صفحة 4 من 36 الأولىالأولى ... 2345614 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 22 إلى 28 من 251
  1. رقم #22
     افتراضي  العنوان : رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 28 Feb 2018 الساعة : 03:48 PM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.26 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل




    بسم الله الرحمن الرحيم


    سورة المائدة (5)

    الجزء الثالث



    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
    أيها الإخوة الكرام ؛ قال تعالى:

    ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12)﴾
    أيها الإخوة الكرام ؛ ما منا واحدٌ إلا ويتمنّى أن يكون الله معه، لأنه إذا كان الله معك فمن عليك ؟ من يستطيع في الأرض أن ينال منك، وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ ما معك أحد، أمّا إذا كان الله معك، فلو أن الأمة بأكملها اجتمعت على أن يضروك بشيءٍ لم يستطيعوا، وإذا تخلى الله عنك، ولم يكن الله معك، فأقرب الناس إليك، ابنك الذي من صلبك، زوجتك التي عشت معها أربعين عاما، تتخلى عنك، إذا كان الله معك فمن عليك وإذا كان الله عليك فمن معك ؟.
    إذا كان الله معك ألقى حبك في قلوب العباد، وإذا كان الله عليك ألقى بغضك في قلوب العباد.
    يا أيها الإخوة ؛ الأقوياء يملكون القوالب، لكن الأنبياء يملكون القلوب، والبطولة الحقيقية في أن تملك قلوب الناس، لا أن تملك أجسامهم، القوي يخاف الناس منه، لكن النبي يحبه الناس.
    لذلك ما منا واحد إلا ويتمنى أن يكون الله معه، ولكن هذه المعية قال عنها العلماء: إنها معيتان ؟
    معيةٌ خاصة... ومعيةٌ عامة...
    فما المعية العامة ؟ المعية العامة أن الله مع كل عباده، مع الكفار، مع الفجار، مع الملحدين، مع المنافقين، مع العصاة، مع المتجاوزين.
    في قوله تعالى:
    ﴿هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
    ( سورة الحديد: 4 )
    مؤمن، كافر، مطيع، عاصٍ، هو معك، بل قيامك به أبلغ من أنه معك.
    الآن دققوا، معية الله الخاصة، تعني التوفيق والحفظ، تعني التأييد والنصر، إذا كان الله معك نصرك على أعدائك، وإذا كان الله معك وكنت في عملٍ وفقك فيه، إذا كان الله معك حفظك من كل شر.
    إذا كنت في كل حالٍ معي فعن حمل زادي أنا في غنى.
    فأنتم هو الحق لا غيركـم فيا ليت شعري أنا مـن أنا.
    ***

    العلماء قالوا: المعية معيتان ؛ معيةٌ عامة، ومعيةٌ خاصة، المعية العامة تشير إلى الآية الكريمة:
    ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
    لكن المعية الخاصة معية التأييد، معية التوفيق، معية الحفظ، معية النصر، معية السكينة، يُلقي الله في قلبك السكينة، تكون كالجبل الأشم لا تتزعزع، هذه المعية الخاصة، ممكن الحصول عليها ولكن بدفع ثمنها، الآن بدأ الدرس.
    المعية الخاصة التي نبحث عنها جميعاً متاحةٌ لكل إنسان، بشرط أن تدفع ثمنها، يا رب أين ثمنها ؟ أو يا رب من يملك ثمنها ؟ يقول الله: أنت أيها العبد تملك ثمنها، ابدأ بهذه الآية:
    ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾
    هذه العناصر التي اشتملت عليها الآية هي ثمن المعية الخاصة، هذه ثمن المعية التي هي من أينع ثمار الدين، وأجمل ما في الدين أنْ تشعر أن الله معك، أعظم ما في الدين أن تشعر أنك مقربٌ إلى الله، أعظم ما في الدين أن يتجلى الله على قلبك بالسكينة، إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين، حينما يتيه الناس أنت لا تتيه، حينما يخاف الناس أنت لا تخاف، حينما تنهار أعصاب الناس أنت لا تنهار، حينما يشعر الناس بالحرمان أنت تشعر بالفوز والغنيمة، حينما يخضع الناس أنت لا تخضع، هذه معية الله الخاصة، وثمنها تملكه أنت، وهذه مفردات ثمنها.
    ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾
    الصلاة عماد الدين فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين.
    ولكن يا أيها الإخوة ؛ الله قال: أقمتم الصلاة، لمْ يقل الله عز وجل: إني معكم لئن صليتم، فإذا قلنا: لئن صليتم، يعني واحد دخل للمسجد توضأ وصلى، هذه الصلاة، أما:
    ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾
    فانتبه لكلمة أقام البناء، تحصل على رخصة أولا، وبعد مضي سنتين من الملاحقة تحصل عليها، ثم حفرت الأساسات، وبُني أول طابق، والثاني، والثالث، ثم كسوتَه وفرشتَه، فشغله سنوات حتى تم إنجازه، من هنا نعلم أنّ إقامة الصلاة تبدأ قبل الصلاة، إقامة الصلاة تبدأ بغض البصر، إقامة الصلاة تبدأ بتحرير الدخل، إقامة الصلاة تبدأ بأن يكون بيتك إسلامياً، بأن تربي أولادك التربية الصحيحة، يعني أنت تعمل عملاً تستقيم معه على أمر الله، تصطلح معه، تتوب إليه، تنفق من مالك، من أجل أنّك تصلي حقًّا إذا دخلت إلى المسجد، ففرقٌ كبير بين أن يقول الله عز وجل: إني معكم لئن صليتم، وبين أنْ يقول: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾
    أحياناً إنسان يقدم امتحانًا في ثلاث ساعات، يمنح دكتوراه، إذْ تجري مناقشة أطروحته أمام لجنة من العلماء، وبعد ثلاث ساعات مِن قراءة ملخص الأطروحة قال الدكتور المشرف رأيه في الموضوع، واجتمعت اللجنة، واتخذت قراراً بمنحه الدكتوراه بتقدير امتياز، العملية تمت في ثلاث ساعات، أما عملية تأليف الكتاب الذي تقدّم به الطالب لنيل الدكتوراه فتمّتْ في عشر سنوات، فالدكتوراه لا تأتي في ساعات ثلاث.
    وإذا دخل شخصٌ المسجدَ وقام يصلي، فهذه ليست صلاة، قبل الصلاة لا بد من استقامة، قبل الصلاة لا بد من توبة، قبل الصلاة لا بد من صلح مع الله، قبل الصلاة لا بدّ مِن إنابةٍ إلى الله، قبل الصلاة تكون الأعمال الصالحة، مِن إنفاق ونحوه، فالآن إذا دخلتَ لتصلي فهذه إقامة الصلاة.

    ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾
    إما أن نفهم أنّ إيتاء الزكاة دفعُ جزءٍ من المال كما هم معروف، أو أن هذه الآية تعني مطلق العمل الصالح، وهناك للعلماء استنباط، سيدنا المسيح قال: ﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً (31) ﴾
    ( سورة مريم: 31 )
    بعضهم قال: هاتان الكلمتان جمعتا جوهر الدين، الدين اتصال بالله الخالق، وإحسانٌ إلى المخلوق، هذا الدين.
    في حركة أفقية وحركة شاقولية، الأفقية إحسان للخلق، والشاقولية اتصال بالحق.
    ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾
    أقمتم الصلاة، هذه الساعات في مناقشة الأطروحة، ثم منح على إثرها الطالب دكتوراه بامتياز، هذه سبقها عشر سنوات تحضير، عشر سنوات تأليف، فلما يغضُّ الإنسان بصرَه في الطريق، والطريق فيه كاسيات عاريات مائلات مميلات، ويضبط لسانه، يضبط أذنه، يضبط بيته، يضبط دخله وإنفاقه.
    فإذا دخل ليصلي، فإنّ هذا قد أقام الصلاة، لكن إذا دخل فتوضأ وصلى، وهو غارق في المعاصي والشبهات، هذا نقول عنه: إنه صلى، لا نقول: أقام الصلاة، انتبه: أقام البناء يعني عمل طويل، شراء الأرض، والحصول على رخصة، وحفر الأساسات، وبناء الهيكل، ثم إكساء الهيكل، ثم تزيين الهيكل، ثم إكساء خارجي، ثم فرش البيت، فمثل ذلك إقامة الصلاة.
    ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾
    يعني آمنتم بأحقِّية هذا الشرع، هذا هو النظام الأكمل، هذا الذي فيه حل لمشكلاتنا، أمّا أنْ تقول: الدين نغمة قديمة، معنى ذلك أنك لا تعرف عن الدين شيئاً.
    الدين منهج خالق الكون، دستور الإنسان.
    ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾
    أنت لما تصلي، كأنْ تكون في نزهة وتقوم لتصلي، فأنت نصرت دين الله عز وجل، لما تمتنع عن دخل مال حرام، وغيرك لا يمتنع، فقد نصرت دين الله عز وجل، الله عز وجل لا يحتاج إلى أن تنصره، ولا نبيُّه يحتاج إلى أن تنصره، إلا أنك أقمت شعائر الدين، ونفذت أمر الله عز وجل، وسَّعت دائرة المؤمنين، أمّا إذا كان الناس في نزهة، وواحد قام فصلى وحده فلعله يستحيي بنفسه، لكنْ إذا قام ثلاثة أو أربعة وصلوا، فمَن الذي يستحيي ؟ الذي لم يقم ليصلي.
    فإذا كان كل التجار يتعاملون بطريقة ربوية، وأحبَّ تاجرٌ أنْ يستقيم فضحوه، أمجنون أنت ؟ أما إذا كان الكلُّ مستقيمين أعطوا غطاء للمستقيم، أنت لما تطبق شرع الله عز وجل فإنك تدعم الدين، وتنصر.
    ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾
    ( سورة محمد: 7 )
    فإذا كانت الأسرة كل بناتها كاسيات عاريات، فإذا أحببتَ أنت أن تحجب ابنتك، أُقيم عليك النفير، وشعرتَ بصعوبة بالغة.
    أما إذا كان كل من حولك بناتهم محجبات، صار الطريق لابنتك سهلاً، انظري إلى ابنة خالتك، وانظري إلى ابنة خالتك الثانية، وإلى ابنة عمك أيضًا، انظري إليهن جميعهن، فكلهن محجبات.
    أنت لما تطبق الدين، وترسخ دعائمه، يصير تطبيق سهلاً، إذا كل الناس تخلوا عن الدين، صار المؤمن غريبًا، والغريب يواجه صعوبات، يواجه عقبات، يواجه اعتراضات، هذا معنى قوله تعالى:
    ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾
    يعني أيَّدتَ الرسول وطبقت أمر الله.
    ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾
    والله ما من كلمة تهز مشاعر المؤمن كهذه الكلمة، خالق الأكوان، الغني الحميد، يقول لعبده: هل تقرضني قرضاً حسناً، على أن أوفيك إياه بغير حساب يوم القيامة، وأي عمل صالح تجاه أي مخلوق هو قرض حسن، حقًّا أيّ عمل صالح تجاه أي مخلوق، حتى ولو كان حيوانًا، كما لو أنك سقيت كلباً، أو أطعمت هرة، أو أنقذت نملة في حوض الغسيل، فيه نملة، وأنت تريد أنْ تتوضأ، فتوقّفتَ إلى أن خرجت، إذًا بعملك هذا أنقذت مخلوقاً، وهذا قرض لله، أقرضتَ الله قرضاً حسناً.
    وهذه آية أخرى:
    ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾
    ( سورة البقرة: 245 )
    إذا خدمتَ إنسانًا، أو دللْتَه، أو أعنتَه، أو خفَّفْتَ عنه، أو شفعت بين زوجين، دللت على خير، طلبت العلم، أو علَّمته، توسَطتَ في حل مشكلة، كله قرض حسن، فمعية الله التي لا تقدر بثمن، ثمنها بيدنا جميعاً.
    ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾
    إن دفعتم هذا الثمن.
    ﴿ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾
    كل شيء كان يسوؤكم سوف تنسونه، وتُفتح لكم صفحة جديدة.
    ﴿ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12)﴾
    أنت تتمنى معية الله عز وجل، يعني التوفيق، النصر، التأييد، الحياة الطيبة، السعادة، التجلي، السكينة، الوقار، المكانة الاجتماعية، أن يدافع الله عنك، أن ينصرك على عدوك، أن يؤيدك، أن يقربك، فما عليك إلاّ أنْ تلتزم بنص الآية مع التنفيذ.
    ﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾
    فعندنا معية عامة، ومعية خاصة.
    المعية العامة... الله مع كل مخلوق، حتى الكافر، هذه المعية لا تقدم ولا تؤخر، بل تعني أنْ يرى ويسمع ويعلم كل ما يفعلون، فهم تحت رقابته، ليحاسبهم يوم القيامة.
    ولكن المقصود المعية الخاصة... وهي أن يتجلى الله عليك بالحفظ، والتأييد، والنصر، والتوفيق، وهذه أبرز الأشياء أنواع المعية.
    الحفظ، والتأييد، والنصر، والتوفيق، وثمنها إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيمان بالمنهج، وتأييد الرسل بتطبيق تعليماتهم، عندئذ الماضي الحالك كله يشطب، وتفتح صفحة جديدة، والمستقبل: الجنة وما فيها من نعيم مقيم.


    والحمد لله رب العالمين



     



  2. رقم #23
     افتراضي  العنوان : رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 28 Feb 2018 الساعة : 03:50 PM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.26 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل




    بسم الله الرحمن الرحيم



    سورة المائدة (5)


    الجزءالرابع


    أبواب الرزق....

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.


    الآية الأولى....

    أيها الإخوة الكرام؛ يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:
    ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾
    [ سورة المائدة الآية: 66]

    الآية الثانية....

    هذه الآية تؤكدها آية أخرى:
    ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾
    [ سورة الجن الآيات: 16-17]

    الآية الثالثة....

    ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾
    [ سورة الأعراف الآية: 96]

    الوسائل التي تزيد في الرزق:

    العلماء استنبطوا من الكتاب والسنة الوسائلَ التي تزيد في الرزق .

    أول وسيلة الاستغفار ...

    قال تعالى :
    ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾
    [ سورة نوح الآيات: 10-12]

    الذي يستغفر الله من ذنوبه يجلب له ولأهله الرزق بالاستغفار، هذه واحدة، فمن شكا من ضيق الرزق فعليه بالاستغفار، هذا قرآن، وهو كلام خالق الكون.


    ثاني وسيلة الصلاة...

    فقال تعالى:
    ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾
    [ سورة طه الآية: 132]
    فالبيت الذي تقام فيه الصلوات، يتلى فيه القرآن، تقام فيه حدود الله عز وجل، فهذا بيت مرزوق، فالرزق بيد الله عز وجل، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.

    العامل الأول ... هو الاستغفار .

    العامل الثاني ... إقامة الصلوات وشعائر الله في البيت .


    ثالث وسيلة الأمانة...

    مستنبط من الحديث الشريف ، يقول عليه الصلاة والسلام :
    (( الأمانة غنى ))
    [ هكذا ورد بالأثر]
    الأمين موثوق، فإذاً أنت أثمن شيءٍ تملكه ثقة الناس، وإذا ملكت ثقة الناس فأنت أغنى الناس، وأكبر خسارة تحيط بك أن تفقد ثقة الناس، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول : "الأمانة غنى ".

    إذًا: وسائل الرزق هي :

    الاستغفار أوّلاً، وإقامة الصلوات والشعائر الدينية في البيوت ثانياً، والأمانة ثالثاً.


    رابع وسيلة صلة الرحم...

    قيل: صلة الرحم تزيد في الرزق.
    (( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))
    [ البخاري، مسلم، أبو داود، أحمد عن أَنَس بْن مَالِكٍ ]
    إذاً أنْ تصل رحمك، وصلة الرحم تعني أشياء ثلاثة:

    أن تزورهم أولاً ، وأن تتفقد أحوالهم تمهيداً لمساعدتهم ثانياً ، وأن تدلهم على الله ثالثاً.

    هذا ما تعنيه صلة الرحم، وهو العاملُ الرابع.

    الاستغفار وإقامة الصلاة والأمانة وصلة الرحم.


    خامس وسيلة صلة الإتقان...



    إتقان العمل جزء من الدين ، إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه ، وهذه حقيقة ، فالشركات المصنعة المتقنة ، بضاعتها محجوزة لسنوات ، وصاحب الحرفة المتقن محجوز لسنوات ، وإذا كسدت البضائع وبارت الأعمال فالمتقنون لا يتعطلون أبداً.

    فالإتقان عامل ، وصلة الرحم عامل ، والاستغفار عامل ، وإقامة الصلوات والأمر بها عامل، وإقامة القرآن الكريم عامل.
    ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾
    [ سورة المائدة الآية: 66]

    سادس وسيلة صلة الصدقة...

    وهناك عامل سادس وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام:
    (( استمطروا الرزق بالصدقة))
    [الجامع الصغير عن جبير بن مطعم]
    صدقة السر تطفئ غضب الرب، بادروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها.


    سابع وسيلة الاستقامة...

    فالإنسان المستقيم على أمر الله.
    ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ﴾
    [ سورة الجن الآيات: 16-17]
    المستقيم على أمر الله، والمقيم للصلوات، وهو يأمر بها أهله ومن يلوذ به، والمستغفر، والواصل لرحمه، والمتقن لعمله، والأمين، هؤلاء جمعياً أرزاقهم وفيرة، وهي قوانين ربنا عز وجل.


    مثال للتوضيح:




    فلما يكون الإنسان راكبًا مركبة في سفر، وفجأة تتوقف المركبة! ويطالعك هنا سلوكان؛ فأيهما السلوك الذكي؟

    أول سلوك: يصيح المسافر ويبكي ويزعبر!!!؟؟؟

    السلوك الثاني: يفتح غطاء المحرك ، ويبحث لماذا وقفت المركبة، هذا هو السلوك العلمي.

    فإذا شعر الإنسان أن رزقه ضيق، فإنّه يتساءل :

    يا ترى هل مِن سبب؟

    عدم إتقان، أو عدم أمانة، أو تفريط في أوامر الله عز وجل، أم مِن قلَّة الاستغفار، أم من في قطيعة رحم مثلاً، إذًا هناك أسباب.

    الخلاصة:


    لذلك فالإنسان حينما يشعر أن رزقه أقل مما ينبغي، فليبحث عن السبب، وربنا عز وجل قال :
    ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ﴾
    [ سورة المائدة الآية: 66]
    وبعد هذا يقول الله عز وجل: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾
    [ سورة المائدة الآية: 68]
    ونحن كمسلمين، واللهِ الذي لا إله إلا هو لسنا على شيء حتى نقيم القرآن الكريم في بيوتنا ، لذلك قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾
    [ سورة الأنفال الآية: 33]
    قال علماء التفسير: أنت فيهم، أي سنتك قائمة في بيوتهم، وفي أعمالهم، ما دامت سنة النبي علية الصلاة والسلام فينا، وفي علاقاتنا، وفي كسبنا للمال، وفي إنفاقنا للمال، وفي نشاطاتنا، وفي بيوتنا، فالله لا يعذبنا. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾
    [ سورة الأنفال الآية: 33]
    وإذا عرفنا أغلاطنا، وتبنا منها أيضاً فنحن في بحبوحة، فنحن في بحبوحة مرتين، إذا أذنبنا واستغفرنا، أو إذا تبنا واصطلحنا، فإذا كنا في أحد هذين الحالين، فنحن في بحبوحة، ونحن في سلام، وفي أمْنٍ من الله عز وجل.


    الخاتمة:


    أيها الإخوة الكرام؛ هاتان الآيتان مع أنهما موجهتان لأهل الكتاب إلا أن الله سبحانه وتعالى خاطبنا بأسلوب تربوي، فأحياناً الإنسان يخاطب شخصًا، وهو يعني شخصاً آخر، فالشخص الآخر لا يأتيه الكلام مباشراً، قال تعالى :
    ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾
    [ سورة المائدة الآية: 66]
    هذا كلام خالق الكون ، ولا شيء يمنع أن تكون هذه الآية قانوناً. ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾
    [ سورة المائدة الآية: 68]
    لذلك أداء الصلوات والصيام والحج، أو أداء العبادات الشعائرية، إذا لم يرافقه التزام بإنفاق المال وكسبه، و لم يرافقه التزام بالجوراح، وتطبيق للشرع الإلهي في بيوتنا وأعمالنا، فهذه الشعائر لا تقدم ولا تؤخر، وسأسمعكم بسرعة. ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾
    [ سورة العنكبوت الآية: 45]
    فإن لم تنهَهُ فصلاته لا قيمة لها.

    ومَن لم يدع قولَ الزور والعملَ به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.

    هذا مع الصيام.

    أمّا الحج:

    فإذا حج الإنسان بمال حرام، وقال: لبيك اللهم لبيك، يقول الله عز وجل: لا لبيك ولا سعديك ، وحجك مردود عليك.

    وإذا أنفق من مال حرام ، أو لم يكن مستقيمًا ، قال تعالى : ﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾
    [ سورة التوبة الآية: 53]
    هذه آيات قرآنية، فالصلاة والصوم والحج والزكاة، إذا لم رافقها استقامة تامة فلا تُقبَل، وحتى لا يضيع وقته، وحتى لا يتوهم أنه يصلي كما قلت سابقًا، بل أقم الصلاة، فإقامةُ الصلاة التزامٌ بقواعد الشرع الذي يسبق الصلاة، حتى إذا دخلت في الصلاة شعرتَ بهذه الصلة التي بينك وبين الله عز وجل.



    والحمد لله رب العالمين


     



  3. رقم #24
     افتراضي  العنوان : رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 28 Feb 2018 الساعة : 03:51 PM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.26 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل




    بسم الله الرحمن الرحيم



    سورة المائدة (5)


    الجزء الخامس


    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
    أيها الإخوة الكرام ؛ الآية الخامسة بعد المئة من سورة المائدة، وهي قوله تعالى:
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)﴾
    قبل أن نمضي في شرح هذه الآية الكريمة لا بد من مقدمة تلقي ضواءً على هذه الآية.
    أيها الإخوة ؛ الإنسان مؤلف من نفس وروح وجسد ،نفسه هي ذاته، هي حقيقته، نفسه هي التي تؤمن أو تكفر، هي التي تسعد أو تشقى، هي التي ترضى أو تغضب، هي التي تذوق الموت ولا تموت.
    ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾
    ( سورة آل عمران: 185 )
    هي التي تخلد في جنةٍ يدوم نعيمها، أو في نارٍ لا ينفذُ عذابها.
    لكن الجسد ما هو إلاّ قالبٌ لهذه النفس، وعاءٌ يحتويها، ثيابٌ ترتديها فالنفس من خلال الجسد ترى، والنفس من خلال الجسد تسمع، والنفس من خلال الجسد تتحرك، وقد تبطش، وقد تحسن، فما الجسد إلا وعاءٌ أو قالبٌ لهذه النفس.
    والروح هي القوة المحركة، فلولا الروح لما رأى الإنسان بعينه، ولا سمع بأذنه، ولا تقلصت عضلاته، ولا عملت أجهزته.
    إذاً من باب التقريب والتوضيح، القوة المحركة للأجهزة الكهربائية هي الكهرباء، فإذا قطعت الكهرباء عن هذا الجهاز توقف.
    فصار الآن واضحًا أنّ النفس هي الأصل، هي ذات الإنسان، هي التي تسعد، هي التي تشقى، هي التي ترقى، هي التي تسمو، هي التي تخلد، هي الباقية، هي الخالدة، تذوق الموت ولا تموت.
    والجسد بمثابة ثيابٍ خلعتها.
    والروح قوةٌ محركةٌ لهذا الجسد، فإذا انتهى أجل الإنسان، توقف الإمداد الروحي، فتعطل الجسد فخلعته النفس، فصعدت النفس إلى باريها.
    ربنا عز وجل يقول:
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
    يعني إذا اعتنيت بالجسد، فالجسد فانٍ، اعتنيت، أكلت أطيب الأكل، وتمتعت بأجمل المناظر، وسكنت في أجمل البيوت، واقترنت بأجمل النساء، هذا الجسد مؤدَّاه إلى التراب، فكل عنايتك وكل طاقتك، وكل رعايتك لهذا الجسد خسارة، لأنه سينتهي إلى القبر، وإلى الفناء.
    الله سبحانه تعالى يقول:
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
    اعتنِ بنفسك لأنها باقية، لأنها خالدة، لأنها في جنةٍ، أو في نار، لذلك يقول الله عز وجل:
    ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾
    ( سورة الشعراء: 88 ـ 89 )
    يقول سيدنا عمر رضي الله عنه: " تعَاهَدْ قلبك ".
    أمراض الجسد أيها الإخوة مهما تفاقمت تنتهي عند الموت، لكن أمراض النفس تبدأ بعد الموت، أمراض الجسد مهما كانت عضالة أو خطيرة، مرض خبيث فإذا مات الجسد انتهى أثرُ المرض، والموت يُنهي قوة القوي، وضعف الضعيف، وصحة الصحيح، ومرض المريض، وغنى الغني، وفقر الفقير، الموت ينهي كل شيءٍ، فأي عناية وأي جهدٍ منصَبٍّ على هذا الجسد فهو خسارة.
    يعني مثلاً إنسان ساكن في بيت أجرة، ومالكُ البيت بأية لحظة - حسب الأنظمة - بإمكانه أن يطرد المستأجر إلى خارج البيت، وهذا المستأجر له دخل كبير، هل من الحكمة أن ينفق هذا الدخل الكبير في تزيين هذا البيت، والعناية به، وطلائه، وتزيين سقفه، وبأي لحظة يخسر البيت، لكن العقل أن تزيِّن بيتك الأبدي، البيت النهائي.
    فربنا عز وجل يقول:
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
    يعني هذه النفس، هناك أربع آيات في القرآن.
    ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾
    (سورة الشمس: 9 )
    ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾
    ( سورة المؤمنون: 1 )
    الفلاح كل الفلاح، والتفوق كل التفوق، والفوز كل الفوز والنجاح كل النجاح، والذكاء كل الذكاء، والعقل كل العقل، بأن تعتني بنفسك، أن تُعرفها بربك، أن تحملها على طاعة الله، لأنه إذا جاء الموت، وأصبح الجسد جثة هامدة، بعد حين تتفسخ، والروح انقطع إمدادها، بقيت هذه النفس التي هي أنت، إما أن تسعد لتزكيتها، وإما أن تشقى لفسادها.
    فالآية الكريمة:
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
    ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
    يعني الزموا أنفسكم، طهروا أنفسكم، زكُّوا أنفسكم، عِّرفوا أنفسكم بربها، احملوها على طاعته، عرِّفوها كتاب الله، عرِّفوها سنة رسوله، احملوها على العمل الصالح، لتعرف حقيقتها جوهرها، موقعها، أين كانت ؟ ماذا تفعل هنا ؟ ماذا بعد الموت ؟
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
    عليكم اسم فعل أمر بمعنى الزم، يعني انتبه لنفسك، هي الأصل، يعني المرض بالجسم ينتهي عند الموت، لكن مرض النفس يبدأ عند الموت.
    ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾
    تتمة الآية:
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾
    من إعجاز القرآن الكريم، أن بعض آياته لها عدة معانٍ في وقت واحد.
    ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾
    لا تقل: يا أخي الناس هكذا يفعلون، أنا مع الناس، هذا هو الإمعة، الذي يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، وكل إنسان يحتجُّ بالتيار العام، يحتجُّ بقوله: الناس كلهم هكذا، هكذا يكون كسب المال، والتجارة هكذا كما يتاجر الناس، إذا ما غششنا لا نعيش، عندنا أولاد، هذا الذي يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، هذا إمعة، وطِّنْ نفسك على أن الناس لو أساءوا جميعاً، عليك أن تحسن.
    ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾
    يعني إذا اهتدى إنسان إلى الله، وعرف الحق ينبغي ألاّ يقلد الناس، الناس في ضلال، في بُعد، في غفلة، في جهل.
    ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾
    ( سورة الأنعام: 116 )
    ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13)﴾
    ( سورة سبأ: 13 )
    هكذا الآيات:
    ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾
    إذا عرفت الحق، لو أن الأكثرية كانت مع الباطل، الأكثرية مع أكلِ الربا، الأكثرية مع الاختلاط، الأكثرية مع إطلاق البصر الأكثرية مع كسب المال الحرام، الأكثرية مع التفلت من الدين، الأكثرية مع الانغماس في الشهوات، أنت عليك نفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت، وهناك معنى آخر للآية، يعني أنت إذا لزمت نفسك وزكيتها، وطهرتها وحملتها على طاعة الله، عندئذٍ لا تستحق المعالجة من الله، عندئذٍ هؤلاء الذين ضلوا لا يستطيعون أن يصلوا إليك.
    ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ ﴾
    إذا عُرِف عن الإنسان أنّه مقصر، ومرتكب معاصٍ، وآكل حقوق، معتدٍ على أعراض، مقصّر في واجبات، هؤلاء الضلال أقوياء غالباً، فسيصلون إليه ويؤدبونه، وينالون منه، أما أنت ؛ إذا عرفت الله، وحملت نفسك على طاعته فلا يستطيع هذا الضال أن يضرك.
    ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾
    لذلك ورد في أحد الأحاديث الصحيحة، أن إذا رأيت شُحاً مُطاعاً، وهوى متبعاً، وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه، فالزم بيتك، وامسك لسانك، وخذ ما تعرف، و دع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة.
    ففي القرآن الكريم إعجاز، يتماشى مع كل العصور، ففي عصر النفاق، والفجور، والضلال، في عصر الفتن، في عصر الضلالات.
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
    عليك مِن نفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت، أو عليك نفسك، يعني الزم نفسك، عرفها بربها، عرفها بمنهج ربها، احملها على طاعته، زكِّها كي تسمو بها، إن كنت كذلك فلا يستطيع الضال أن يصل إليك، ولا أن ينال منك، ولا أن يؤذيك.
    فصارت الآية، إذا كنت في زمنٍ صعبٍ، في زمن القابض على دينه كالقابض على جمر، في زمن يصبح المعروف منكراً، والمنكر معروفًا، في زمن يُؤمر فيهُ بالمنكر وينهى عن المعروف، في زمن يُكَذَّب الصادق، ويُصَدَّق الكاذب، يُؤتمن الخائن ويُؤمَّن الخائن.
    في هذا الزمن الصعب.
    ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
    يعني لا تحمل همَّ الناس، أنت في زمن صعب فعليك مِن نفسك، عِّرف نفسك بربها، واحملها على طاعته، لا يضرك من ضل، لو أن الناس جميعاً ضلوا، لهم رب يحاسبهم، هذا معنى.
    المعنى الثاني عليك نفسك، يعني الزمها، اعتنِ بها، عرفها، احرص على إيمانها، احرص على طاعتها، فإذا سمت نفسك وزكت، عندئذٍ لا يستطيع الضال أن يصل إليك، ولا أن يتسلط عليك، ولا أن ينال منك، ولا أن يضيق عليك، أو أن يفعل معك شيئاً يضرك، لقوله تعالى:
    ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)﴾
    ( سورة النساء: 141 )
    مستحيل.
    فهذه الآية أيها الإخوة لك أن تفهمها على أي وجه، وكلا الوجهين صحيح، وكما قال سيدنا علي كرم الله وجهه: القرآن حمال أوجه.
    ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
    أي انتبه لنفسك، وعليك من نفسك، ودع عنك أمر العامة، إذا كنت في زمن الفساد والضلال والفتن والانحراف والفجور والمعصية.
    والمعنى الثاني، عليك نفسك أي الزمها، واعتنِ بها، عرِّفها، زكِّها، ارقَ بها، فإذا كانت في هذا المستوى الرفيع عندئذٍ لا يستطيع أحد أن يصل إليك، فأنت في حفظ الله.
    إذا كان الله معك فمن عليك وإذا كان عليك فمن معك
    ***
    أيها الإخوة الأكارم ؛ الإنسان ليس بحكيم إذا لم يدارِ مَن لا بد مِن مدراته، فهو مخطئٌ إذًا، يعني لك أخ، لك جار مخلص، لك ابن، لك صهر، هذه خاصة نفسك، لكن أنْ تمسك امرأة سافرة في الطريق، ثم تقول: أنتِ فاسقة، أنتِ فاجرة، فلا تقل ذلك، فيكفيك الإنكارُ بقلبك، وهذا معنى الآية.
    ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾
    يعني إذا كان الإنسان بإمكانه أن ينكر المنكر بقلبه، فلينكره بقلبه، طبعاً إذا كان لا يستطيع أن ينكره بلسانه.
    الله سبحانه وتعالى لا يقبل أن تنكر المنكر بقلبك إذا كنت قادرًا على أن تنكره بلسانك، كما أنه لا يقبل منك أن تنكره بلسانك إذا كنت قادرًا على أن تنكره بيدك، فإذا رأى الإنسان منكرًا، وليس بإمكانه أن يصلحه فليقل: اللهم هذا منكر لا أرضى به، ولا أقوى على تغييره.
    إذاً الآية الكريمة:
    ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
    الزموا أنفسكم.
    فلماذا إنْ شعَر الواحدُ بذبابةٍ أمام عينه تمشي مع حركة عينه فلا ينام الليل، ثم يراجع طبيب عيون، فحدَّد بله موعدًا بعد ستة أشهر، يقول: أنتظر فهذه عين ليس معها لعب، فلماذا أنت حريص حرصاً لا حدود له على عينك ؟ ولست حريصاً على قلبك.
    لذلك ورد في بعض الآثار القدسية: ((أن يا عبدي طهَّرتَ منظرَ الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة ؟))
    تريد مدخل البناية أنيقًا، أخي المدخل غير لائق، ولعله يصادفنا فرح تريد مدخلاً أنيقًا، بيتًا مرتبًا، غرفة ضيوف، غرفة صالون، غرفة طعام، دهان جديد، ورق أحياناً، جبصين.
    طهرت منظر الخلق، بيتك، ومركبتك، ولبسك، وأناقتك هذا منظر الخلق.
    (( عبدي طهَّرتَ منظرَ الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة ؟))
    ما هو منظر الله ؟ القلب لأن الله ينظر إلى قلوبكم، إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، و لكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فصار القلب منظر الرب.
    فيا عبدي، عتاب:
    (( طهَّرتَ منظرَ الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة ؟))
    أتستحيي من ضيف يدخل بيتك غرفة الضيوف، عندما تكون الغرفة غير منتظمة، أو فيها حاجات مبعثرة، أتستحيي من ضيف أن يرى الغرفة على هذا الشكل ؟ ولا تستحيي من الله أن يرى في قلبك غلاً للمؤمنين، أو حسداً، أو كبراً، أمراضًا وبيلة.
    إذاً:
    (( عبدي طهَّرتَ منظرَ الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة ؟))




    والحمد لله رب العالمين



     



  4. رقم #25
     افتراضي  العنوان : رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 01 Mar 2018 الساعة : 10:19 AM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.26 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل




    بسم الله الرحمن الرحيم



    سورة الانعام (6)


    الجزء الاول


    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنامحمد الصادق الوعد الأمين:
    أيها الأخوة الكرام: يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز.
    ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

    ( سورة الإسراء: 82 )
    وفي آية أخرى وصف الله كتابه الكريم بأنه شفاء لما في الصدور.

    ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) ﴾

    ( سورة يونس: 57 )
    معنى هاتين الآيتين، أن الإنسان في الحياة الدنيا، قد يقف أمام ظاهرة محيرة فمثلاً: لو أن امرء ذهب إلى بلاد الغرب، لرأى بلاداً جميلة وأمطاراً غزيرة وأبنية شاهقة وحدائق غناء ودخلاً مرتفعاً، ورأى كل وسائل الرفاء متوافر لدى أي إنسان، ورأى مع ذلك انحرافا خطيراً، زنى، شذوذ، مخدرات، تبادل زوجات، زنى محارم، وهم أقوى وهم الأقوياء، والأغنياء، والمسيطرون على العالم كله، ينشئ عنده سؤال يا رب ؟ ما بال هؤلاء يزدادون قوة وسيطرة واستبدادا للشعوب وهم في أحط دركات الفسق والفجور، أين الله ؟ إذا نشأ هذا التساؤل، هذه مشكلة، قد يختل لها توازن المؤمن، كيف أن القرآن الكريم شفاء لما في الصدور، دققوا في هذه الآية الكريمة في سورة الأنعام الآية الثانية والأربعين قال تعالى:

    ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)﴾
    فلما نسوا ما ذكروا به، وذكرناهم و ذكرناهم تارة بالبأساء وتارة بالضراء وتارة بالخوف، فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ، ليس باباً واحداً، ولكن أبواباً، وليس شيئاً واحداً، ولكن أبواب كل شئ، هل من آية أكثر شمولاً واتساعا من هاتين الكلمتين.
    يعني... الغنى مع البلاد الخضراء، مع الأمطار الغزيرة، مع الدخل المرتفع،
    ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
    هذا كلام رب العالمين:

    ﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)﴾
    المؤمن أحياناً يختل توازنه حينما يرى كافراً فاجراً فاسقاً منحلاً قوياً مسيطراً ربنا سبحانه وتعالى يقول:

    ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)﴾

    (سورة آل عمران: 196 - 197 )

    في آية أخرى يقول الله عز وجل:

    ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)﴾

    ( سورة الفجر: 15 )
    هذه مقولته،

    ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)﴾

    ( سورة الفجر )
    يقول الله عز وجل،

    ﴿كَلَّا﴾

    (سورة الفجر: 17 )
    كلا أداة نفي وردع، يعني هذا ليس صحيحاً، هذه مقولتكم هذا وهمكم هذا ظنكم، ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء، فإذا أعطى الله عبداً مالاً أو جاهاً أو قوة أو ذكاء أو وسامة، هذه لا قيمة لها، هذا العطاء موقوف على نوع استعماله، فإذا أنفق ماله في طاعة الله، انقلب المال إلى نعمة، وإذا أنفق قوته في نصرة المظلوم، انقلبت القوة إلى نعمة وإذا أنفق ذكائه في الدعوة إلى الله، انقلب ذكائه إلى نعمة، أما إذا أنفق ماله فيما لا يرضي الله صار المال نقمة ليس نعمة، إذا أنفق جاهه فيما يغضب الله صار الجاه نقمة لا نعمة، إذا أعمل فكره اللماح فيما لا يرضي الله، صار هذا الذكاء وبالاً على صاحبه. فالنعمة الحقيقة، هي النعمة التي تنفق فيما ترضي الله.

    ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) ﴾

    ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾

    ( سورة آل عمران: 196 - 197 ـ 198 )
    قارون حينما خرج على قومه في زينته:

    ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80)﴾

    (سورة القصص: 79 ـ 80 )
    فأنت أمام مظاهر البذخ والغنى والقوة والسيطرة، أنت كمؤمن ممتحن قد يختل التوازن إذا رأيت أن هذا يزداد قوة ومناعة وسيطرة وهو في أحط الأحوال في الوحول، فلئلا يختل توازنك تأتي هذه الآيات ليطمئنك.
    البطولة أن تكون على منهج الله كفاك على عدوك نصراً أنه في معصية الله،

    ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196)﴾

    ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

    ( سورة آإبراهيم: 42 )
    فالإنسان كلما رأى مظاهر القوة، مظاهر الغنى، يتمتع بها إنسان، بعيد عن الدين، غارق بالمعاصي والشهوات، لا ينبغي أن يختل التوازن، يقول ما بال هؤلاء المؤمنين، فقراء مستضعفين.
    الغنى والفقر بعد العرض على الله.
    الإنسان كلما كان إيمانه قوياً يزداد ثقة بوعد الله.

    ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾

    ( سورة القصص: 61 )
    هذه الآيات أسوقها لكم، كي يزداد المؤمن ثقة بربه، لأن الله سبحانه وتعالى إذا رضي عنك فأنت أقوى الناس، وأنت أغنى الناس، وأنت أسعد الناس، أنت المتفوق، وأنت الفائز، وأنت الرابح، وأنت الناجح وأنت الفالح، وأنت الذكي، وأنت العاقل.
    ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)﴾

    ( سورة الأحزاب: 71 )
    يعني... لما المؤمن يكون على منهج الله تماماً، ويرى أحداً فاقه في الدنيا إذا شعر بالحرمان، فو الله الذي لا إله إلا هو هذا ضعف كبير في إيمانه، من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقر ما عظمه الله، أتاك الله القرآن، أتاك الله الحكمة، جعلك على صراط مستقيم، جعلك في خدمة الخلق، ألا يكفي الإنسان أن يقيَم نفسه وفق هذه القاعدة، إذا أردت أن تعرف مقامك فنظر فيما استعملك ما دورك في الحياة، هناك أعمال مربحة جداً، قائمة على أخذ ما في أيدي الناس، أو على إيذاء الناس، أو على تخويف الناس، هذه الأعمال لو درت عليك ألوف الملايين، لا تعبأ بها، اجعلها تحت قدمك، ابحث عن رزق حلال، ابحث عن رزق يرضي الله عز وجل ابحث عن خدمة للخلق، لأن هذه الدنيا زائلة، فهذا شيء أساسي في الدين، إذا رأيت إنساناً قوياً، مسيطراً، يزداد قوة ومناعة، وهو في أحط الدركات، في الوحول، في المعاصي، في الأثام، في الكفر، في الفسق، في الفجور، لا ينبغي أن تقول هذا الله أعطاه، الله ما أعطاه شيئاً، هذا ليس عطاء، العطاء ؟! إذا أعطاك الله حظ من حظوظ الدنيا فتستهلكه فيما يرضي الله، هذا هو العطاء.
    لا حسد إلا في اثنتين، رجل أتاه الله علماً فهو يعلمه للناس، ورجل أتاه الله مالاً فهو ينفقه في طاعة الله، هؤلاء الشخصين لك أن تغبطهما، أما أن تغبط غنياً على غناه، سوف تسأل عن كل درهم كيف اكتسبته وكيف أنفقته.
    يحشر الأغنياء أربعة فرق يوم القيامة...
    فريق جمع المال من حرام وأنفقه في حرام، هذا حسابه سريع جداً، يقال خذوه إلى النار.
    فريق جمع المال من حرام ـ عنده ملهى ـ وأنفقه في حلال، أشترى بيت وأزوج يقال خذوه إلى النار، فيه فقرة حرام لأنه.
    فريق جمع المال من حلال ـ تجارة مشروعة ـ وأنفقه في حرام، على النوادي الليلية، فيقال خذوه إلى النار.
    جمعه من حرام وأنفقه في حرام إلى النار.
    جمعه من حلال وأنفقه في حرام إلى النار.
    جمعه من حرام وأنفقه في حلال إلى النار.
    وفريق جمع المال من حلال وأنفقه في حلال، قال هذا حاسبوه، هذا قفوة فاسألوه، هل تاه بماله على عباد الله، هل نسيَ فرضاً أو واجباً، هل قال جيرانه يا رب لقد أغنيته بين أظهرنا فقصر في حقنا.
    يقول عليه الصلاة والسلام:
    ((فما زال يسأل ويسأل، تركهم يسألونه، وأمامه حساب طويل، حتى ما من ميت إلا وروحه ترفرف فوق النعش تقول: يا أهلي يا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حل وحرم فأنفقته في حله وفي غير حله فالهناء لكم والتبعية عليَ.))
    فيا أيها الأخوة الكرام:
    العبرة أن تكون في طاعة الله

    ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

    (سورة الحجرات: 13 )
    العبرة أن تكون على منهج الله، العبرة أن تكون فيما يرضي الله.
    الإمام الجنيد سئل من هو الولي ؟! أهو الذي يطير في الهواء، قال: لا، قالوا أهو الذي يمشي على سطح الماء قال: لا، قال الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، البطولة أن يجدك الله حيث أمرك وأن يفتقدك حيث نهاك، هذا الولي.
    فالإنسان أيام يتألم لخلل مقايسه، إذا مقايسه فيها خلل يتألم، أما إذا كانت مقايسه طاعة الله عز وجل، وأن الآخرة هي الدار الحقيقية، وأن الجنة هي المغنم الكبير، وأن الله سبحانه وتعالى سميع بصير، وعليم بأحوال عبده.
    لذلك يقول الله عز وجل:

    ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)﴾

    ( سورة الشعراء: 213 ـ 214 ـ 215 ـ 216 ـ 217 ـ 218 ـ 219 ـ 220 )

    والحمد لله رب العالمين

    بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..






    والحمد لله رب العالمين



     



  5. رقم #26
     افتراضي  العنوان : رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 01 Mar 2018 الساعة : 10:21 AM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.26 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل




    بسم الله الرحمن الرحيم



    سورة الانعام (6)


    الجزء الثانى



    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
    أيها الأخوة الكرام:
    قد يسأل أحد هذا السؤال، لماذا يعصي المسلم ربه ؟ مع أن الأوامر معروفة، الحلال بين، والحرام بين، ولا جهل في بلد الإسلام، ما من مسلم إلا ويحضر ميئات الخطب، فالحلال بين، والحرام بين، فلماذا يعصي المسلم ربه ؟ أغلب الظن أن الإنسان حينما لا يعرف الله عز وجل، و يعرف أمره لا يطبق أمره.
    فهناك فرق كبير بين معرفة الله، ومعرفة أمره...
    معرفة الأمر يحتاج إلى مدارسة، أي إنسان في رأسه عقل يقرأ كتب الفقه، فيعرف أن هذا حلال وهذا حرام، وهذا واجب، وهذا مباح، وهذا مكروه، وهذا مندوب، وهذا مكروه كراهة تحريمية، وذاك مكروه كراهة تنزيهية.
    لكن لماذا لا يطبق المسلم أمر الله عز وجل ؟ لأنه في حياته نقص في عبادة فريدة قلما يلتفتوا المسلمون إليها، إنها عبادة التفكر.
    هو يعرف الأمر ولا يعرف الآمر، يعرف الحكم الشرعي، ولا يعرف الذي أنزل هذا الحكم الشرعي.
    إليكم هذه القصة من سورة الأنعام، تبين عبادة التفكر، وقبل أن نمهد لهذه القصة، لو أن جندياً في قطعة عسكرية تلقى أمراً من عريف سبعة، قد لا يعبأ بهذا الأمر، كلما علت الرتبة اهتم بالأمر.
    فحينما لا تهتم بأمر الله، فهذا دليل أنك لا تعرفه، عليك أن تتعرف إلى الله، فإذا عرفت عظمة الله عز وجل، وعرفت ما عنده من إكرام إذا أطعته، وعرفت ما عنده من عقاب إذا عصيته، عندئذٍ تبادر إلى أمره، إذاً قيمة الأمر من قيمة الآمر.
    ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾
    ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ﴾
    ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾
    سيدنا إبراهيم نظر إلى هذه الأصنام، أيعقل أن أنحت حجراً بيدي وأنزع الأزميل عن رأسه ثم أقف بين يده متأدباً !
    في بعض القبائل كانت تعبد رباً من تمر، فلما جاعت أكلته، فقالوا أكلت ودٌ ربها، بعضهم رأى ثعباناً يبول على رأس صنم،
    قال:
    أربٌ يبول الثعلبان برأسه قد ضل من بالت عليه الثعالب
    ***

    سيدنا إبراهيم، قطعة حجر منحوته نعبدها:
    ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)﴾
    يعني أن الإنسان، إذا طلب الحقيقة صادقاً أراه الله إياها، إذا طلبت الحقيقة بصدق أراك الله إياها.
    قال:
    ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً﴾
    كوكب متألق.﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾
    معقول صنم من حجر، نحته الإنسان يعبده من دون الله.
    فلما:
    ﴿رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76)﴾
    مادام هذا النجم أفل، من يرع الكون في غيبته؟ إذاً ليس رباً.
    ما معنى ذلك ؟ هناك نشاط فكري، هناك سؤال، طرح فرضية امتحان فرضية.
    ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾
    أكبر هذا.
    ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾
    شعر أن هذا كله يأفل ويذهب، هذا كله مخلوقات.
    ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)﴾
    هذه المحاكمة الفكرية، ينبغي أن يجريها المسلم، ينبغي أن يبني إيمانه على النظر، وعلى بحث، وعلى درس، وعلى سؤال، وعلى جواب، وعلى تفكر.
    لأنه كلما عرفت الآمر، انطلقت إلى تنفيذ أمره، وكلما ضعفت قيمة الآمر عندك، حاولت أن تتفلت من أمره.
    يقول الله عز وجل: على لسان سيدنا إبراهيم:

    ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾
    هؤلاء الأصنام الأقوياء الأشرار، هؤلاء لا أخافهم:
    ﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً﴾
    هذه القوى الشريرة، هذه لو سمح الله لها تصل إليك، هذا موقف المسلم، قد يجد إنسان شرير، إنسان مخيف، نام في البرية في أفعى، في عقرب، في حيوانات مفترسة، في أمراض وبيلة، في جراثيم، في فيروسات، الحياة كلها أخطار، هذه الأخطار بيد الله لأن الله عز وجل يقول:
    ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾
    ( سورة الزمر:62)
    بيده الخلق والأمر قال:
    ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً﴾
    إلا إذا أذن الله أن يصل هؤلاء إليَ.
    ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)﴾
    إخوانا الكرام:
    نعمة الأمن لا تعدلها نعمة على الإطلاق، وهذه النعمة لا يعرفها إلا المؤمن حصراً، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون، جاء الجواب، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون.
    إذا أردت أن تنعم بنعمة الأمن، وهذه النعمة والله يفتقر إليها الأقوياء والأغنياء والأثرياء والمتسلطون والجبابرة لأن الله عز وجل يقول:
    ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾
    ( سورة آل عمران: 151 )
    لمجرد أن تشرك يقذف الله في قلب الإنسان الرعب.﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾
    ( سورة الشعراء: 231 )
    إذاً نعمة الأمن، الأمن بالمناسبة ليس ألا تقع مصيبة، لا ! هذه السلامة، هذه السلامة، نعمة الأمن ألا تتوقع المصيبة، وفرق كبير بين عدم وقوع مصيبة وبين عدم توقعها، لأنك من خوف الفقر في فقر وأنت من خوف المرض في مرض، وتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها وهذا الذي يخاف المرض الخبيث والأزمة القلبية، الآن في أمراض قلب سببها، قد تستغربون، أمراض قلب وبيلة، سببها الخوف من أمراض القلب، الخوف من أمراض القلب يسبب مرضاً في القلب، قلق، هناك أمراض خبيثة، سببها الخوف من الأمراض الخبيثة، الخوف والقلق يضعف جهاز المناعة لدى الإنسان، وإذا ضعف جهاز المناعة نمى، نمت الخلايا نمواً عشواقياً فكان المرض الخبيث.
    لذلك نعمة الأمن أعظم نعمة يتمتع بها المؤمن، أمره كله بيد الله، والله يرى ويسمع وقدير وعليم وغني وعادل ورحيم وقدير ولطيف لا يحتاج إلى قسم ولا إلى بيان ولا إلى وثيقة ولا إلى شهود هو يعلم.
    ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً (31)﴾
    (سورة الفرقان: 31)
    ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)﴾
    (سورة آل عمران: 173)
    يقول الله عز وجل:﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)﴾
    جاء الجواب:﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾
    إخوانا الكرام:
    ربنا عز وجل تعامله مع الناس واضح جداً، أتريد نعمة الأمن، عال، ثمنها واضح، ثمنها أن تؤمن وأن لا تظلم، لا زوجة، ولا ولد ولا جار، ولا زبون أبداً، كن منصفاً في كل شيء، إياك أن تظلم، آمن ولا تظلم، تنال نعمة الأمن.
    ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾
    هذه الآيات، الإنسان لابد له من تفكراً في خلق السماوات والأرض، لابد له من وقفت من حين إلى آخر، قد تكون هذه الوقفة بعد صلاة الفجر، في ساعة تأمل، في وقت فراغ، بتركب سيارة، جالس بالبيت وحدك، فكر في نعمة الطعام والشراب، نعمة الأمن، نعمة الأولاد، في هذه العين، في هذا اللسان، في هذا الشعر، كلما تفكرت في ملكوت السماوات والأرض ازداد حجم معرفتك بالله، وكلما ازداد حجم معرفتك بالله، ازدادت خشيتك له.
    ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
    ( سورة فاطر: 28 )
    أريتم أيها الأخوة لماذا يعصي المسلم ربه ؟ لأنه يعرف الأمر، ولا يعرف الآمر، لأنه فكر في الحكم الشرعي ولم يفكر في ملكوت السماوات والأرض.
    إذاً في هذه الآيات من سورة الأنعام والتي تبدأ بالآية الرابعة والسبعين، في هذه الآيات إشارة إلى عبادة التفكر التي هي من دون شك أرقى العبادات.
    ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)﴾
    (سورة القدر: 2 ـ 3 )
    يعني ألف شهر ثمانين عام، ثمانون عاماً تعبد الله صائماً ومصلياً، قائماً، منفقاً، حاجاً، معتمراً، لحظة تفكر في ملكوت السماوات والأرض يزداد حجم معرفتك بالله عز وجل، هذه اللحظة خير من ألف شهر.
    قال تعالى:
    ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ﴾
    (سورة الزمر: 67 )
    لما الإنسان بكون جندي أمام لواء، يقول له ازحاف عالزاي بكون انبطح، عالزاي، قبل أن تأتي الحروف البقية، أما إذا قال له عريف ما برد عليه.
    هي القاعدة قيمة الأمر من قيمة الآمر.
    ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
    فالإنسان يشرب كأس ماء يفكر فيه، أكل رغيف خبز يفكر فيه، كأس حليب يفكر فيه، أو ابنه أمامه، يعرف أنه كان نقطة ماء ـ ثلاث مائة مليون حوين يقذفها الرجل باللقاء الزوجي من حوين واحد مع بويضة واحدة، مع عشر آلاف انقسام بالطريق إلى الرحم، ثم تغرز هذه البويضة بالرحم، ويتشكل الدماغ والعمود الفقري واللحم كيف صار هذا الطفل ؟ يأكل، ويشرب، ويبكي ويضحك ويتثاءب ويعطس، ويطلب، ويتكلم.
    ابنك آية من الآيات الله الدالة على عظمة الله، ما بتعرف شوفي بجسمك، أخونا القصاب عنده اللحم، الله جعل الخروف مثل الإنسان شوف الكبد، شوف الكليتين، شوف المسالقة، شوف الأمعاء العضلات العظام، الأربطة، إذا واحد وقف عند قصاب، بيعرف كل شي عن جسم الإنسان، لحكمة بالغة جعل طعامك اليومي من حيوان مشكل وفق تشكيل الإنسان، في جمجمة، في دماغ، في أعصاب، في أورده، وفي شرايين، وفي قلب.
    أنا مرة ابني جاب قلب للبيت، قلب خروف، قبل أن نأكله، شرحناه هذا الدسام، الأوردة، البطين، الأذين، شيء عظيم جداً.
    فكل معرفتك بالله ازدادت، تزداد الخشية.
    فآيات اليوم دعوة للتفكر في خلق السماوات والأرض، ليزداد حجم معرفتك بالله، وبالتالي لتزداد حشيتك له.
    والشيء الثاني الأمن أعظم نعمة على الإطلاق، ثمنها الإيمان وعدم الظلم، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون، والأمن ليس عدم وقوع المصيبة، بل هو عدم توقع المصيبة.

    والحمد لله رب العالمين
    بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..








    والحمد لله رب العالمين




     



  6. رقم #27
     افتراضي  العنوان : رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 01 Mar 2018 الساعة : 10:23 AM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.26 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل



    بسم الله الرحمن الرحيم



    سورة الانعام (6)


    الجزء الثالث



    لحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
    أيها الأخوة الكرام:
    الآية الحادية عشر بعد المائة من سورة الأنعام وهي قوله تعالى:
    ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) ﴾
    القرآن الكريم: أيها الأخوة، معظم آياته محكمة، معنى محكمة يعني واضحة، لا تحتاج إلى تفسير، يفهمها كل من ينطق بالعربية، مثلاً إن الله يحب الصادقين، فسر، كالشمس في رابعة النهار.
    ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً (36)﴾
    (سورة النساء:36)
    ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً (103)﴾
    (سورة النساء: 103 )
    أكثر آيات القرآن الكريم، محكمة، بل إن معظم الآيات الكريمة المتعلقة بالفرائض، وأصول الشريعة، محكمة.
    لكن بعض الآيات متشابهة، معنى متشابهة تحتاج إلى تأويل.
    أما التأويل سأوضحه لكم، بقصة تروى عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    يروى أن أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان عند سيدنا عمر رضي الله عنه، فقال والله يا أمير المؤمنين: إني أصلي بغير وضوء، وأفر من رحمة الله، وأكره اليقين، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء، هذه كلها كلمات كفر.
    سيدنا علي رضي الله عنه، أوتي فهماً دقيقاً.
    قال يا أمير المؤمنين: لا تعجل عليه، إنه يصلي على النبي بغير وضوء، ويفر من المطر، وهي رحمة السماء، ويكره اليقين وهو الموت ليزداد عمله الصالح، وله زوجة وولد ما ليس لله في السماء.
    فأحياناً النص يحتاج إلى تأويل، التأويل غير التفسير، إذا ورد في النص شيء غير معقول، لابد من تأويله، حتى يتوافق مع المعقول.
    بعض الآيات متشابهة، الإنسان ماله حق يرفض المعنى، أو المعنى يجعله ارتباك، أو افتراض، أو سوء ظن بالله، ربنا عز وجل قال:
    ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾
    (سورة يونس: 39 )
    لو جاء تأويله لما كذبوا به، في آية أخرى.
    يقول الله عز وجل:
    ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7)﴾
    (سورة الأنبياء:7 )
    في آية ثانية،
    ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59) ﴾
    (سورة الفرقان: 59 )
    هذه الآية لعلها من المتشابهات.
    ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ نزل سيدنا جبريل، مو لسيدنا محمد لكل مؤمن، قال له أنا جبريل: وأنا جئتك من عند الله، والجنة حق والنار حق، وإلخ...
    لو أن أحدنا لقى سيدنا جبريل، وسمع من فمه أن هذا القرآن حق وأن الجنة حق، وأن النار حق.

    ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾
    بعد ما دفنا فلان، طرق الباب جاء بذاته، أنا كنت بالجنة وراجع أو كنت بجهنم وراجع، انتبهوا في أوضح من هذا دلالة، يعني ميت يرجع يحكي لنا شو صار معه.
    ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً﴾
    المعجزات، النبي الكريم قال للجبال: تنحي بعيداً راحت الجبال، ممكن ! الله على كل شيء قدير.
    لكن مع كل هذه المعجزات قال:

    ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾
    يعني هل يفهم من هذا أن الله سبحانه وتعالى ما شاء لهم الهداية طيب لماذا خلقهم إذاً ؟
    ألم يقل الله عز وجل:
    ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
    (سورة هود: 119 )
    ألم يقل الله عز وجل:
    ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾
    (سورة الذاريات: 56)
    هذه الآية أيها الأخوة: دقيقة جداً، يعني الإنسان إذا طلب الهدى بخرق العادات فهو واهم، الكون بحد ذاته بوضعه الراهن بدون أن تخرق عاداته أكبر معجزة، ابنك أليس معجزة، باللقاء الزوجي ثلاثمائة مليون حوين وفي قول خمسمائة مليون، والبويضة تحتاج إلى حوين واحد، فيه رأس، وعنق، وذيل، ومادة نبيلة مغطاة بغشاء رقيق فإذا وصل هذا الحوين القوي إلى البويضة وأرتطم بها تمزق الغشاء فساهم هذا السائل النبيل بحفر جدار البويضة ليدخل هذا الحوين وهذا الحوين فيه خمسة آلاف مليون معلومة، الواحد، والبويضة فيها خمسة آلاف معلومة، وبيتحدوا وينقسموا عشرة آلاف قسم، والبويضة في طريقها إلى الرحم، دون أن يزداد الحجم، لئلا تتعرقل الحركة، ثم تغرس هذه البويضة في جدار الرحم، وتأتي الأغذية، وبعد تسعة أشهر طفل، دماغ، أعصاب، أعصاب العين تسعمائة ألف عصب إذاً الإنسان مسك جمجمة، بلاقي فيها ثقب، هذا الثقب هو عرض أو قطر العصب البصري، تسعمائة عصب، لكل عصب ثلاث أغماد أغلفة، قطر هذه الأعصاب كلها واحد ميلي ونصف، أليس هذا معجزة خلق الإنسان معجزة، طعامه معجزة، والنبات مو معجزة ؟ يعني النبات هي الروشين كائن حي، روشين، سويق وجذير ومحفظة غذاء على الرطوبة ينموا، هذه البزرة تشكل شجرة، والشجرة ثمار وكل ثمرة فيها ملايين البزور، أليست هذه معجزة ؟ النبات أليس معجزة ؟ بدك ليفة نبات، بدك خلة نبات، بدك مسواك نبات، أسبغة نبات، بدك خشب أساس نبات، بدك تآكل نبات، بدك كوشك نبات، بدك فلين نبات.
    الله قال:
    ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾
    (سورة الأنعام: 99 )
    فلما الإنسان يتعامى عن هذه الآيات الصارخة الدالة على عظمة الله، ويطلب خرق للقوانين، بدو الملك يحاكي بريد الميت يحاكي.
    قال:
    ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾
    إلا أن يسلكوا الطريقة التي رسمها الله.
    يعني أوضح مثل، لو تقرأ كل المجلات الطبية، طبيبك، إلى آخره ما بتصير طبيب، لو بتعمل كل ثلاثاء سهرة مع خمس أطباء، ما بتصير طبيب، ممكن تعمل ألف قضية لها علاقة بالطب، بس ما بتصير طبيب، إلا أن تدخل كلية الطب، بمجموع عالي بتعمل خمس سنوات أو سبع سنوات، بتعمل اختصاص، الآن بتصير طبيب، بتقرأ مجلات طبية بتم غير طبيب، بتسهر مع أطباء، بدك خرق عادات بدك كرامات، بدك الملائكة يحكو لك، بدك ميت يحاكيك.
    قال الله تعالى:
    ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾
    إلا أن يسلكوا الطريق التي رسمها الله.
    الله عز وجل قال:

    ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾
    (سورة الأنعام: 190 ـ 191 )
    بتفكر بالكون كما أمرك الله، تدبر القرآن كما أمرك الله، تنظر في أفعال الله في الحوادث كما أمرك الله، تتعلم منهج الله عز وجل تطبقه، هذا هو الطريق الذي رسمه الله لك.
    أما بدك كرامات، بدك خزعبلات، بدك شطحات، بتريد يعني خرق للعادات، هذه كلها لا تجعلك مؤمناً، ولن تؤمن بها، إن لم تؤمن بالكون بوضعه الراهن المعجز، لا تؤمن بخرق القوانين.
    بالله عليكم ثمود ألم يروا الجبل قد شق وخرجت منه الناقة، ومع ذلك عقروها.
    طيب بنو إسرائيل ألم يروا موسى علية السلام، ضرب بعصاه البحر فإذا هو طريق سالك، وساروا فيه، وتبعهم فرعون وعاد البحر بحراً بعد أن خرجوا منه، فلما رأوا أناس يعكفون على أصنام لهم، قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، خرق هذه العادة أثر فيهم ما أثر فيهم شي.
    طيب قوم إبراهيم ألم يروا أن النار لم تحرقه، الله أطلعنا عشرات المعجزات الخارقة وقعت ولم يؤمن بها أصحابها، لأن الإنسان إذا ما آمن بالكون بوضعه الراهن لن يؤمن بخرق قوانينه.
    النقطة دقيقة كون علمي، يعني، لا تكون طوبائي، لا تكون حالم، لا تكون خيالي لا تشوف الدين كرامات، أعظم كرامة كرامة العلم، إذا الله علمك هذه أعظم كرامة.
    بتلاقي بيتعلقوا الناس، أنه فلان يعني فات للمحل قاموا الزبائن كثروا فات واحد فقسة البيعة، تفقس البيعة ما لها علاقة، النبي هكذا علمنا
    سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفي ابنه إبراهيم، يعني الله عز وجل أراد أن يكون ذلك، الشمس كسفت، فأصحاب النبي قالوا إنما كسفت لموته، شوف البساطة شوف الفكر العلمي، شوف الوضوح.
    قال: إن الشمس والقمر آيتان لا ينبغي أن تنكسفا لموت واحد من خلقه مالها علاقة، فالإيمان علم.

    ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
    ( سورة فاطر: 28 )
    لا تطلب الكرمات، ولا خرق العادات، ولا الشطحات، تتعلق بأشياء موهومة.
    قال لي مرة واحد، قال لي فلان ولي عظيم، قلت له أنعم وأكرم، قال لي بالحج ما طاف حول الكعبة، لكن ماذا أفعل، قال هي طافت حوله ما شاء الله، شي يطير العقل.
    واحد ثاني تلميذ لعالم صوفي، والله أنا أقطاب الصوفين أنا أحترمهم وأجلهم والله، لكن في بعدين صار في دجل كبير، له تلميذ جاء شخص قريب للتلميذ يتفقده، قال له وين فلان في ماء بالأرض من شدة حبه لهذا وذاك، هي صفي شوية مي بالأرض، كأس ماء، هذا هو فلان، فلان ثمانين كيلو وزنه هذا هو، فلان، هذه وارده في كتب التصوف لا تتعلق بالأوهام، بالخرافات، والشطحات، والطوبائيات، والمنامات وخرق العادات.
    ﴿َلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾
    يعني إلا أن يسلكوا الطريق التي رسمها الله، أوضح مثل تبع الطب بتقرأ كل مجلات الطب، بتسكن جنب مستشفى، بتصاحب الأطباء بتعيش بأجواء الأطباء، لا تكون طبيباً، إلا أن تسلك الطريق التي رسمتها الدولة لتكون طبيباً مثلاً يعني.
    كذلك الله عز وجل قال لك: لا تعرفني ألا بهذه الطريقة، الكون يدل عليّ وهذا كلامي، وهذه أفعالي، لك أن تعرفني من خلال خلقي ومن خلال كلامي، ومن خلال أفعالي، وهذا منهجي طبقه فأنت ولي.
    كثير عند الناس كلمة ولي مهزوزة، الله عز وجل عرف الولي، غريب، معقول إنسان يترك تعريف الله، ويلحق تعريفات معقدة.
    الله عز وجل قال:

    ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾
    ( سورة يونس: 62 ـ 63 )
    فكل إنسان تعرف إلى الله، وطبق أمره فهو ولي.
    ويمكن تشوف واحد لابس قميص وبنطلون، بس صادق ما بيكذب مستقيم في بيعه وشرائه هذا ولي، قد تجد امرأة في بيتها ترعى زوجها ترعى حق أولادها، محجبة مهتمة في شؤون بيتها، لاتفوتها صلاة، هذه وليه هذه، ليس شرط الولي يكون ثيابه مبتذلة، وطرف قصور عقلي ليكون ولي، بالعكس.
    المؤمن كيس، فطن، حذر، المؤمن شخصية فذة يعني تشده بعقله عقله راجح، وبأخلاقه وبأذواقه، مذوق.
    أصلحوا رحالكم وحسنوا لباسكم حتى تكونوا شامة بين الناس.
    كان عليه الصلاة والسلام، إذا مشى يعرف بريح المسك، بيتعطر بيتنظف، شعره مرجل، ثيابه أنيقة، نظيفة، هذا المؤمن، المؤمن سفير الإسلام، في دولة بتختار سفير عفش ! عفايشي، يعني أنيق ومثقف، بعض الدول ثلاث شهادات بكون معه، علوم، وآداب وحقوق، ثلاث ليسانسات، ليصير سفير، وكمان شروط إقامته وذكائه، وسرعت بديهته، بوسامته، بأناقته، لكن، عما يمثل دولة.
    والمسلم يمثل الدين.
    لذلك أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلي.
    إذاً الإيمان يتم، بتفكر في خلق السماوات والأرض، دون أن تخرق العادات، يتم بمعرفة منهج الله، يتم في فهم القرآن، يتم في النظر في أفعال الله.
    فأنت إذا عرفت الله وطبقت منهجه، فأنت ولي، وهذه الطريقة التي رسمها الله لك.
    أما خرق العادات، قال له سيدي خذني على الحج، قال له روح، قال له لا بدي دفشة منك، ففي شيخ الله مآتي فطنة، قال له تعال على التكية، جابوا على التكية، ووقفه على البحرة، وحلفه بالطلاق ما بيحكي شو بيصير معه، ودفشه بالبحرة، قال له روح على الحج، شو هي شطحة، شو روح على الحج.
    عصر علم إذا الإنسان تحدث بهذه الشطحات بهز مركز الدين بين الناس.
    ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
    هذه معنى الآية، ليس معنى الله ما ساق الهدى، لا بالعكس، يفهم منها أول وهلة، أن الله لا يريد أن يهدي أحد، لا.
    ﴿َلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾
    بهذا الطريق، الطريق مسدود.
    ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾
    إلا أن يسلكوا الطريقة التي رسمها الله.
    ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾


    والحمد لله رب العالمين







    والحمد لله رب العالمين


     



  7. رقم #28
     افتراضي  العنوان : رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 01 Mar 2018 الساعة : 10:27 AM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.26 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل




    بسم الله الرحمن الرحيم



    سورة الانعام (6)


    الجزء الرابع




    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

    الحياة الدنيا دار ابتلاء لا دار استواء :


    أيها الأخوة الكرام ؛ الآية الثالثة عشرة بعد المئة من سورة الأنعام وهي قوله تعالى:
    ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾
    [ سورة الأنعام : 112-113]

    هذه الآية أيها الأخوة ؛ تحل مشكلات عديدة ، كلكم يعلم أن في الأرض مذاهب وضعية ، مذاهب ما أنزل الله بها من سلطان ، مذاهب قد بنيت على أنه لا إله ، وهذه المذاهب لها كتب ، ولها مؤلفات ، ولها دعاة ، ولها قوى تحميها . فربنا سبحانه وتعالى لماذا سمح لهؤلاء أن يعرضوا هذه الأفكار المضلة الضالة ؟ أليس بيد الله كل شيء ؟ يقول الله عز وجل - وهذا من سنته في خلقه - :
    ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً ﴾
    [ سورة الأنعام : 112]
    لولا العدو لما ارتقى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولما ظهر جهاده ، ولما ظهر فضله ، الإنسان من دون خصومات ، من دون معارضات ، لا يرقى ، أي لا يسعى ، لا يُمتن، لا يظهر فضله . ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً ﴾
    [ سورة الأنعام : 112]
    يروى أن في المناجاة التي جرت بين سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ، وبين الله عز وجل ، سيدنا موسى كليم الله هكذا تروي الكتب ، لا ندري مبلغ هذا من الصحة ، لكن له مغزى قال : يا ربي لا تبقي لي عدواً ، قال : يا موسى هذه ليست لي : ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾
    [ سورة البقرة : 98]
    طبيعة الحياة حلبة صراع بين الحق والباطل ، بالصراع يرقى المؤمن ، وتقام الحجة على الكافر . طبيعة الحياة دار ابتلاء لا دار استواء ، لا دار تشريف ، دار تكليف ، هذه حقيقة الحياة .

    الحكمة من أن يكون لكلّ نبي عدو :


    الله سبحانه وتعالى كان من الممكن أن يبعث النبي عليه الصلاة والسلام في بلدة كلها مؤمنون ، لا يوجد غير سيدنا الصديق ، وسيدنا عمر ، وسيدنا عثمان ، وسيدنا علي ، وسيدنا طلحة ، و الزبير ، أحباب وأصحاب وإخوان ، لا يوجد مشكلة ، لا يوجد بدر ، ولا أحد، ولا الخندق ، ولا يوجد يهود ، ولا يوجد شيء ، لماذا ؟
    ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾
    [ سورة الأنعام : 112]
    الإنسان بالعدو يجتهد ، بالعدو يرقى ، بالعدو يظهر صدقه ، بالعدو يظهر ثباته ، بالعدو يقيم الحجة عليه ، بالعدو لعله يهديه إلى الله . لو تأملنا في الحكم التي وراء أن يكون لكل نبي عدو ، لوجدنا العجب العجاب ، هذه نقطة . ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾
    [ سورة الأنعام : 112]


    خصائص التقديم في القرآن الكريم :


    التقديم في القرآن له خصائص ، ما قدم الله شياطين الإنس على شياطين الجن ، إلا لأن شياطين الإنس أخطر من شياطين الجن ، إنسان لطيف ، يحمل شهادة عالية ، لبق ، أفكاره كلها إلحادية ، أفكاره إباحية ، أفكاره دنيوية ، هذا بجلسة يدعوك إلى غداء ، يلاطفك يؤنسك ، تفضل ، ثم يقول لك : حتى الآن أنت قابض الدين ؟ أين عقلك ؟ هذا أخطر من الشيطان .
    ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾
    [ سورة الأنعام : 112]

    ما قدم الله شياطين الأنس على شياطين الجن إلا لأنهم أخطر .
    الآن مثلا ربنا عز وجل قال :
    ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ﴾
    [سورة النساء :76]
    وقال : ﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾
    [سورة يوسف : 28 ]
    المرأة كيدها أشدّ من كيد الشيطان ، لأنه ليس لك عند الشيطان حاجة ، لكن لك عند هذه المرأة حاجة ، فإذا استغلت حاجتها لك ، ودعتك إلى معصيةٍ ، أو إلى مخالفةٍ ، فقد كانت عدوةً لك . إذاً : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾
    [ سورة الأنعام : 112]
    دققوا في الباطل : ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾
    [ سورة الأنعام : 112]
    كلام منمق ، كلام محبب أحياناً ، قد يكون هناك أدلة واهية ، أمثلة ، لقطات ، أسلوب أدبي ، عرض شيق ، هذا معنى . ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾
    [ سورة الأنعام : 112]


    توظيف الشر للخير المطلق :


    أما الحكمة فالله عز وجل دائماً وأبداً يوظف الشر للخير المطلق ، الشر شر ، لكن هو شر نسبي ، بمعنى أن صاحبه أراد الشر ، لكن الله سبحانه وتعالى يوظف هذا الشر ، للخير المطلق ، كيف ؟ الظالم سوط الله ، الظلم شر ، ينتقم به ثم ينتقم منه .
    ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً﴾
    [ سورة الأنعام : 129]
    إنسان أراد أن يسرق ، هذا شر ، لكن الله سبحانه وتعالى يسوقه إلى من ماله حرام، فالله أخرج لهذا الإنسان شهوته الشريرة وأدّب هذا الذي كسب مالاً حراماً في وقت واحد .
    الشر المطلق ليس له وجود ، هناك شر نسبي ، الشر النسبي في نفوس أصحاب الشر ، لكن شرهم يوظف للخير ، فهذا الباطل ، الإلحاد ، النظرية الوجودية ، نظرية دارون مثلاً ، أفكار فرويد ، أفكار هؤلاء الطغاة ، الذين قلبوا المفاهيم ، فرويد جعل الإنسان كتلة جنس وإنسان آخر جعل الإنسان مادة فقط ، لا شيء غير المادة ، وإنسان جعل اللذة هي كل شيء ، وإنسان رأى أنه ليس لهذا الكون إله ، هذه النظريات الهدامة .

    المؤمن محصن لا يتأثر بالباطل :


    ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾
    [ سورة الأنعام : 112]

    أخواننا الكرام ؛ أوضح ما يفسر هذه الآية . إنسان يعطى لقاح مثلاً ، كوليرا ، ما هو لقاح الكوليرا ؟ هي جراثيم الكوليرا ، حينما ندخل هذه الجراثيم إلى الجسم ، عندنا جهاز مناعة ، جهاز المناعة هائل جداً ، مؤلف من ثلاثة أقسام : قسم استطلاعي . . . قسم مخبري . . . قسم مقاتل . . . فعندما يدخل جرثوم الكوليرا إلى الجسم ، الاستطلاع يكشف حقيقة هذا الجرثوم ، ويأتي إلى المراكز ، ليبلغ عن ترتيب هذا الجرثوم ، المراكز اللمفاوية في الجسم تُصنع المصل المضاد لهذا الجرثوم ، الآن عندنا عنصر مقاتل ، يحمل هذه الأسلحة ويمضي بها إلى هذا الجرثوم ويحاصره ، ما الذي حصل ؟ صار هناك مناعة عند الإنسان ، مناعة أي أدَرب على مواجهة الهجمة الشرسة لهذا الجرثوم .
    وهذا الذي يكون تماماً حينما تطرح نظرية هدامة ، فكر منحرف ، فكر علماني ، نظرية أساسها المادة ، نظرية أساسها المصلحة ، نظرية أساسها اللذة ، نظرية أساسها اللحظة الراهنة . قال : هذه لقاحات . . . فالمؤمن يسارع إلى أن يرد عليها ، فيرقى عند الله ، وغير المؤمن يقع في حيرة ، فيسأل ، فيأتي الجواب ، والذي في نفسه مرض يقبلها ، ينطلق إلى شهواته ، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يسرع له بالمعالجة ، وقد تقام الحجة على من ابتدعها فيتوب إلى الله ، أي الذي نراه شراً هو في الحقيقة خير .
    حديث الإفك مثلاً ، جاء في بالي هذا المثل ، أليس الحديث عن السيدة عائشة عمل خطير جداً وعمل شرير ؟ قال :
    ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
    [سورة النور : 11 ]
    له مؤديات ، ظهر كمال النبي صلى الله عليه وسلم ، ظهرت قيمة الوحي ، تأخر الوحي في تبرئة السيدة عائشة شهراً ، لو أن الوحي شيء من فعل النبي لأتى بآية بعد ساعة ، وبرّأ السيدة عائشة . بقي النبي ينتظر شهراً ، ليس في إمكانه أن يبرئها ، ولا أن يثبت الشيء ، ظهر الوحي كياناً مستقلاً عن النبي عليه الصلاة والسلام ، والصحابة امتحنوا ، بعضهم ظن في نفسه خيراً ، بعضهم انزلق ، بعضهم روج ، فلذلك الذي تراه في الحياة محض شر ، الحقيقة شر نسبي ، هو فعلاً ظاهره شر ، لكن حقيقته قد يكون فيه خير .
    أحياناً الإنسان تكون هذه النقطة مرتاحاً منها ، يقرأ كتاباً يجد فيه شبهة ، يخطئ ، يسأل عالماً ، يسأل عالماً ثانياً ، يسير لطلب العلم ، ينضم لمجالس العلم ، يرتقي ، لولا هذه الشبهة التي ألقيت لما انطلق هذا المؤمن لمعرفة الله ، ولما انطلق إلى متابعة الحق . لذلك ربنا عز وجل قال :
    ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾
    [ سورة الأنعام : 112]
    أي هناك حكمة بالغة . ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾
    [ سورة الأنعام : 112-113]
    إذاً لا يصغي للباطل إلا من كفر بالآخرة ، لا يتأثر بالباطل إلا من أراد الدنيا فقط، لا يقنع بالنظريات الهدامة إلا من أراد الشهوة ، المؤمن لا يتأثر ، المؤمن محصن لا يتأثر بالباطل .

    تعلق إرادة الله بالحكمة المطلقة :


    لذلك : ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾
    [ سورة الأنعام : 113]
    في نفسه شهوة ، هذه الشهوة . يجيب وبعدها يعالجه الله عز وجل ، كل هذه الخيرات من هذا الشيء ، أحياناً تأتي ذبابة على محصول القطن ، محصول القطن هذا يعيش منه خمسة آلاف إنسان ، يأتي المهندس يبحث عن مضاد حيوي ، يسافر ، يتحرك ، شغل الناس ، فالظاهر ذبابة ، أما الحقيقة فصار هذا باباً للرزق ، رب ضارة نافعة . أيضاً هذه النظريات الهدامة إذا رأيتها تنتشر ، لا يوجد إنسان يضر إنساناً ، لكن لا يستجيب لها إلا ضعاف النفوس ، وهؤلاء يستجيبون لها ثم يعالجون من قبل الله عز وجل ، فالعالم يرد ، والمؤمن يسأل ، والضعيف يتردد ، تكون حافزاً له على مزيد من الإيمان .
    قالوا مثلاً : إنسان عاق الوالدين ، جاء إنسان سبّ له أبوه ، قامت الحمية في نفسه وردّ عليه ، صار باراً بوالديه ، لولا هذا الاستفزاز لما كان باراً بوالديه ، كان هو عاق الوالدين . أحياناً يسافر الإنسان إلى أوربا و يكون ضعيف الدين ، يتهمون دينه الإسلامي اتهامات خطيرة جداً، تنشأ عنده نخوة إسلامية ، يقرأ يرد يسأل يصبح مؤمناً ، لولا هذه التهمة الطارئة لما سارع إلى الإيمان . إذاً نهاية الدرس : كل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، والدليل :
    ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾
    [ سورة آل عمران: 26]
    ما قال والشر . ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
    [ سورة آل عمران: 26]






    والحمد لله رب العالمين







     



صفحة 4 من 36 الأولىالأولى ... 2345614 ... الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. تفسير القران الكريم فقط ضع الماوس علي الايه وستجد التفسير
    بواسطة سمرون في المنتدى نفحآإتَ إيمآنيةِ
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 25 Jun 2009, 10:58 PM
  2. القران الكريم كاملا في الجوال .........
    بواسطة عسوله في المنتدى عالم الجوالات
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 25 Aug 2007, 11:53 AM
  3. مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 07 Nov 2006, 09:22 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •