قوله تعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ)

قوله تعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) : فصدر السياق بالقسم لعظم الأمر ،

النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. رقم #1
     افتراضي  العنوان : قوله تعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ)
    بتاريخ : 02 Jan 2012 الساعة : 02:25 PM



    الصورة الرمزية الحنـــون

    رقم العضوية : 14363
    الانتساب : Jun 2007
    العمر : 26
    المشاركات : 6,503
    بمعدل : 1.70 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 2623
    التقييم : Array
    الحنـــون غير متصل



    قوله تعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) :
    فصدر السياق بالقسم لعظم الأمر ، فإنكارهم متوقع ، فنزل منزلة الموجود ، ولما يقع بعد ، فاستدعى ذلك التوكيد باليمين المحذوف الذي دلت عليه اللام الموطئة ، فضلا عن اللام في جوابه ، والأمر عظيم ، فالاستهزاء بالدين وأهله قد ينقل صاحبه عن الملة ، فإنه إن استهزأ واستخف به لأجل دينه ، أو ما يظهره من هديه الظاهر ، فهو كافر يبين له الأمر إن كان جاهلا فإن أصر فهو كافر يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ، كما جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" :
    "سب الدين والاستهزاء بشيء من القرآن والسنة والاستهزاء بالمتمسك بهما نظرا لما تمسك به كإعفاء اللحية وتحجب المسلمة ؛ هذا كفر إذا صدر من مكلف ، وينبغي أن يبين له أن هذا كفر فإن أصر بعد العلم فهو كافر ، قال الله تعالى : { قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ } { لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ }" . اهــ

    وقال ابن حزم ، رحمه الله ، في "الفصل" :
    "وصح بالنص أن كل من استهزأ بالله تعالى أو بملك من الملائكة أو بنبي من الأنبياء عليهم السلام أو بآية من القرآن أو بفريضة من فرائض الدين فهي كلها آيات الله تعالى بعد بلوغ الحجة إليه فهو كافر" . اهــ

    فالأمر يشبه إلى حد كبير مسألة سب الصحابة ، رضي الله عنهم ، فمن سبهم ولعنهم لعن الاعتقاد فبغضه له لدينهم وصحبتهم ، فهو كافر ، وأما من سبهم ولعنهم لعن الغيظ فلم يبغضهم لدينهم فهو فاسق مرتكب لكبيرة غيبة خير طباق الأمة ، فالغيبة في نفسها محرمة ، بل هي كبيرة ، لقرينة التشبيه التمثيلي في قوله تعالى : (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) ، فذلك من الشناعة بمكان ، ولا يكون ذلك إلا مئنة من عظم الذنب المشبه ، فهو على حد الكبيرة ، فإذا كانت الغيبة في نفسها محرمة ، فكيف بغيبة أهل العلم فهم صفوة كل قرن ، بل كيف بغيبة القرن الأول : خير طباق الأمة ؟! .
    قال العيني ، رحمه الله ، ونقل عن القرطبي صاحب "المفهم" المتوفى سنة 656 هــ ، وهو شيخ القرطبي المفسر المعروف المتوفى سنة 671 هــ ، قال ونقل :
    "المقصود من الحديث ، (وهو حديث : "آية الإيمان : حب الأنصار ، وآية النفاق : بغض الأنصار") ، الحث على حب الأنصار وبيان فضلهم لما كان منهم من إعزاز الدين وبذل الأموال والأنفس والإيثار على أنفسهم والإيواء والنصر وغير ذلك قالوا : وهذا جار في أعيان الصحابة كالخلفاء وبقية العشرة والمهاجرين بل في كل الصحابة إذ كل واحد منهم له سابقة وسالفة وغناء في الدين وأثر حسن فيه فحبهم لذلك المعنى محض الإيمان وبغضهم محض النفاق ويدل عليه ما روي مرفوعا في فضل أصحابه كلهم : "من أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم" .
    وقال القرطبي : وأما من أبغض والعياذ بالله أحدا منهم من غير تلك الجهة لأمر طارئ من حدث وقع لمخالفة غرض أو لضرر ونحوه لم يصر بذلك منافقا ولا كافرا فقد وقع بينهم حروب ومخالفات ومع ذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق وإنما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام فإما أن يقال كلهم مصيب أو المصيب واحد والمخطىء معذور مع أنه مخاطب بما يراه ويظنه فمن وقع له بغض في أحد منهم والعياذ بالله لشيء من ذلك فهو عاص تجب عليه التوبة ومجاهدة نفسه بذكر سوابقهم وفضائلهم وما لهم على كل من بعدهم من الحقوق إذ لم يصل أحد من بعدهم لشيء من الدين والدنيا إلا بهم وبسببهم" . اهــ


    فكذلك الاستهزاء : فإنه إن استهزأ بالديانة ، أو شعيرة من شعائرها ، أو عالم من علمائها ، أو مظهر لهدي ظاهر من هديها ..... إلخ من صور الاستهزاء التي ذكر أهل العلم لها جملة من الأمثلة القولية والفعلية بل والإشارية ، فقد يستهزئ المستهزئ بإشارة عين أو يد ، : (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ) ، إن صدر عنه الاستهزاء على هذا الوجه فهو كفر مخرج من الملة ، وأما إن كان الاستهزاء بهم لأعيانهم ، فذلك ، أيضا ، على حد سب الصحابة ، رضي الله عنهم ، لا لدينهم وصحبتهم وإنما لأمر دنيا كما وقع بينهم من بغض وغيظ عارض زمن الفتنة ، فلم يكن القتال بينهم على قاعدة دينية ، وإنما كان لاجتهاد في مسألة استيفاء قصاص وتولية إمام ، وهي أمور مصلحية يسوغ فيها الاجتهاد والخلاف ، فلم يضلل بعضهم بعضا ، ولم يحكم بعضهم على بعض بكفر أو نفاق ، فالاستهزاء بأهل العلم لذواتهم ، لأمر يجده المستهزئ في نفسه عليهم لا صلة له بدينهم أو سمتهم ، ذلك الاستهزاء لا يخرج صاحبه من الملة ، وإنما يفسق به ، فسقا عمليا ، فالسخرية ، أيضا ، على حد المعصية ، فقد ورد النهي عنها على جهة التحريم في نصوص من قبيل قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا) ، ويزداد الإثم أيضا بكون المستهزئ به من أهل الديانة .
    فلئن سالتهم عن فعلتهم في غزوة تبوك ، والنص عام بالنظر إلى لفظه ، وإن نزل على سبب خاص ، فلا عبرة بخصوص السبب ، وإنما غايته ، كما تقدم ، أن يكون قطعي الدخول في العموم فلا يقبل الإخراج بتخصيص أو نحوه كبقية أفراد العام ، فيعم النص كل مستهزئ بالله أو رسوله أو نصوص الشريعة : كتابا أو سنة ، أو حكما من أحكامها ، أو شعيرة من شعائرها ....... إلخ ولم يخل عصر أو مصر ممن تلك حاله ، لا سيما في الأعصار المتأخرة التي رقت فيها الديانة وعظم الجهل بأحكامها ، فلئن سألتهم ليقولن : فجوابهم في معرض الإنكار لما وقعوا فيه مؤكد باللام ونون التوكيد المثقلة التي تتصل بالفعل وجوبا في جواب القسم ، فجوابهم : إنما كنا نخوض ونلعب ، فهو ، أيضا ، مؤكد بالناسخ الحرفي : "إنما" ، والناسخ الفعلي : "كنا" الذي يدل على دوام الاتصاف في الزمن الماضي ، فإنما كنا نخوض ونلعب ، على حد المضارعة ، ففيها استحضار لصورة انقضت إمعانا في إثباتها ، فتلك حالنا يقينا فلم نقصد حقيقة ما قلناه ، فتلك ، في نظرهم ، حجة صالحة ، فجاء التعقيب بالاستفهام الإنكاري التوبيخي : (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) ، فقدم معمول فعل الاستهزاء تقريرا لعظم الجناية ، والترتيب على بابه ، فالرب ، عز وجل ، هو أعظم ما يجب له التعظيم والتوقير والتعزير ، فله كمال الذات والأسماء والصفات والأفعال بداهة ، فمن نسب إليه نقصا ، ولو ديانة ، كما يظن من جهل قدره فنسب إليه الصاحبة والولد ، أو ادعى حلوله أو اتحاده في مخلوق ناقص ، متحيز تحيط به الجهات الحادثة من أرض تقل وسماء تظل ، من نسب إليه النقص ، ولو على جهة الديانة ، فهو كافر به ، جل وعلا ، فقد نسب إليه ما تنزه عنه ضرورة : نقلية وعقلية ، فالنبوات بنقلها الصحيح قد أثبتت له ، جل وعلا ، شرعا ، صفات الكمال ، ونفت عنه صفات النقصان ، والعقول بقياسها الصريح ، قد واطأت النقل الصحيح فأثبتت له ، جل وعلا ، صفات الكمال ونفت عنه صفات النقصان ضرورة عقلية ملجئة لكل ذي لب ، لو كان ثم أولوا ألباب ! ، فإذا كانت تلك حال من نسب إليه النقص ، دينا ، بزعمه ، لعظم جهله بقدر الرب جل وعلا ، فكيف بمن تسب إليه النقص استهزاء ولعبا ، فكفره متعين من باب أولى ، بل لا عذر له ، فيكفر بمجرد السب أو الاستهزاء ، فتلك من الضرورات الدينية ، فلا يتصور فيها جهل ، بل سائر العقلاء من جميع الأمم تنفر نفوسهم من الاستهزاء بالرب ، جل وعلا ، ونسبة النقص إليه ، على تفاوت بينهم بقدر معلومهم من النبوات ، فمنهم من فسد عقله حتى ظن النقصان عين الكمال ، كما تقدم ، فالتعظيم للرب ، جل وعلا ، أصل مجمع عليه ، فمن استهزأ بالرب ، جل وعلا ، فقد أتى ما ينقض هذا الإجماع الضروري ، فكيف يعتذر بعد تلك الفعلة الشنيعة ؟! ، فلا يكون ثم سبيل ، إن كان الفاعل منتسبا إلى الملة الخاتمة ، ليس ثم سبيل إلا التوبة والاستغفار أو الاستتابة ثم القتل إن أبى الرجوع ، ولا يصح قياسه على المكره بجامع أن كليهما لا يقصد ما يتلفظ به ، فذلك قياس مع الفارق ، فكلاهما غير قاصد لما يتلفظ به ، فذلك وجه شبه قد يشهد لصحة هذا القياس ، بادي الرأي ، ولكن المستهزئ مريد مختار بإرادة حرة فلا مكره له ، بل قد نطق بالكفر اختيارا بلا إكراه ، فاختياره صحيح يؤاخذ عليه بخلاف اختيار المكره فهو فاسد ، فلا يعتد به في حقوق الرب ، جل وعلا ، وحقوق النفس من إقرار بمال أو طلاق .... إلخ ، وإنما يؤاخذ المكره إذا تعدى على حقوق غيره ، فإن أتلف مالا ، فالضمان على المكرِه له ، فإن تعذر تضمينه ، ضمن المباشر ، وإن قتل أو زنى ، فعليه تبعة فعله ، كما قرر جمع من الأصوليين ، على تفصيل ليس هذا موضعه ، والشاهد أن المستهزئ يباين المكره ، ولذلك بطل احتجاجه بعدم قصد القول أو الفعل ، فلم يقصد حقيقته ولكنه قصد إيقاعه بإرادة حرة مختارة ، فكيف إذا جاهر بذلك ، ولم يعتذر ، بل أصر وتمادى ، فانتفت في حقه كل شبهة اعتذار ، ولو واهية ، كما يقع الآن من كثير من الكفار الأصليين ، الذين طعنوا في ثوابت الملة ، لا سيما الكتابيين منهم الذين غرهم ما نال أهل الإسلام من الذلة والصغار في الأعصار المتأخرة ، فصار التعرض للدين أصولا وفروعا على حد السخرية الصريحة ، تسلية لكثير من رءوسهم ، بل وعوامهم ، وليس ثم سيف شريعة يردع ، أو إمام هدى ينتصر للدين وأهله ، وحال هذا الزمان خير شاهد على ذلك فهو أبلغ من أي وصف وإن دق ! ، وقد اقتفى أثرهم من اقتفى من المنافقين الذين استعلنوا بنفاقهم لما آنسوا من المسلمين ضعفا وتخاذلا ، و : (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) ، فتلك حكمة جليلة وفائدة عظيمة من فوائد الابتلاء ، فبه يظهر الرب ، جل وعلا ، معلومه ، في عباده : إيمانا أو كفرانا ونفاقا ، فلكلٍ حكم في الدنيا وجزاء في الآخرة يلائم وصفه .
    ثم جاءت الآيات ثانية في الترتيب ، وهي الآيات الشرعية التي أنزلها الرب ، جل وعلا ، على قلوب أنبيائه ، عليهم السلام ، فنسبتها إليه ، جل وعلا ، نسبة صفة إلى موصوف ، فذلك وجه الإضافة في هذا الموضع ، بخلاف الإضافة في مواضع أخر من قبيل قوله تعالى : (وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) ، فتلك من آياته الكونية فنسبتها إليه : نسبة مخلوق إلى خالقه عناية بشأنه وتنويها بذكره ، فالآيات الشرعية من أوصافه العلية ، جل وعلا ، والوصف يلحق بالموصوف إلحاق الفرع بأصله ، فالقول في الصفات كالقول في الذات ، فمن استهزأ بآي التنزيل فقد استهزأ بمنزلها ، جل وعلا ، فذلك من التلازم العقلي الضروري ، فللصفة حكم الموصوف ، فكما له ، جل وعلا ، كمال الذات أصلا ، فله كمال الصفات فرعا ، فمن استهزأ بالفرع فقد استهزأ بالأصل ، فالمستهزئ بالكتاب العزيز أو السنة النبوية ، فهي من الوحي المنزل ، المستهزئ بهما : مستهزئ بالرب ، جل وعلا ، وذلك ، كما تقدم ، كفر بواح ، وهو أمر ، قد فشا ، أيضا ، في الأعصار المتأخرة في الكفار والمنافقين بل وفي كثير من المسلمين الذين تجري السخرية من الكتاب والسنة : جملة أو تعيينا لنص من آية أو حديث ، وأحاديث الذبابة ورضاع الكبير ومصافحة المرأة فهي زنا يستوجب إقامة الحد وصاحبه يعترف أمام محقق الشرطة مبديا ندمه وراغبا في إصلاح خطئه بالزواج ممن زنى بها مصافحة ! ..... إلخ من صور الاستهزاء الصريح بالديانة على صفحات الجرائد ، كل تلك الصور ليست عنا ببعيد ، بل هي واقع مرير نعيشه ، وهو ، كما تقدم ، مما جرأ الكفار الأصليين على الاستهزاء بأحكام الديانة ، فأمة لا تقيم لدينها وزنا ، كيف يقيم لها أعداءها وزنا ؟! :
    ما يبلغ الأعداء من جاهل ******* ما يبلغ الجاهل من نفسه

    فمن تعجب من حال النصارى الذين أدمنوا السخرية والطعن في أحكام الديانة ، فليعجب ابتداء من حال أصحاب الديانة الذين يسخر بعضهم منها ما لا يسخره أعداؤها منها ! .

    من يهن يسهل الهوان عليه ******* ما لجرح بميت إيلام

    ثم جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثالثا : فهو المبلغ لتلك الآيات ، فالسخرية والاستهزاء به صلى الله عليه وعلى آله وسلم سخرية واستهزاء بما جاء به من الوحي : كتابا وسنة ، وسخرية ممن أرسله ، فقدر المرسَل من قدر المرسِل ، ولذلك عد قتل الرسل إعلان حرب فهو مئنة من الاستخفاف بمن أرسلهم ، فكذلك الاستهزاء بهم فهو مئنة من ذلك أيضا ، فلو عظم قدر المرسِل في أعينهم ما تعرضوا لرسوله بصنوف السخرية والأذى ، فكذلك الشأن في رسل الله ، عز وجل ، بل تعظيمهم تعظيما لمرسلهم ، جل وعلا ، واجب ، من باب أولى ، شرعا وعقلا ، فإضافة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الضمير الراجع على الرب ، جل وعلا ، في : "ورسوله" : من إضافة المرسَل المخلوق إلى المرسِل الخالق ، ففيه من معاني العناية والتشريف ما لا يخفى ، فتعظيمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من تعظيم الرب ، جل وعلا ، ولذلك كان الاستهزاء به أو التعرض له بأية صورة من صور الأذى : كفرا ناقلا عن الملة ، يقتل صاحبه ردة أو حدا ، على تفصيل في ذلك ، فلا تنفعه التوبة في أحكام الدنيا ، ولو كانت صادقة ، صيانة لجناب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلا يملك العفو في هذا الموضع إلا من تعرض إلى الأذى بالسب أو القدح ، وقد انتقل إلى الرفيق الأعلى ، فصار استيفاء حقه من سابه أو المستهزئ به واجبا على من له سلطان يستوفي بموجبه ذلك الحق العظيم صيانة لأصل جليل من أصول الدين ، فالقدح فيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قدح في الشطر الثاني من الشهادة التي تثبت بها لصاحبها أحكام الديانة من عصمة دم ومال إلا بحقها . وهو أمر ، كسابقيه ! ، قد فشا في هذه الأعصار ، بل صار مادة مفضلة لكثير من الكفار والزنادقة تلميحا ثم تصريحا على شاشات فضائيات السوء أو جرائد الكذب والزور ، والحال ، أيضا ، أبلغ من كل مقال ، وليس ثم سلطان يغار على حرمات الديانة أن تنتهك ، فلا يغار سلاطين الدنيا إلا على عروشهم ، فلا يعنيهم إلا صيانتها ولو ببذل الدين بل والكرامة الإنسانية ثمنا لها ، وبئست الصفقة التي تعقد فيها التحالفات المشبوهة مع الكفار وأذنابهم طلبا لدنيا أو رياسة زائلة .

    فــ : لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ : فاستعير معنى الخوض المحسوس في الماء لمعنى الخوض المعقول في أصول الديانة على جهة الاستهزاء ومادته تدل ، كما يقول الألوسي ، رحمه الله ، على نوع خفة ، فالمستهزئ مستخف بالديانة وأحكامها ، ومن ثم لزم تكفيره ، ولئن تصور عذر بجهل في سخرية ببعض الأحكام ، لا سيما الدقيقة منها ، فلا يتصور ذلك في السخرية بالله ، جل وعلا ، أو بنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو بدينه إجمالا ، ففاعل ذلك يكفر بمجرد فعله ، وإن لم يستحل .

    والقصر في قوله تعالى : (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ) ، في مقابل القصر في اعتذارهم : (إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) ، كما أشار إلى ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، وهو يدل على وقوع الفعل منهم يقينا ، إذ القصر قيد في الخبر الفعلي ، وهو الاستهزاء الذي قدمت معمولاته ، كما تقدم ، فالسياق في غير التنزيل على حد الترتيب بذكر المعمولات عقيب عاملها : قل أتستهزءون بالله وآياته ورسوله ، فلما قدمت المعمولات على الخبر الذي جاء فعلا : "تستهزءون" ، أجري ذلك مجرى القيد للخبر الفعلي بالقصر فيقتضي وقوعه جزما ، ويقتضي أنه ما وقع إلا بتلك المعمولات ، فلم يكن استهزاؤهم إلا بها ، وذلك إمعان في تقرير نقيض دعواهم ، فيكون آكد في إثبات الجرم عليهم ، كما أشار إلى ذلك أهل التحقيق من البلاغيين في نحو قولك : أنا سعيت في حاجتك ، فيؤكد بــ : وحدي ، فلا يقال : أنا سعيت في حاجتك ، فيحصل التوكيد بتكرار الفاعل المعنوي على جهة الابتداء ، والفاعل اللفظي على جهة الإضمار ، فلا يقال ذلك إلا إن كان الساعي واحدا بعينه ، فتقدير الكلام : أنا سعيت في حاجتك وحدي ، أو أنا سعيت فيها لا غيري ، فلا يقال : أنا سعيت فيها وغيري فتعدد الساعين في عجز الكلام يبطل معنى الاختصاص الذي أفاده القصر في صدره ، فكذلك الشأن هنا ، فلا تقدم تلك المعمولات على جهة القصر والاختصاص بتقديم ما حقه التأخير ، لا تقدم على تلك الجهة ثم يثبت غيرها في معرض الاستهزاء بل ما كان استهزاؤهم إلا بها ، وذلك ، كما تقدم ، آكد في إثبات وتقرير الجناية ، كما ذكر ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله .

    ثم جاء التذييل بما يدل على استمرائهم ذلك الجرم ، فالناسخ الفعلي : "كنتم" ، كما تقدم ، يدل على ديمومة اتصاف اسمه بخبره ، فالخبر وصف في المعنى ، وجاء هنا على حد المضارعة : "تَسْتَهْزِئُونَ" إمعانا في إثبات هذه الديمومة ، فالمضارعة مئنة من التجدد والاستمرار ، واستحضارا لصورتها المنقضية إمعانا في التنفير منها ، والرد هنا : رد موقن بما سيحتجون به ، فقد أطلعه الرب ، جل وعلا ، على ما في نفوسهم ، فيكون ذلك من قبيل الرد في قوله تعالى : (فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) ، كما أشار إلى ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله .

    ثم جاء التذييل ببيان عاقبة السوء بعد التوبيخ بالاستفهام الإنكاري ، فذلك من قبيل الإمعان في النكاية والزيادة في المساءة بالتعجيل ببيان حكمهم على جهة التذييل فصلا فلا عاطف يصل بين الآيتين : لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ : فالنهي فيه معنى الزجر للمجرم فلا ينفعه اعتذاره ، ثم عقب ، على جهة الفصل ، أيضا ، بالحكم مؤكدا بــ : "قد" التحقيقية الداخلة على الماضي ، فلا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ، وإن لم تقصدوا ، فكيف إذا كان الساخر والمستهزئ قاصدا بل مصرحا بقصده ، فقد أقام بنفسه على نفسه الحجة القاطعة فلا يحتاج إلى من يعتذر عنه باشتراط الاستحلال أو نحوه ، فسب الرب ، جل وعلا ، وسب آياته ، وسب أنبيائه ، عليهم الصلاة والسلام ، مما لا يتوقف في الحكم على فاعله بالكفر بمجرد صدوره عنه ، فهو مئنة ظاهرة على انتفاء عمل القلب تعظيما لحرمات الديانة ، فمن هانت عليه الديانة فسبها أو سب كتابها أو نبيها صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقد انتفى عمل القلب الذي يزول أصل الإيمان من القلب بزواله ، وإن كان صاحبه مصدقا غير مكذب ، فلا ينفع قول القلب تصديقا إن لم يشفع بفعله تعظيما .

    فما يقع اليوم من صور الاستهزاء الصريح بالله وآياته ورسوله من كفار أهل الكتاب وأذنابهم من المنافقين لا سيما العلمانيين ، دعاة حرية الفكر المزعومة في زمان حجر فيه على أهل الإيمان حتى صار خذلانهم وإسلامهم إلى الكفار : عرفا سائدا لا يستوجب حتى مجرد الإنكار القلبي ! ، وتلك من أعظم مكاسب دعاة الوحدة الوطنية المزعومة ، التي صارت وحدة على حرب الإسلام وأهله ، ما يقع من أولئك في زمان حرية الكفر بالسب والاستهزاء بالدين وثوابته وشعائره وأهله ، مما يستوجب على الإمام أو السلطان ، وليس لكليهما وجود في زماننا ، فلا إمام جامع ، ولا سلطان يهابه أعداء الملة ، فيهابه فقط أتباعها خوفا من بطشه ! ، كل ذلك مما يستوجب على أولئك لو كان لهم وجود : إعلان الحرب بنقض العهد وإقامة الحد على كل كافر أو مرتد يقع في ذات الله ، عز وجل ، أو في عرض نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولو بالتلميح فكيف وقد صرح وكرر بما يرفع احتمال المجاز ! ، فاستهزاؤه حقيقة لا تقبل الاعتذار ، وليته يعتذر ! ، بل قد بلغ به الكبر حد المجاهرة والتحدي معا فلسان حاله : من كان منكم ذا مروءة فلينكر علي ، وليس ثم رجال أصحاب مروءات ، فليس إلا ذكور قد رقت ديانتهم وعدمت مروءتهم ! .


    r,gi juhgn : (,QgQzAkX sQHQgXjQiElX gQdQrE,gEk~Q YAk~QlQh ;Ek~Qh kQoE,qE ,QkQgXuQfE)



     



  2. رقم #2
     افتراضي  العنوان : رد: قوله تعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ)
    كاتب الموضوع : الحنـــون
    بتاريخ : 04 Jan 2012 الساعة : 09:24 PM



    الصورة الرمزية القائد المهاجر

    رقم العضوية : 14452
    الانتساب : Aug 2007
    المشاركات : 20,246
    بمعدل : 5.35 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 18303
    التقييم : Array
    القائد المهاجر غير متصل



    جزاك الله خير ي الحنون
    ولاعدمنا جديدك


     



  3. رقم #3
     افتراضي  العنوان : رد: قوله تعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ)
    كاتب الموضوع : الحنـــون
    بتاريخ : 15 Sep 2012 الساعة : 09:44 PM

    طيب جديد

    الصورة الرمزية MobilyHost.CoM

    رقم العضوية : 27575
    الانتساب : Sep 2012
    المشاركات : 35
    بمعدل : 0.02 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 7
    التقييم : Array
    MobilyHost.CoM غير متصل



    مشكوررررررررررررررررررررر


     



معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. معجزة قوله تعالى ( ورفعنا لك ذكرك )
    بواسطة عشق الماضي في المنتدى فَدَاكْ رُوحْي يَا رَسُول الله
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 23 Jan 2013, 07:02 AM
  2. تفسير قوله تعالى : " انا كفيناك المستهزئين " .
    بواسطة دلع وقلبها ولع في المنتدى نفحآإتَ إيمآنيةِ
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 05 Jan 2013, 06:53 PM
  3. وقفة مع قوله تعالى:
    بواسطة ssaeed225 في المنتدى نفحآإتَ إيمآنيةِ
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 15 Jul 2006, 09:31 PM
  4. سبب نزول قوله تعالى: { أفرأيت الذي كفر بآياتنا }
    بواسطة أحبك لو تحب غيري في المنتدى نفحآإتَ إيمآنيةِ
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 30 Jun 2006, 10:37 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •