
    ولهذا اخْتَلَفَ العلماءُ في امرأةٍ حاضت ولم تَطُفْ للإِفاضَةِ، وكانت في قافِلَةٍ ولن ينتظروها[(606)]، فهذه القوافل التي لا يمكن أن تنتظر ولا يمكنُ للمرأة أن تَرْجِعَ إِذا سافرت؛ كما لو كانت في أقصى الهند أو أمريكا، فحينئذٍ إِما أن يُقَال: تكون مُحْصَرة فَتَتَحَلَّل بِدَمٍ، ولا يَتِمُّ حَجُّهَا؛ لأنَّها لمْ تَطُفْ. وهذا فيه صُعُوبَةٌ لأنها حينئذٍ لم تُؤَدِّ الفريضةَ.
    أو يقال: تذهب إلى بلدها وهي لم تَتَحَلَّل التَّحَلُّلَ الثَّاني، فلا يَحِلُّ لها أن تتزوَّج ولا يحلُّ لمزوَّجةٍ أن يَقْرَبَهَا زوجُها، وإِنْ مات عنها أو طَلَّقَهَا لا يحلُّ لها أن تتزوَّج، لأنها ما زالت في إِحرام، وهذا فيه مَشَقَّةٌ عظيمة.
    أو يقال: تَبْقَى في مكَّة وهذا غير ممكن.
    أو يُقال: تطوف للضَّرورة، وهذا اختيارُ شيخ الإسلام رحمه الله[(607)]، وهو الصَّواب، لكنْ يجبُ عليها أن تَتَحَفَّظَ حتى لا ينْزل الدَّمُ إلى المسجد فيلوِّثه.

    ---------------------------------

    [482] انظر: «المغني» (1/230).
    [483] تقدم تخريجه ص(241).
    [484] حديث أبي هريرة رواه مسلم، كتاب الحيض: باب الدَّليل على أن من تيقَّن الطهارة ثم شكَّ في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك، رقم (362).
    وحديث: عبد الله بن زيد متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص(59).
    [485] انظر: «الإقناع» (1/57).
    [486] انظر: «الإنصاف» (2/5).
    [487] انظر: «المغني» (1/230).
    [488] انظر: «الإنصاف» (1/218)، (2/11، 12).
    [489] انظر: ص(502).
    [490] انظر: «الإنصاف» (2/13).
    [491] انظر: ص (282، 292).
    [492] انظر: «منظومة في أصول الفقه وقواعد فقهية» للمؤلف رحمه الله ص(16).
    [493] انظر: «الإنصاف» (2/16).
    [494] رواه أبو داود، كتاب الصوم: باب الصائم يستقئ عامداً، رقم (2381)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء في الوضوء من القيء والرعاف، رقم (87)، والنَّسائي في «السنن الكبرى»، كتاب الصيام: باب في الصائم يتقيأ، رقم (3123، 3124)، وابن خزيمة، رقم (36) وابن حبان رقم (1097)، عن أبي الدرداء رضي الله عنه.
    قال ابن منده: «إسناده صحيح متصل».
    قال ابن حجر: «حديث قوي الإسناد». ثم قال: «هذا حديث صحيح».
    انظر: «التلخيص الحبير» رقم (885)، «موافقة الخُبر الخَبر» (1/441).
    [495] انظر: «المغني» (1/247)، «المجموع شرح المهذب» (2/9).
    [496] انظر: «إعلام الموقعين» (1/23)، و«سير أعلام النبلاء» (4/438).
    [497] انظر: «الإنصاف» (2/13).
    [498] انظر: «مجموع الفتاوى» (20/526) و(21/ 242)، «الاختيارات» ص(16).
    [499] رواه الدارقطني (1/157)، والبيهقي (1/141) من حديث أنس.
    والحديث ضعَّفه النووي في «الخلاصة» رقم (295) وقال ابن حجر: «في إسناده صالح بن مقاتل وهو ضعيف»، انظر: «التلخيص الحبير» رقم (152).
    [500] انظر: «المجموع شرح المهذب» (2/14).
    [501] تقدم تخريجه ص(241).
    [502] انظر «المغني» (1/234)، «الإنصاف» (2/20).
    [503] رواه مسلم، كتاب الحيض: باب الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء، رقم (376) وأبو داود، كتاب الطهارة: باب الوضوء من النوم، رقم (200) وهذا لفظه، وصحَّح النووي إسناد أبي داود «الخلاصة» رقم (264).
    [504] رواه البزار [«مختصر الزوائد» رقم (175)، «المطالب العالية» رقم (154)]، وأبو يعلى رقم (3199).
    قال الهيثمي: «رواه البزار وأبو يعلى ورجاله رجال الصحيح»، المجمع (1/248).
    قال البوصيري عن إسناد أبي يعلى: «هذا إسنادٌ صحيحٌ ورواه البزار في مسنده...»، «إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة» (1/ل197).
    قال ابن القطان: «قال قاسم بن أصبغ أحدثنا محمد بن عبد السلام الخُشني، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس قال:... فذكره. وهو ـ كما ترى ـ صحيحٌ، من رواية إمام عن شعبة فاعلمه».
    «بيان الوهم والإيهام» رقم (2806).
    [505] انظر: «الإنصاف» (2/20، 25).
    [506] انظر: «مجموع الفتاوى» (21/230)، «الاختيارات» ص(16).
    [507] رواه أحمد (4/97)، والطبراني في «الكبير» (19/رقم 875)، والدارقطني (1/160) من حديث معاوية. قال ابن حجر: «في إسناده بقية، عن أبي بكر بن أبي مريم وهو ضعيف».
    وروى أبو داود، كتاب الطهارة: باب الوضوء من النوم، رقم (203)، وابن ماجه، كتاب الطَّهارة: باب الوضوء من النوم، رقم (477)، والدارقطني (1/161) عن علي يرفعه «العين وكاء السَّه، فمن نام فليتوضأ».
    قال أحمد: «حديث علي أثبت من حديث معاوية». قال أبو حاتم: «ليسا بقويين».
    وحسَّن المنذري وابن الصلاح حديث عليٍّ، وقال النَّووي: «رواه أبو داود وغيره بأسانيد حسنة».
    انظر: «الخلاصة» رقم (262)، «التلخيص» رقم (159).
    ملاحظة: السَّهِ: الدُّبُر. الوكاء: الخيط الذي تُربط به الخريطة.
    [508] انظر: «الإنصاف» (2/31).
    [509] رواه أحمد (2/333) واللفظ له، وابن حبان رقم (1118)، والدارقطني (1/147)، والبيهقي (2/131) من حديث أبي هريرة.
    والحديث صحَّحه: الحاكم، وابن حبان، وابن عبد البر، وعبد الحق الإِشبيلي، والنووي.
    انظر: «الخلاصة» رقم (270)، «التلخيص الحبير» رقم (166).
    [510] رواه أحمد (6/406، 407)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب الوضوء من مسِّ الذَّكر، رقم (181)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب الوضوء من مسِّ الذكر، رقم (82)، والنسائي، كتاب الطهارة: باب الوضوء من مسِّ الذكر، (1/100) رقم (163)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب الوضوء من مسِّ الذكر، رقم (479) وغيرهم.
    والحديث صحَّحه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، والإسماعيلي. قال البخاري: «هو أصح شيء في الباب».
    قال النووي: «رواه مالك في الموطأ والثلاثة بأسانيد صحيحة».
    انظر: «العلل» للدارقطني [5/ل 197 ـ ب] نسخة دار الكتب، حيث أطال الكلام على هذا الحديث واستوفى طرقه بما لا يزيد عليه، «الخلاصة» رقم (266)، «التلخيص» رقم (165).
    [511] هي رواية ابن حبان انظر ص(246).
    [512] انظر: «الإنصاف» (2/26، 27).
    [513] رواه أحمد (4/23) واللفظ له، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب الرخصة في ذلك، رقم (182، 183)، والنسائي، كتاب الطهارة: باب ترك الوضوء من ذلك (1/101)، رقم (165) والترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء في ترك الوضوء من مسّ الذكر، رقم (85)، وابن ماجه كتاب الطهارة: باب الرخصة في ذلك، رقم (483). وغيرهم.
    والحديث ضعَّفه: الشافعي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والدارقطني، والبيهقي، والنووي، لأجل قيس بن طلق، وقد رجَّح الحافظ ابن حجر أنه «صدوق».
    وصحَّحه بالمقابل: الفلاس، والطبراني، والطحاوي، وابن حزم.
    وقال ابن المديني: «هو عندنا أحسن من حديث بُسرة».
    وقال الطحاوي: «إسناده مستقيم غير مضطرب».
    انظر: «علل الحديث» لابن أبي حاتم (1/48)، «سنن البيهقي» (1/135)، «الخلاصة» للنووي رقم (281)، «المحرر» رقم (83)، و«التلخيص» رقم (165).
    [514] تقدَّم تخريجه، ص(59).
    [515] انظر: «الإنصاف» (2/27).
    [516] تقدم تخريجه، ص(281).
    [517] انظر: «المجموع شرح المهذب» (2/42)، «نيل الأوطار» (1/251).
    [518] انظر: «مجموع الفتاوى» (20/524)، (21/222)، «الاختيارات» (16).
    [519] رواه مسدد بن مسرهد [إتحاف الخيرة المهرة ل148]، والطبراني (8/رقم 8242)، والدارقطني (1/149)، وابن حبان رقم (1122) عن ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه به.
    ورواه الدارقطني (1/148) من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل، عن محمد بن جابر، عن قيس به.
    قال الطحاوي: حديث ملازم صحيح، مستقيم الإسناد. «شرح المعاني» (1/76).
    [520] انظر: ص(286).
    [521] انظر: «الإقناع» (1/59)، «منتهى الإرادات» (1/25).
    [522] انظر: «المجموع شرح المهذب» (2/28).
    [523] انظر: «الإنصاف» (2/45).
    [524] انظر: «الإنصاف» (2/42).
    [525] قرأ بها: حمزة، والكسائي، وخلف. انظر: «إِتحاف فضلاء البشر» للبنَّا (1/531).
    [526] رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب الصلاة على الفراش، رقم (382)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب الاعتراض بين يدي المصلي، رقم (512).
    [527] انظر: «الإنصاف» (2/42).
    [528] رواه أحمد (6/210)، وأبو داود، كتاب الطَّهارة: باب الوضوء من القُبلة، رقم (179)، والنسائي، كتاب الطَّهارة: باب ترك الوضوء من القُبلة (1/104)، رقم (170)، والترمذي، أبواب الطَّهارة: باب ما جاء في ترك الوضوء من القُبلة، رقم (86)، وابن ماجه، كتاب الطَّهارة: باب الوضوءُ من القُبلة، رقم (502) وغيرهم، بأسانيدهم عن وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عائشة به، وهذا الحديث قد أعلَّه البخاري، وأبو حاتم، وأبو داود، والدارقطني، والنووي، وابن حجر، وغيرهم بما ملخصه:
    أولاً: أن عروة في هذا الحديث هو عروة المزني، وليس ابن الزبير، والمزني لم يدرك عائشة.
    ثانياً: حبيب بن أبي ثابت لم يسمعْ من عائشة.
    أما عروة في هذا الحديث فهو عروة بن الزبير كما ورد مصرَّحاً به في رواية الأئمة الثقات عند أحمد وغيره.
    أما عدم سماع حبيب عن عروة فمسلَّم، قال الثوري وابن حنبل وابن معين والبخاري وغيرهم: لم يسمع حبيبُ بن أبي ثابت من عروة بن الزبير شيئاً. «جامع التحصيل» ص(159). إلا أن له طرقاً ومتابعات أخرى يتقوَّى بها، منها: ما رواه البزار في «مسنده» من طريق محمد بن موسى بن أعين، حدثنا أبي، عن عبد الكريم، عن عطاء عن عائشة به.
    قال عبد الحق الإِشبيلي: «موسى بن أعين هذا ثقة مشهور، وابنه مشهور، روى له البخاري، ولا أعلم لهذا الحديث علّة توجب تركَه، ولا أعلم فيه مع ما تقدم أكثر من قول يحيى بن معين: حديثُ عبد الكريم عن عطاء حديث رديء؛ لأنه حديث غير محفوظ، وانفراد الثقة بالحديث لا يضرّه». «الأحكام الوسطى» (1/142) وأقرّه ابن التركماني، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه في «العلل» [5/ل144 ـ ب].
    وقال ابن تيمية: «إسناه جيد». «شرح العمدة» (1/315).
    وقال ابن حجر: «رجاله ثقات». «الدراية» (1/45).
    ورواه أحمد (6/210)، وأبو داود رقم (178) عن إبراهيم التيمي عن عائشة به. قال أبو داود: «هذا مرسل، إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة». وانظر «العلل» للدارقطني [5/152 ـ أ].
    قال ابن تيمية: «غايةُ ما في الإِسناد نوع إِرسال، وإِذا أُرسل الحديث من وجهين مختلفين اعتضد أحدهما بالآخر، ولا سيما وقد رواه البزار بإِسناد جيد عن عطاء عن عائشة مثله»، «شرح العمدة» (1/315).
    وقد احتج ـ بهذا الحديث ـ الإمام أحمد كما في رواية حنبل عنه. ومَالَ ابن عبد البَر إلى تصحيحه.
    انظر: «العلل» للدارقطني [5/ل129 ـ ب، ل 151 ـ أ، ل156 ـ أ] نسخة دار الكتب، «سنن الدارقطني» (1/137)، «سنن البيهقي (1/124)، «التلخيص الحبير» رقم (178).
    [529] رواه عبد الرزاق في «تفسيره» (1/184)، وفي «المصنف» رقم (506)، وابن جرير رقم (9583، 9584، 9585، 9586، 9587)، قال ابن كثير: «وقد صَحَّ من غير وجه عن عبد الله بن عباس أنه قال ذلك». «تفسير ابن كثير» (النساء 43).
    وهذا هو مذهب عمر بن الخطاب، فروى عبد الرزاق رقم (512) عن عمر أنه قبَّلَ امرأته عاتكة بنت زيد، ثم مضى إلى الصلاة فصلَّى ولم يتوضَّأ.
    والأثر صحَّحه أبو عمر بن عبد البر في «الاستذكار» (1/318)، وأقرَّه ابن كثير في «مسند الفاروق» (1/115).
    [530] روى البخاري، كتاب العلم: باب قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: اللهم علِّمه الكتاب، رقم (75)، بلفظ: «اللهم علِّمه الكتاب»، ورواه أحمد (1/266)، والطبراني (10/رقم 10587)، وغيرهما بلفظ: «اللهم فقِّهه في الدِّين وعلِّمه التأويل»، وانظر كلام الحافظ في «الفتح» شرح حديث رقم (75).
    [531] تقدم تخريجه، ص(280).
    [532] انظر: ص(278).
    [533] انظر: «المغني» (1/260).
    [534] انظر: «الإنصاف» (2/47).
    [535] انظر: «الإنصاف» (20/56).
    [536] انظر: «مجموع الفتاوى» (21/245، 250، 251).
    [537] انظر: «مجموع الفتاوى» (11/543)، (28/335).
    [538] انظر: «الإنصاف» (25/210)، «الاختيارات» ص(293).
    [539] انظر: «المغني» (1/261).
    [540] انظر: «الإنصاف» (2/52).
    [541] انظر: «المغني» (1/256).
    [542] روى عبد الرزاق في «مصنفه» (3/405) رقم (6101)، وأبو بكر بن أبي شيبة، كتاب الجنائز: باب من قال: ليس على غاسل الميت غسل، رقم (11134)، والبيهقي (1/305 ـ 306) عن ابن عباس أنه قال في غسل الميت: «يكفي منه الوُضُوء».
    وروى عبد الرزاق أيضاً (3/406، 407)، وأبو بكر بن أبي شيبة، الموضع السابق، رقم (11137)، والبيهقي (1/306) عن ابن عمر أنه قال في غسل الميت: «إِنما يكفيك الوُضوء»، واللفظ لعبد الرزاق.
    وذكر في «المغني» (1/256)، و«شرح العمدة» لابن تيمية (1/342) عن أبي هريرة أنه قال: «أقلُّ ما فيه الوُضُوء».
    ورُويَ نحو ذلك عن: عائشة، وعبد الله بن مسعود، وأبي برزة، وعائذ بن عمرو وغيرهم. انظر: «المراجع السابقة».
    [543] انظر: «الإنصاف» (2/52).
    [544] انظر: «الإنصاف» (2/53، 54).
    [545] الهَبْرَةُ: القطعة من اللحم لا عظم فيها. «المحيط» مادة (هَبَرَ).
    [546] رواه البخاري، كتاب الإيمان: باب فضل من استبرأ لدينه، رقم (52)، ومسلم، كتاب المساقاة: باب أخذ الحلال وترك الشبهات، رقم (1599). من حديث النعمان بن بشير.
    [547] تقدم تخريجه ص(32).
    [548] رواه أحمد (4/352)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل، رقم (496) والطبراني في «الكبير» (1/رقم 559، 560) من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد بن حضير.
    قال البوصيري: «إسناده ضعيف، لضعف حجاج بن أرطأة وتدليسه، وقد خالفه غيره. والمحفوظ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء». وانظر: «العلل» لابن أبي حاتم (1/25) رقم (38). وأورده النووي في قسم الضعيف من «الخلاصة» رقم (280).
    قلت: إذاً رجع الحديثُ إلى حديث البراء بن عازب، وسيأتي تخريجه ص(303). وهو صحيح، إلا أنه ليس فيه الأمر بالوضوء من ألبان الإبل (موضع الشاهد)، إلا ما وقع في بعض ألفاظه، أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «توضأ من لحوم الإبل وألبانها»، رواه الشالنجي. قال ابن تيمية: «إسناده جيد». «شرح العمدة» (1/335)، والله أعلم.
    وللحديث شواهد نسوق بعضها:
    ـ من حديث ابن عمرو. رواه ابن ماجه، الكتاب والباب السابقين، رقم (497)، وفي إسناده بقية بن الوليد وهو مدلس وقد عنعن. وفيه أيضاً خالد بن يزيد الفزاري: مجهول الحال.
    ـ من حديث سمرة السوائي. رواه الطبراني في «الكبير» (7/رقم 7106)، قال الهيثمي: «إسناده حسن»، قلت: فيه سليمان بن داود الشَّاذكوني: حافظ متروك.
    ـ من حديث طلحة بن عبيد الله. رواه إسحاق بن راهويه [إتحاف الخيرة المهرة (1/ل104 ـ 105)] وأبو يعلى رقم (632).
    قال الهيثمي: «فيه مَنْ لم يُسمَّ». قال البوصيري: «مدار طرق هذه الأسانيد على ليث بن أبي سليم وهو ضعيف».
    انظر: «المجمع» (1/250)، «المطالب العالية» (1/101)، «إتحاف الخيرة المهرة» (1/ل105).
    [549] رواه مسلم، كتاب الحيض: باب الوضوء من لحوم الإِبل، رقم (360).
    [550] رواه أبو داود، كتاب الطهارة: باب الوضوء من لحوم الإبل، رقم (184)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب الوضوء من لحوم الإِبل، رقم (81)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل، رقم (494)، وابن خزيمة رقم (32) من حديث البراء بن عازب.
    قال ابن خزيمة: «لم أَر خلافاً بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه». وصحَّحه أيضاً: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، والنووي، وابن تيمية، وغيرهم.
    انظر: «الخلاصة» رقم (275)، «شرح العمدة» لابن تيمية (1/330). «التلخيص الحبير» رقم (154).
    [551] انظر: «المغني» (1/251).
    [552] انظر: «الإنصاف» (2/54).
    [553] رواه ـ بهذا اللفظ ـ أبو داود، كتاب الطهارة: باب في ترك الوضوء مما مسَّت النار، رقم (192)، والنسائي، كتاب الطهارة: باب ترك الوضوء مما غيَّرت النار (1/108) رقم (185)، وابن حبان رقم (1134) عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر به، وأُعِلَّ بعلتين:
    1- أنه مختصر من حديث جابر الطويل؛ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم توضأ ثم أكل خبزاً ولحماً، ثم صَلَّى ولم يتوضَّأ، قاله أبو حاتم الرازي، وأبو داود، وابن حبان، وابن حجر.
    قال أبو حاتم الرازي: هذا حديث مضطرب المتن، إنما هو أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أكل كتفاً ولم يتوضأ. كذا رواه الثقات عن ابن المنكدر عن جابر، ويحتمل أن يكون شعيب حَدَّث به من حفظه فوهم فيه. «العلل» لابنه (1/64) رقم (168).
    2- قال الشافعي: لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إِنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل. «التلخيص الحبير» رقم (155) ـ وعبد الله هذا صدوق في حديثه لين، ويُقال تغيَّر بآخره كما في «التقريب».
    ويشهد لمعناه ما رواه البخاري رقم (5457) عن جابر أنه سُئل عن الوضوء مما مسَّت النار؟ فقال: لا.
    [554] رواه الدارقطني (1/151) رقم (545)، والبيهقي (1/116).
    وضعَّفه: البيهقي، وابن حجر، وغيرهم. انظر: «التلخيص» رقم (158).
    [555] انظر: «نيل الأوطار» للشوكاني، كتاب الطهارة: باب الوضوء من لحوم الإبل (1/253) وباب استحباب الوضوء مما مسته النار (1/262).
    [556] رواه البيهقي (1/116) من طريق وكيع، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس به. وهذا إِسناد صحيح رجاله رجال الصحيح.
    وانظر: «فتح الباري» شرح حديث رقم (1938).
    [557] تقدم تخريجه ص(303).
    [558] رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب أبوال الإِبل والدواب والغنم ومرابضهما، رقم (233)، ومسلم، كتاب القسامة والمحاربين: باب حكم المحاربين والمرتدين، رقم (1671) من حديث أنس بن مالك.
    [559] انظر: «الإِنصاف» (2/61).
    [560] رواه البخاري، كتاب الحيض: باب لا تقضي الحائض الصلاة، رقم (321)، ومسلم، كتاب الحيض: باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، رقم (335).
    [561] انظر: «إِعلام الموقعين» (1/395).
    [562] رواه أحمد (4/226)، وأبو داود، كتاب الأدب: باب ما يقال عند الغضب، رقم (4784) من طريق عروة بن محمد بن عطية السعدي عن أبيه عن جده به.
    عروة بن محمد روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبان وقال: «يخطئ وكان من خيار الناس»، «الثقات» (7/287). وَلِيَ اليمن لعمر بن عبد العزيز عشرين سنة.
    وقد قال ابن كثير: «كلُّ من استعمله عمر بن عبد العزيز فهو ثقة»، «البداية والنهاية» (9/219). كما أنه يظهر من كلام ابن حبان فيه أنه قد عرفه.
    أما أبوه محمد فقد قال الحافظ ابن حجر فيه في التقريب: «صدوق»، وقال الذهبي في الكاشف: «وثِّق» فالإِسناد لا بأس به.
    وله شاهد رواه أبو نعيم (2/130) من حديث معاوية بن أبي سفيان وإِسناده ضعيف. والحديث احتجّ به شيخُ الإِسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (25/238).
    [563] انظر: ص(333).
    [564] رواه البخاري، كتاب الجنائز: باب ما يستحب أن يُغسل وتراً، رقم (1254)، ومسلم، كتاب الجنائز: باب في غسل الميت، رقم (939) عن أم عطية.
    [565] تقدم تخريجه ص(309).
    [566] تقدّم تخريجهما، ص(269).
    [567] رواه مسلم، كتاب الزكاة: باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، رقم (1006) من حديث أبي ذَرٍّ.
    [568] رواه مسلم، كتاب المساجد: باب السهو في الصلاة والسجود له، رقم (571) من حديث أبي سعيد الخدري.
    [569] انظر: «الإِنصاف» (2/68).
    [570] انظر: «الإِنصاف» (2/67).
    [571] انظر: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (17/217 ـ 218).
    [572] رواه البخاري، كتاب البيوع: باب لا يبيع على بيع أخيه، رقم (2140)، ومسلم، كتاب النكاح: باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن أو يترك، رقم (1413)، من حديث أبي هريرة.
    [573] رواه الطبراني في «الكبير» (12/رقم 13217)، والدارقطني (1/121)، والبيهقي (1/88) عن ابن عمر، قال ابن حجر: «إِسناده لا بأس به».
    وروي أيضاً من حديث عمرو بن حزم، وحكيم بن حزام وعثمان بن أبي العاص.
    وصحَّحه: إِسحاق بن راهويه، والشافعي، وابن عبد البر. واحتجَّ به أحمد بن حنبل.
    انظر: «التلخيص الحبير» رقم (175)، «نصب الراية» (1/196).
    [574] انظر: «المغني» (1/202)، «مجموع الفتاوى» (21/266).
    [575] انظر: «المحلَّى» (1/77).
    [576] تقدم تخريجه، ص(25).
    [577] تقدم تخريجه، ص(316).
    [578] انظر: «المجموع شرح المهذَّب» (2/67).
    [579] تقدم تخريجه، ص(316).
    [580] انظر: «الإِقناع» (1/61).
    [581] انظر: «الإِنصاف» (2/73)، «المجموع شرح المهذب» (2/69).
    [582] انظر: «الإِنصاف» (2/73).
    [583] انظر: «الإِنصاف» (2/73).
    [584] انظر: «الإِنصاف» (2/73).
    [585] انظر: «المغني» (1/204)، «المجموع شرح المهذب» (2/70).
    [586] السُّبُّورة: لوح كبير يُعلَّق أمام جمهور من الناس، يُكتب عليه ويُمحى. «المعجم العربي الأساسي» ص(604).
    [587] تقدم تخريجه، ص(8).
    [588] انظر: «حاشية ابن عابدين» (1/81).
    [589] انظر: «الفروع» (1/188)، «المجموع شرح المهذب» (2/67).
    [590] رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب وجوب الطهارة للصلاة، رقم (224).
    [591] رواه أحمد (2/57) من حديث ابن عمر، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب فرض الوضوء، رقم (59) من حديث أبي المليح عن أبيه.
    قال الحافظ ابن حجر: «إِسناده صحيح». انظر: «الفتح» شرح حديث رقم (1410).
    [592] رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب لا تقبل صلاة بغير طهور، رقم (135)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب وجوب الطهارة للصلاة، رقم (225).
    [593] انظر: «مجموع الفتاوى» (21/277، 289)، «تهذيب السُّنن» (1/52).
    [594] رواه عبد الرزاق رقم (5911)، ومن طريقه أبو داود، كتاب الصلاة: باب في الرجل يسمع السجدة وهو راكب، رقم (1413) عن عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقرأ علينا القرآن، فإِذا مرَّ بالسجدة كبّر وسجد وسجدنا». وعبد الله بن عمر العُمري ضعيف. كما في
    «التقريب» . قال النووي: «رواه أبو داود وإِسناده ضعيف. «الخلاصة» رقم (48).
    [595] رواه البخاري، كتاب سجود القرآن: باب ما جاء في سجود القرآن وسُنتها، رقم (1067)، ومسلم، كتاب المساجد: باب سجود التلاوة، رقم (576) عن عبد الله بن مسعود.
    [596] انظر: «مجموع الفتاوى» (21/279، 293)، «الاختيارات» ص(60).
    [597] رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم، كتاب سجود القرآن: باب سجود المسلمين مع المشركين، انظر ترجمة حديث رقم (1071).
    [598] رواه البخاري، كتاب الحج: باب من طاف بالبيت إِذا قدم مكة، رقم (1614، 1615)، ومسلم، كتاب الحج: باب ما يلزم من طاف بالبيت وسعى من البقاء على الإِحرام وترك التحلل، رقم (1235) من حديث عائشة.
    [599] رواه البخاري، كتاب الحج: باب إِذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت، رقم (1757، 1762)، ومسلم، كتاب الحج: باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض، رقم [382 ـ (1211)].
    [600] رواه البخاري، كتاب الحيض: باب الأمر بالنّفساء إِذا نُفِسْنَ، رقم (294)، ومسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإِحرام، رقم [119 ـ (1211)].
    [601] رواه الترمذي، كتاب الحج: باب ما جاء في الكلام في الطواف، رقم (960)، وابن خزيمة رقم (2739)، وابن حبان رقم (3836) وغيرهم من حديث ابن عباس موقوفاً ومرفوعاً.
    ورجَّح رواية الوقف: النسائي، والبيهقي، وابن الصلاح، والمنذري، والنووي.
    ورجّح رواية الرفع: ابن السكن، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وابن حجر.
    انظر: «التلخيص الحبير» رقم (174)، «موافقة الخُبر الخبر» (2/131).
    [602] انظر: «المغني» (5/222).
    [603] انظر: «مجموع الفتاوى» (21/273)، (26/123).
    [604] تقدم تخريجه، ص(328).
    [605] انظر: «مجموع الفتاوى» (26/242)، «إِعلام الموقعين» (3/26).
    [606] انظر: «مجموع الفتاوى» (26/199، 243)، «الاختيارات» ص(27).
    [607] انظر: «مجموع الفتاوى» (26/199، 243)، «الاختيارات» ص(27).


     



صفحة 1 من 10 123 ... الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. [New] اسكربت الموقع الممتع PeterAnswers
    بواسطة حلال المشاكل في المنتدى ركن تطوير المواقع
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 17 Sep 2009, 07:41 PM
  2. مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 28 Oct 2008, 08:16 AM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •