صفحة 3 من 36 الأولىالأولى 1234513 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 15 إلى 21 من 251
  1. رقم #15
     افتراضي  العنوان : رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 28 Feb 2018 الساعة : 09:04 AM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.27 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل




    بسم الله الرحمن الرحيم


    سورة النساء (4)

    الجزء الخامس



    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
    أيها الإخوة الكرام ؛ قال تعالى:
    ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾
    (سورة النساء: الآيات: 123،124، 125 )
    الإنسان أيها الإخوة يتمنى، ما منا واحدٌ إلا ويتمنى أن يصبح غنياً، وما منا واحدٌ إلا ويتمنى أن يكون صحيحاً معافًى، ما منا واحدٌ إلا ويتمنى أن يدخل جنة ربه.
    والله سبحانه وتعالى يؤكد لنا في هذه الآية، أن هذه التمنيات لا قيمة لها إطلاقاً، لأن الله لا يتعامل مع التمنيات.
    لو أن واحداً تمنى أن يكون أغنى أغنياء بلده، وهو قاعد في بيته، مسترخياً على فراشه، هل يصبح غنياً.
    لو تمنى أحد الطلاب أن يكون أكبر طبيبٍ في هذا القطر، وهو لا يقرأ، ولا يذاكر، ولا يدرس، فهل يكون كذلك ؟.
    عجيب في أمر الدنيا ؟ يسقط الناس التمنيات كلياً،لكنْ لماذا يتمنون في الآخرة أن يكونوا من أهل الجنة ؟ وهم لا يدفعون ثمنها، ربنا عز وجل ينفي، قال:
    ﴿لَيْسَ﴾
    فعل ماض ناقص. ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾
    طيب، يا رب فبِمَ إذاً ؟.
    نفى ربنا عز وجل أن تكون الجنة بالتمنيات، إذاً بماذا ؟
    قال:
    ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾
    (سورة النحل: الآية: 32 )
    قال:
    ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19)﴾
    (سورة الإسراء: الآية:19 )
    دققوا في الهاء:
    ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ﴾
    لو قال الله عز وجل وسعى لها ؟ معنى ذلك أن أى سعيٍ مقبول، لكن حينما قال:
    ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾
    يعني لها سعيٌ خاص، لا يُقبَل سعيٌ دون هذا السعيٍ.
    كأن نقول مثلاً، من أتى بمجموع كلية الطب، بمجموعها، لها مجموع خاص، تقريبًا (230 درجة ) مِن أجل أنْ يسمح للطالب بالانتسابِ إلى كلية الطب، من جاء بمجموع هذه الكلية فإنّه يدخلها، أما من جاء بأي مجموع أدنى فلا يقبل.
    ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾
    الخاص. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19)﴾
    هذه هي الآية الثانية.
    أمَّا الآية الثالثة:
    ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾
    ( سورة الكهف: الآية:110 )
    إذًا ثمن هذا اللقاء العمل الصالح.
    الآية الأولى:
    ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾
    القضية ليست بالتمني، ولكنها بالسعي.
    ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾
    (سورة النحل)
    ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾
    ( سورة الأنعام: الآية: 132 )
    ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
    ( سورة الكهف: الآية:110 )
    ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾
    آيات واضحة كالشمس.
    الآن آية تشبه هذه الآية:
    ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾
    ( سورة فاطر: الآية: 5 )
    الغرور هو الشيطان.
    يعني أنّ الشيطان قال:
    ﴿ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)﴾
    ( سورة الأعراف: الآية: 17 )
    ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾
    يعني... الشيء الجديد، ونحن في عصر علم وتقدم، وقد يوحي لأوليائه أنّ هذا الدين تخلف وغيبيات، فالشيطان إذًا أتى الإنسانَ من بين يديه.
    أمّا:
    ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾
    هكذا رباك أبوك على الاختلاط مثلاً، هكذا يتاجر أبوك بهذه الطريقة، قد تكون الطريق غير شرعية، فإما أن يأتينا من بين أيدينا، وإما أن يأتينا من خلفنا، وأما أن يأتينا عن شمائلنا، يدعو إلى المعاصي، إذًا لم يبقَ إلاّ هذه الجهة الرابعة.
    ﴿لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾
    فما معنى عن أيمانهم ؟ يقول لك الشيطان: إن الله غفور رحيم، أنت تنتمي لهذه الأمة العظيمة، والنبي عليه الصلاة والسلام لن يدخل الجنة حتى يدخل أمته قبله، يسجد ولا يرفع رأسه حتى يشفع وتُقبل شفاعته لأمته، واللهِ شيء مريح، فمثل هذا المفهوم الخاطئ عن الشفاعة مضلِّل، الشفاعة حق، وهي في نص القرآن الكريم، وفي نص السنة النبوية، ولكن بعض العوام يفهمون الشفاعة فهماً مغلوطاً، فيظن أنه إذا فعل كل المعاصي وشفع له النبي فقد انتهى الأمر.
    مع أن ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام:

    ((يا فاطمة بنت محمد، يا عباس عم رسول الله أنقذا نفسيكما من النار أنا لا أغني عنكما من الله شيئا لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه))
    يقول النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة: ((أمتي أمتي، فيقال له لا تدري ماذا أحدثتْ بعدك، فيقول سحقاً سحقا.))
    إذا الآية الكريمة.
    ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾
    البديل.
    ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾
    (سورة النحل)
    البديل الثاني.
    ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
    البديل الثالث.
    ﴿لِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾
    (سورة الأنعام: 132 )
    وأما الآية التي تنهى الإنسان عن أن يغتر بالحياة الدنيا.
    أنا أعرف رجلاً توفاه الله، كان شاباً يعمل في محل تجاري في سوق الحميدية، شاب مراهق في ريعان الشباب، يحب أن يداعب الناس، كان يكنس المحل التجاري، ويضع الكناسة في علبةٍ أنيقة، ويلف هذه العلبة بورق ثمين، ويضع حولها شريطًا أحمر، ويضع هذه العلبة على الرصيف، فيمرُّ شخصٌ، ويرى علبةً أنيقةً، ملفوفةً بورق أنيق، لها شريط أنيق، فيظنها شيئاً ثمينًا، فيأخذها ويعدو بها، فيتبعه خفيةً، وبعد مئتي متر يفكُّ الشريط، ثم بعد مئة متر أخرى يفتح الورق، وبعد مئة متر ثالثة يفتح العلبة فإذا فيها كناسة المحل !!! فينفجر ويسب ويلعن.
    واللهِ هذا المثل وهذه القصة أراها تنطبق على الدنيا مئة بالمئة، الإنسان في مقتبل شبابه يرى المال شيئاً ثميناً، المرأة، الزوجة، النزهات، الطعام، الشراب، الولائم، وعند منتصف العمر يرى أن المال مجرّد شيء، ولكنه ليس كلَّ شيء، وعند خريف العمر يرى أن المال ليس بشيء، فهذه الرؤية هي الحقيقة التي نراها عند الموت، ولو رأيناها في مقتبل الحياة لكنا في أوَّج السعادة، ولكنا في أعلى عليين، فالمفروض بالإنسان أن يرى الحقيقة في الوقت المناسب، فرعون رأى الحقيقة، واللهِ لقد رآها، وأيقن بها، واعترف بها، ولكن عند الغرق. قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين.

    ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾
    ( سورة يونس: الآية: 91 )
    فقضية الرؤية قضية وقت، دققوا أيها الإخوة، والله أنا ناصحٌ لكم، قضية رؤية الحقائق قضية وقت فقط، إما أن ترى الحقيقة في الوقت المناسب، أو بعد الوقت الناسب، ومَا من إنسان ولو كان فرعون إلا وسيرى الحقيقة، لكن بطولتك كلها تعني أن ترى الحقيقة وأنت شاب كي تعمل صالحاً قبل فوات الأوان، وكي تتقرب إلى الله عز وجل.
    وبعد ؛ الآية دققوا في الآية مرة ثانية:
    ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾
    فيها فقرة مخيفة، قال:
    ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾
    هذا كلام مَنْ ؟ كلام خالق الكون، آية بالقرآن الكريم الآية، رقمها ثلاثةٌ وعشرون بعد المئة، في سورة النساء:
    ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (123)﴾
    فالواحد لا يغتر بحِلم الله عز وجل، فالله عز وجل من سننه في الكون أنه يرخي الحبل للإنسان، لينظر ماذا يعمل، فالإنسان إذا كان مربوطًا بحبل، والحبل مرخى، قد يتوهم أنه ليس هناك حبل، والحقيقة هناك حبل، وفي أية لحظة هو في قبضة الله عز وجل.
    ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124)﴾
    أجلْ ؛ في دارٍ من الدور الأماني تصلح، أين ؟ في دار الدنيا الأماني لا تصلح لها، والله سبحانه وتعالى لا يتعامل معها أبداً، ولا يعبأ بها، لا ينظر إليها، والدليل هذه الآية:
    ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾
    لكن في الدار الآخرة لمجرد أن يخطر على بالك شئ هو أمامك.
    ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾
    ( سورة ق: الآية:35 )
    لمجرد أن يخطر على بالك شئ تجده أمامك والدليل:
    ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾
    التمنيات أين ؟ في الآخرة، أمّا في الدنيا فهي دار السعي والعمل.
    الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف، الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، الدنيا دار ابتلاء، والآخرة دار تكريم، فلما يتوهم الإنسانُ أنه في الدنيا يتمنى، ويكفيه التمني فقد وقع في خطأً كبير، الدنيا تحتاج إلى سعي.

    ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19)﴾
    وكذلك:
    ﴿لِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾
    (سورة الأنعام: 132 )
    حجمك في الدنيا وعند الله بحجم عملك في الدنيا.
    ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾
    (سورة النحل)
    ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾
    لا تقل: " شفاعة" هذا مفهوم ساذج، مفهوم سوقي، مفهوم الغوغاء، فأنت مخطئ عندئذٍ، والشفاعة حقٌّ لمَنْ عمل صالحًا، أمَّا:
    ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً(124)﴾
    آخر آية الله عز وجل ضغط الدين كله في كلمتين قال:
    ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾
    التعريف الدقيق للدين إحسان إلى الخلق، واتصال بالحق، هذا جوهر الدين إحسان إلى الخلق، واتصال بالحق، وبينهما علاقة، لن تستطيع أن تتصل بالحق إلا إذا كنت محسناً إلى الخلق.






    والحمد لله رب العالمين


    تــــــــابــــــــع




     



  2. رقم #16
     افتراضي  العنوان : رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 28 Feb 2018 الساعة : 09:06 AM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.27 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل




    بسم الله الرحمن الرحيم


    سورة النساء (4)

    الجزء السادس


    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
    أيها الإخوة المؤمنون ؛ في سورة النساء الآية السابعة والأربعون بعد المئة، يقول سبحانه و تعالى:

    ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147) ﴾
    كيف يتوقف عذاب الله عز وجل ؟ عن كل إنسان، آمن به وشكره، هذا الجواب أيها الإخوة.
    هذا الكون بسماواته وأرضه، مسخر للإنسان تسخرين ؛ تسخير تعريف.... وتسخير تكريم....
    أضرب لكم مثلاً، لو أن لك صديقاً مهندساً في الإلكترون، قدّم لك جهاز هاتف من أعلى مستوى، قدمه لك هديةً، وهذا الجهاز نادر، ويؤدِّي خدمات كثيرة، ينوب مناب إنسان، أنت أمام هذه الهدية العالية مستواها، أمام شعورين ؛ شعور امتنان لأن هذا الجهاز قدم لك هدية، وشعور إكبار لهذا العلم الدقيق الذي وراء هذا الجهاز.
    هذا معنى قولي... تسخير تعريف... وتسخير تكريم...
    فالكون له مهمتان ؟
    المهمة الأولى أن تتعرف إلى الله من خلاله.
    والمهمة الثانية أن تنتفع به.
    رد فعل التعرف، إيمان، ورد فعل الانتفاع، الشكر.
    فإذا آمنت وشكرت، فقد حققت الهدف من وجودك، وحينما تحقق الهدف من وجودك يتوقف العلاج الإلهي.
    ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
    أنت متى تتيقن، أن كل أنواع المعالجات، والمضايقات، والشدائد، والمصائب، تتوقف ضدّك ! حينما تحقق الهدف من وجودك.
    إنَّ الأب الذي يتمنى لابنه أن يكون طبيباً، يضيِّق عليه، يشدِّد عليه، متى يتوقف التضييق والتشديد ؟ إذا دخل كلية الطب، ونال علاماتٍ عالية، فقدْ حقق الهدف من تخطيط الأب، لذلك متى يتوقف العلاج ؟ متى يتوقف التشديد ؟ التعقيب ؟ المضايقة ؟ الإلجاء ؟ الهم ؟ الحزن ؟
    حينما يحقق الإنسان الهدف من وجوده، وهذه آيةٌ دقيقةٌ.
    الله سبحانه وتعالى لا يعذب عباده إلا لهدف كبير، لأنّ الشر المطلق لا وجود له في الكون.
    مثلاً أب طبيب جراح، وله ابن يتمتع بصحة جيدة، فهل يضعه على منصة التشريح، ويخدره ويفتح بطنه بلا سبب ؟ مستحيل.
    أبٌ طبيبٌ جراح، قلت: أب لأن في قلبه رحمة لا حدود لها تجاه ابنه، وقلت: طبيب لأنه يعلم وهو جراح أيضًا، أيضع ابنه على المشرحة، ويفتح بطنه بلا سبب ؟ أما إذا رأيت أباً يفتح بطن ابنه، فالمعنى أنّه يعاني من التهاب زائدة.
    ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147) ﴾
    يعني إذا أردت أن يتوقف العلاج الإلهي، والشدة الإلهية، فعليك بتحقيق الهدف من وجودك، وتحقيق الهدف من وجودك في هذه الآية، يتمثل بإيمانك بالله، كرد فعلٍ على أن الكون مسخرٌ لك تسخير تعريف، وبشكره كرد فعلٍ على أن هذا الكون مسخر لك تسخير تكريم، والله عز وجل يقول:
    ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾
    ( سورة الجاثية: 13 )
    بنص القرآن الكريم.
    أيها الإخوة ؛ رأى النبيُّ عليه الصلاة والسلام – مما يؤكد هذا المعنى – مرةً هلالاً فقال:
    ((هلال خيرٍ ورشد، هلال خيرٍ ورشد ))
    يعني هذا الهلال يرشدني إلى الله، وأنتفع به في عد الأيام والأسابيع،
    ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ﴾
    ( سورة يونس: 5 )
    الآن مرحلة ثانية: أية مهمةٍ أعظم، أن تهتدي بالكون، أم أن تنتفع به ؟ الحقيقة الأجانب الغربيون، انتفعوا بالكون أشد الانتفاع، يعني ما من أمةٍ وصلت إلى أعماق البحار، وصلت إلى الأقمار، استغلت المناجم، الفلزات، المعادن، كل شيء مستخدم ومسخر إلى أعلى درجة، وقد أثبت الله لكم ذلك:
    ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
    ( سورة الروم: 7 )
    لكن مهمة الكون لتعريفك بالله، أعظم مليون مرة من مهمة الكون في الانتفاع به.
    لو كان دخلك محدودًا، حيث لا يسمح لك أن تأكل العسل، وأمسكت كتاباً عن النحل، وقرأت عن عجائب النحل، كيف أن كل كيلو عسل، محصلة طيران أربعمئة ألف كيلو متر، لو أننا كلفنا نحلةً واحدة، أن تصنع لنا كيلو عسل، لاحتاجت أن تطير حول الأرض عشر مرات، وأن هذه النحلة، فيها أجهزة لا يعلمها إلى الله، لا تقف على زهرةٍ امْتُصَّ رحيقُها، توفيراً لوقتها وجهدها، أكرِّر: لا تقف على زهرةٍ امتص رحيقها، وأن النحلات العاملات ترقص رقصاتٍ، تُعلم بقية النحلات العاملات، كم هي المسافة بينهم وبين الأزهار، هناك بحث قائم بذاته اسمه " رقص النحل"، والشيء الذي لا يصدق أنها تصنع هذا الشمع، بشكل سداسي منتظم، ليس فيه فراغات بينية، هناك ملكة، وهناك ذكور، وهناك عاملات، بعض العاملات وصيفات للملكة، يأتين بغذاءٍ ملكيٍّ خاص، مأخوذٍ من غبار الطلع، وبعض العاملات تنظف الخلية، فإذا وجدنَ فيها حشرةً كبيرةً، يغلفنها بطبقة شمع حتى لا تؤذي وتتفسخ، وبعض العاملات تُهوِّي هذه الخلية، وبعض العاملات تحمل، والموضوع طويل الذيل، وقد أُلِّفتْ كتب كثيرة حول النحل وطريقة عمله وأسلوب حياته.
    فلو أن إنساناً قرأ كتاباً عن النحل، فخشع قلبه، وانهمرت عيناه، ولم يسمح له دخلُه أن يأكل لعقة عسلٍ واحدة، بينما إنسان آخر كاد ينفزر من أكل العسل، من الذي حقق الهدف من وجود النحل والعسل ؟ هو الذي عرف الله من خلال هذه الآيات.
    لذلك أن تعرف الله من خلال الكون أعظمُ بكثير من أن تنتفع به، كل أهل الدنيا انتفعوا بالكون، الكفار، الملحدون، ما من إنسان إلا وينتفع بالكون، لكن المؤمن وحده، هو الذي يهتدي بالكون إلى الله، هو الذي يعبر بالكون إلى المكون، من النظام إلى المنظم، من التسيير إلى المسير، من التربية إلى المربِّي، من النعمة إلى المُنعم.
    فيا أيها الإخوة الأكارم ؛ يجب أن نعلم أنّ كأس الماء، كأس الحليب، رغيف الخبز، قطعة الجبن، البرتقالة، التفاحة، ابنك الذي أمامك، الفراش الذي تنام عليه، اللحاف الذي تتدثر به، ثيابك التي تلبسها، الشمس والقمر، الليل والنهار، البحار، الأسماك، الأطيار، كل شيءٍ حولك يدل على الله، فحينما لا تُعمل فكرك في الكون، فقد عطلت أكبر شيئاً فيك، وهو أنه دليلك إلى الله عز وجل، أما إذا انتفعت منه فقط، فشأنُك شأنُ أهل الدنيا الذين ينتفعون بالكون، الكفار ينتفعون بالكون، الملحدون ينتفعون بالكون، الانتفاع بالماء والهواء، والزراعة، والصناعة، كل إنسان ينتفع بالكون.
    النبي الكريم يقول:
    ((هلال خيرٍ ورشد.))
    تنتفع به، لكن ينبغي أن تهتدي به أيضاً، فالإنسان إذا أكل شيئًا، أو شرب شيئًا، أو نام، فالنوم والأكل والشرب نعمة، وإذا نظر فالنظر نعمة، إذا استمع فالاستماع نعمة، إذا تكلم فالتكلم نعمة.
    يأكل وينام، هناك أجهزة معقدة أيّما تعقيد، عملية هضم معقدة، البنكرياس والكبد، والصفراء، والحركة المعوية، والعصارات الهاضمة.
    الإنسان إذا لم يفكر في تكوين جسمه، لا ينتفع بعقله، لذلك هذه الآية من أدق الآيات.
    ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147)﴾
    حينما تؤمن، وحينما تشكر، فإيمانك ردُّ فعل أن الكون مسخر تسخيرَ تعريف، وشكرك ردٌ على أن الكون، مسخر تسخير تكريم، فإذا آمنت وشكرت، توقف العلاج الإلهي.
    قال الله تعالى:
    ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
    هل أدركنا لماذا إن شكرتم وآمنتم، فلِمَ لمْ يقل الله عز وجل إن شكرتم وصبرتم، إن شكرتم وأطعتم ؟ بل قال:
    ﴿إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
    لأن الشكر دليلٌ أنك تأثرت بهذا الكون الذي سخر لك تسخير تكريم والإيمان دليل... أنك تأثرت بهذا الكون الذي سخر لك تسخير تعريف، فإذا آمنت وشكرت، ما يفعل الله بعذابك ؟
    هذه الآيات الكريمة أيها الإخوة: مرةً ثانية وثالثة، يقول عليه الصلاة والسلام:
    ((بلغوا عني ولو آية))
    أجل ولو آية.
    أنا أعطي آية واحدة خلال الدرس، لا أضيف آية ثانية، فإذا استوعب الإنسان معناها وعقل الغاية منها، وحدثها بها زوجتَه، أولاده، جيرانه، شركائه، فما منا أحد إلا عنده سهرة أو سهرتان في الأسبوع ؟ لقاء، لقاءان، هل منا أحد بلا عمل ؟ أماله أصدقاء، جيران.
    (( بلغوا عني ولو آية))
    هكذا قال عليه الصلاة والسلام، وإذا ما تذكرت معناها في شريط مسجل، وشرحت هذا المعنى لجلسائك فقد بلغتَ غاية كبرى، فلذلك نأخذ القرآنَ آية، آية، نحن نمشي في القرآن بالتسلسل، إن شاء الله، فكلما حان وقتُ درس جديد، نختار آية من هذه الآيات الأساسية، التي تعد ركناً من أركان الإيمان، ونعالجها حتى نقطف ثمراتها.


    والحمد لله رب العالمين



    تــــــــابــــــــع






     



  3. رقم #17
     افتراضي  العنوان : رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 28 Feb 2018 الساعة : 09:08 AM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.27 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل




    بسم الله الرحمن الرحيم


    سورة النساء (4)

    الجزء السابع



    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
    أيها الإخوة الكرام ؛ في سورة النساء الآية السادسة والستون بعد المئة، يقول الله سبحانه وتعالى:

    ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (166)﴾
    كلكم يعلم أن إنساناً شهد حادثةً، ثم دُعِيَ لأداء الشهادة، يقول لك: نعم لقد حصل كذا وكذا، هذه شهادة الإنسان، تسمعها بأُذنك من فمه، فكيف نفسر هذه الآية ؟
    إن الله سبحانه وتعالى يشهد لنا بما أنزل إليك يا محمد، أيْ يشهد لنا أنَّ القرآن كلامه، كيف يشهد الله لنا أن القرآن هو كلامه ؟ هل يعقل أن نستمع إلى الله مباشرةً.
    قال تعالى:
    ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ﴾
    ( سورة الأنعام: 103 )
    فكيف نفهم هذه الآية ذات الدلالة الواضحة ؟
    الله سبحانه وتعالى هو بذاته يشهد لعباده أن القرآن كلامه.
    أوضح لكم معنى هذه الآية بمثلٍ بسيط ؛ لو أن طلاب صف من الصفوف، دخلوا غرفة الصف في أحد الأيام، فإذا على السبورة العبارة التالية، "غداً الساعة الثانية مذاكرة رياضيات "، التوقيع: مدرس الرياضيات، الطلاب نظروا إلى هذه العبارة، يا ترى أهذا كلام المدرس ! أو أنَّ طالباً يداعبنا ؟.
    كيف يشهد المدرس أن هذا الكلام كلامه ؟ غداً الساعة الثانية يدخل هذا المدرس ويقول: افتحوا الأوراق البيضاء عندكم مذاكرة، حينما تأتي الأحداث مطابقةً للأقوال، معنى ذلك أنّ هذا القول قول المدرس.
    اتفق العلماء على أن وقوع الوعد والوعيد، هو شهادة الله لعباده بأنَّ القرآن كلامه.
    يعني إذا قال الله عز وجل:
    ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾
    ( سورة البقرة: 276 )
    ورأيت إنساناً نمت أمواله بالربا، ثم أُتلِفتْ هذه الأموال فجأةً، ثم أحرق الله ماله، أو أتلف ماله، فإتلاف هذا المال شهادة الله لنا أن القرآن كلامه، لأن الله قال بالقرآن الكريم:
    ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾
    إذا رأيت إنساناً يتصدق، فإذا بأمواله تنمو شيئاً فشيئاً، فنمُّو أموال المتصدق شهادةُ الله لعباده أن القرآن كلامه، لأنه يقول:
    ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾
    ( سورة البقرة: 276 )
    إنْ رأيت شاباً نشأ في طاعة الله، مستقيماً على أمر الله، ضبط جوارحه، وضبط دخله، وتزوج امرأةً مؤمنةً صالحةً، وكان هذا الشاب في سعادةٍ كبرى، هذه السعادة الكبرى التي يعيشها هذا الشاب شهادة الله لعباده أن هذا القرآن كلامه، لأن الله تعالى يقول:
    ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾
    ( سورة النحل: 97 )
    إن رأيت إنسانًا معه ألوف الملايين، وهو غير سعيد في حياته، بل يعاني مُرَّ الشقاء، وقال لك: أنا أشقى إنسان على الأرض وأقسم على ذلك، فشقاء هذا الإنسان الغني شهادةٌ من الله عز وجل لعباده أن القرآن كلامه، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
    ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ﴾
    ( سورة طه: 124 )
    لذلك إذا قرأت في القرآن أن الله يشهد لعباده أن القرآن كلامه، فشهادة الله غير شهادة العباد، حينما تأتي الأحداث، وهي أفعال الله مطابقة لما في القرآن، فهذه أكبر شهادة من الله سبحانه وتعالى أن القرآن كلامه.
    فلما قال المدرس: افتحوا الأوراق، وإليكم الأسئلة، معنى الكلام أنّ الذي كتب على السبورة قبل يومين المدرسُ بخطَّه، وإن لم يكن بخطه فبأمره تمَّت الكتابة، حينما جاءت المذاكرة مطابقة للتصريح السابق فهذه شهادته.
    فيا أيها الإخوة الأكارم ؛ قال الله تعالى في آية أخرى تؤكد هذا المعنى:
    ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾
    ( سورة يونس: 39 )
    قال جمهور العلماء: تأويل القرآن في هذه الآية، وقوع الوعد والوعيد.
    إذا رأيت الله سبحانه وتعالى، نصر المسلمين الأوائل، ومكنهم في الأرض، واستخلفهم على عباده، وبدل خوفهم أمنا، هذا مصداق قوله تعالى:
    ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾
    ( سورة النور: 55 )
    إذا رأيت المسلمين في هذه الأيام ليسوا كما يتمنى أحدُهم، وليس أمرهم بيدهم، فاذكرْ قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59) ﴾
    ( سورة مريم: 59 )
    ولقد لقي المسلمون ذلك الغي، حينما تأتي الأحداث مطابقة للقرآن الكريم، فاعلمْ أن هذا القرآن كلامه، حينما قال الله عز وجل: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾
    ( سورة الروم: 2 - 3 )
    المعركة التي جرت بين الروم والفرس في غور فلسطين، وما كان أحد يعلم في حينه، ولا في عهد رسول الله، أن غور فلسطين أخفض نقطة في الأرض قال الله تعالى:
    ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾
    إذاً كل الحقائق التي تأتي الآن تؤكد أن هذا القرآن كلامه، حينما قال الله عز وجل: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) ﴾
    ( سورة الحج: 27 )
    المنطق أنْ يقول ب سبحانه: "بعيد"، لكنه قال:
    ﴿عَمِيقٍ (27) ﴾
    ( سورة الحج: 27 )
    وهذا يعني أنَّ الأرض كرة، كلما ابتعدت عن نقطة الكرة، نشأ بُعد نحو الأسفل، بُعد غير بُعد المستقيم.
    ﴿ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)﴾
    العمق يتنامى مع البُعد، على سطح الكرة، أجلْ العمق يتنامى مع البعد، فلو أخذت سنتيمترًا على سطح كرة يكوِّن خطًا مستقيمًا، أمّا لو أخذت خمسين سنتيمترا، وهي كرة كبيرة، صار الخط منحنيًا، إذاً العمقُ يتنامى مع البُعد، معناها الذي قال هذا الكلام خالق الكون.
    هناك آيات كثيرة، فهناك إعجاز علمي، وهناك إعجاز تشريعي، وهناك إعجاز إخباري.
    لكن الذي يعنينا في هذا اليوم، الإعجاز الذي هو من نوع تحقق الوعد والوعيد، فحيثما رأيت حالةَ إنسانٍ مثلاً ماله حرام، فقد ورد في الجامع الصغير حديث شريف أن النبي خاطب بعض القبائل حسب لهجتهم، قال:
    (("من أصاب مالاً في مهاوش أذهبه الله في نهابر ))
    المهاوش يعني بالاحتيال، والنهابر يعني يذهب نهباً، من أصاب مالاً في مهاوش أذهبه الله في نهابر، يعني إذا الإنسان ماله حرام، في الأعم الأغلب، يذهب هذا المال بشكل غير معقول، سلبًا أو نهبًا أو غصبًا إلخ....
    إذاً أنت دائماً وأبداً دقِّق فيما يجري، عندما ترى مثلاً بلدًا تُرتَكب فيه المعاصي على قدم وساق، ليس فيه إلا الشهوات، والأموال الحرام، وانتهاك الأعراض، وسلب الأموال، ولقد أصابتها مصيبة كبيرة طحنتها طحناً في عشر سنوات، اقرأ قوله تعالى:
    ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾
    كل حدث يقع في الأرض يدلُّك على أن يدَ الله تعمل، حينما ترى كيانًا عمره سبعون سنة تداعى كبيت العنكبوت، وكان قلعة عاتية من قلاع الأرض، فاقرأ قوله تعالى:
    ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾
    ( سورة الإسراء: 81 )
    فأنت إذا قرأت القرآن فإنّه يلقي ضوءًا ساطعاً على كل حدث، والأحداث تؤيد ما في القرآن، والقرآن يدلك على تفسير الأحداث، الأحداث دائماً تؤكد مضمون القرآن، ومضمون القرآن يلقي ضوءًا على ما في الأحداث.
    لذلك أحد أنواع شهادة الله لعباده مِن أنَّ القرآن كلامه هو تحقُّقُ الوعد والوعيد، وتطابق الأحداث الكبرى مع ما في القرآن الكريم، أنا قلت: أحد أنواع الشهادة، لأن الله عز وجل يشهد لك شهادة أخرى، حينما تقرأ القرآن ترتاح نفسك، ويطمئن قلبك، قال تعالى:

    ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) ﴾
    ( سورة الرعد: 28 )
    إذاً أيضاً حينما تقرأ القرآن، وتشعر بالراحة والسعادة، فهذا مصداق قوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) ﴾
    نعيد تلاوةَ الآية مرة ثانية:
    ﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ ﴾
    يا محمد هو الذي يشهد لكم.
    ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (166) ﴾
    فكل شاب مؤمن مثلاً قرأ الآية:
    ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
    فأيّ شاب يستقيم على أمر الله، يُقبل على الله، يطلب العلم، يعلّم الناس، يأمر بالمعروف، ينهى عن المنكر، ينفق من ماله، يختار زوجة صالحة، تسأله عن حاله والناس في ضائقة وفي قلق وفي شك، يقول لك: الحمد لله، واللهِ أنا من السعداء، هذا الكلام مصداق قوله تعالى:
    ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
    وقد تلتقي مع إنسان ماله حرام، بيته غير إسلامي، فيه مخالفات، فيه تجاوزات، يقول لك: ما هذه الحياة "، الموت أشرف، فكلامُه صحيح:
    ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
    إذًا فاقرأ القرآن وأربط بينه وبين ما يجري، تجد أن كل الأحداث، تؤيده، وهو يكشف لك حقيقة الأحداث، فذات مرة قلت لإخواننا: إنَّ أحداث جيراننا، هناك من يفسرها تفسيرًا عربيًا، وتفسيرًا دوليًا، وتفسيرًا طائفيًا، حتى وصل الأمرُ إلى تفسير نسائي، أصابتْه عين مثلاً، لكن هناك تفسير إلهي، وهو الصواب:
    ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) ﴾
    هذا كلام الله عز وجل، وهذا التفسير الذي يصيب كبد الحقيقة.
    يا أيها الإخوة الأكارم ؛ شهادة الله هي في وقوع الوعد والوعيد، الوعد والوعيد يتحقق، وبتحققه تكون شهادة الله لنا أنَّ هذا القرآن كلامه.


    والحمد لله رب العالمين


     



  4. رقم #18
     افتراضي  العنوان : رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 28 Feb 2018 الساعة : 09:10 AM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.27 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل




    بسم الله الرحمن الرحيم


    سورة النساء (4)

    الجزء الثامن


    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
    أيها الإخوة الكرام ؛ في سورة النساء آية هي الآية الواحدة والسبعون بعد المئة وهي تبدأ بقوله تعالى:

    ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾
    وللنبي عليه الصلاة والسلام حديث صحيح يقول:
    ((إياكم والغلو في الدين !! فإنه أهلك من كان قبلكم ))
    الغلو في الدين.
    يعني أنّ الغلو في الدين كان سبباً لهلاك الأقوام السابقة، فما هو الغلو في الدين ؟.
    أيها الإخوة ؛ قلت لكم من قبل، إن في الدين كليات ثلاث.
    - كلية العقيدة...
    - كلية القلب...
    - كلية السلوك...
    فالإنسان له عقل، وغذاؤه العلم، وله قلب وغذاؤه الذكر، وله سلوك وصحته الانضباط بالشرع.
    هذه الكليات الثلاث، إذا نمت كلية واحدة نمواً غير طبيعي، فنموُّها هذا على حساب الكليتين الأخريين، فهذا هو الغلو في الدين.
    يعني أن تعتمد على الفكر وحده وتهمل القلب والسلوك، أو أن تعتمد على القلب وحده وتهمل الفكر والسلوك، أو أن تعتمد على السلوك وحده وتهمل القلب والعقل.
    حينما ينمو جانبٌ على حساب جانبٍ آخر نمواً سرطانياً، هذا هو الغلو في الدين، فهذا الذي يظن أن الفكر كل شيء، ويهمل الذكر كغذاء لقلبه، وقع في الغلو، وهذا الذي يعمل ليلاً ونهاراً، ويهمل إغناء عقله بالحقائق، وإغناء قلبه بالذكر، وقع في الغلو.
    هذا نوع من أنواع الغلو، لذلك نحن أمام تطرف، وأمام تفوق، فإذا نمت الجوانب الثلاثة نمواً متوازياً، فنحن أمام التفوق.
    وكان أصحاب رسول الله رضوان الله تعالى عليهم، كانوا متفوقين، معنى أنهم كانوا رهباناً في الليل، فرساناً في النهار، فإنّ لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل.
    أحد الرسل، أرسلَهُ عاملُ عمر بن الخطاب على أذربيجان، فقَدِم المدينة ليلاً، وكره أن يطرق باب أمير المؤمنين في الليل، فتوجه إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، ظلامٌ دامس، في هذا المسجد سمع رجلاً يناجي ربه، يقول: يا رب: هل قبلت توبتي لأهنئ نفسي ؟ أم رددتها فأعزيها، فقال هذا الرسول: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عمر، فقال الرسول: يا سبحان الله، ألا تنام الليل يا أمير المؤمنين، فقال عمر: إني إن نمت ليلي كله، أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي، إن لله عملاً في الليل لا يقبله بالنهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله بالليل.
    ثم تابعا إلى أن أذن الفجر، فصلَّيا، ومن باب التكريم أخذ عمر بن الخطاب هذا الرسول إلى بيته، وقال: يا أم كلثوم ؛ ماذا عندك من طعامٍ لضيفنا ؟ قالت: واللهِ ما عندنا إلا خبزٌ وملح، فقال: هاته، فأكل سيدنا عمر مع الرسول الخبز والملح، وكان قد خيره ؛ أتأكل عندي في البيت، أم مع فقراء المسلمين، طبعاً مع فقراء المسلمين هناك اللحم، أما في بيت خليفة المسلمين خبزٌ وملح، فظنّ هذا الضيف أنّ طعام أمير المؤمنين متميّز.
    وذات مرة سيدنا عمر في عام المجاعة خاطب بطنه، وقال: قرقر أيها البطن أو لا تقرقر، فوالله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين، فلما انتهيا من تناول الطعام، دعا سيدنا عمر، فقال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا، وأسقانا فأروانا.
    ثم التفت إلى هذا الرسول، قال يا هذا: ما الذي جاء بك إلينا ؟ ولماذا قدمت ؟ قال: معي علبةٌ فيها حُلْوٌ من أذربيجان، هديةٌ من عاملك، قال: أو يأكل عامة المسلمين هذا الطعام ؟ قال: لا، هذا طعام الخاصة، الطبقة الغنية، قال يا هذا: أَوَ أعطيت فقراء المدينة كلهم مثل ما أعطيتني ؟ قال: لا: هذه لك وحدك، عندئذ طلب عمر من رسول عامل أذربيجان أن يبلِّغ عامله أن يأكل مما يأكل منه عامة المسلمين، قائلاً له: كيف يرضيك أمر المسلمين إن لم تأكل مما يأكلون ؟، وأَمَر الرسول بهذه العلبة أن توزع بين فقراء المدينة، وقال: حرامٌ على بطن عمر أن يذوق حلاوة لا يأكلها فقراء المسلمين.
    الغلو في الدين، مرةً أخرى أيها الإخوة ؛ أن ينمو جانب على حساب جانب، لا بد من التفوق، فكان أصحاب رسول الله متفوقين، لأن الجوانب الثلاثة، نمت عندهم نمواً متوازياً.
    أما حينما ينمو جانب على حساب جانب، فهذا هو التطرف، والتطرف يكون عبئاً على المسلمين، وليس في خدمة المسلمين.
    شيءٌ آخر، هناك من يأخذ فرعاً من فروع الدين ويجعله أصلاً، هذا أيضاً تطرف، هناك من يتعصب لفئةٍ أو لجماعةٍ، أو لشخص، أو لعصرٍ، هذا إذاً تطرف، وغلو في الدين، التعبير الحديث "تطرف"، أمّا التعبير القرآني " غلو في الدين "، أن تتعصب لفئةٍ، أو لجماعةٍ، أو لرجلٍ، أو لعصرٍ، أو لحقبةٍ، مع أن الدين للإنسان بمثابة الهواء له لا يستطيع أحدٌ أن يحتكره، ولا جماعةٌ، ولا فئةٌ، ولا أمةٌ، ولاشعبٌ وبلدٌ، ولا مصرٌ، ولا عصرٌ، ولا حقبةٌ.
    دين الله لا يحتكر، دين الله لعباد الله، فمن تعصب، ومال لجهةٍ وكفَّر الباقين، فقد تطرف، وغلا في الدين.
    إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك الذين من كان قبلكم، هذا ورد عن رسول الله. إخوانا الكرام ؛ لقد قال الشيطان:
    ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)﴾
    ( سورة الأعراف: 17 )
    في الآية شيءٌ دقيق:
    ﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾
    أي إنّ الشاب لمجرد أن يتوب إلى الله عز وجل، ويسلك الطريق الصحيح يأتيه الشيطان، موسوساً، محمساً، داعياً إياه إلى المعصية، حينما كان غارقاً في المعاصي تركه الشيطان، فمتى أقبل عليه الشيطان ؟ حينما انطلق إلى الرحمن.
    ﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾
    يعني أنا على الطريق إليك فإذا سلك أحدٌ هذا الطريق، لأقعدن في الطريق ولأوسوسنّ له، هذه أول مهمة للشيطان.
    أحيانا يقول لك شخص: يا أخي كنت غارقًا في المعاصي، ولم أعاني مِن مشكلة ! طبعاً، فلما اتجهت إلى الله اتجاهاً صحيحاً بدأت المشكلات ؟ هذا ابتلاء.
    ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ(3)﴾
    ( سورة العنكبوت: 2 - 3 )
    ماذا تعني:
    ﴿ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾
    يعني من أمامهم، فأكبر دعوة للشيطان، يقول لك: التحديث عنوان الحياة، ونحن في عصر العلم، وهذه كلها تقاليد بالية، هذه عادات الآباء والأجداد، وقد كانوا جهلة.
    فالدعوة إلى إحلال التحديث بما فيه من فسق وانحلال واختلاط وأكل مال حرام وشهوات مستعرة، حينما يحل التحديث محل الدين الصحيح، فهذه دعوةٌ شيطانية، هي:
    ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾
    أما: ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾
    حينما ينشأ مجتمع على عاداتٍ بالية وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان، أو أشياء لا ترضي الله عز وجل، كسب المال حرام، وإنفاق المال، وكذلك العلاقات الاجتماعية في تفسُّخ وانحلال، فالدعوة إلى التمسك بالقديم البالي المخالف للسنة أيضاً دعوة شيطانية.
    كم جهة في الحياة عند الناس ؟ نعتقد أنّ هناك ستة جهات ؛ أمام، خلف، يمين، يسار، فوق، تحت.
    الآن أول جهة الأمام، الدعوة إلى تبنِّي الأشياء المستجدة، والبدع محل الدين الأصيل.
    ثم:
    ﴿َمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾
    الدعوة إلى التمسك بالتقاليد البالية المخالفة للدين، وهذا أنْ يصمد الشابُ مع زوجته أمام جمع غفير من النساء الكاسيات العاريات، ثم يقول: نحن تربينا على هذا، وهكذا نشئنا، وهكذا العادات، وإلاّ تكلَّم الناس علينا.
    الدعوة إلى الجديد.
    ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾
    الدعوة إلى العادات البالية المخالفة للشرع.
    ﴿َمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾
    أمّا:
    ﴿َعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾
    فنجمِّدها قليلاً، لكن:
    ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ﴾
    الدعوة إلى المعاصي ؛ الزنى، والسرقة، وشرب الخمور، والملاهي، إلخ...
    أما:
    ﴿َعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾
    الشيطان يأتيك من قبل الدين، عن طريق الغلو، فالغلو في الدين، مَن المنتفع منه، الشيطان، المسلمون حينما يتفرقون، ويتخاصمون، ويتفتتون، ويضعفون، مَن الرابح الوحيد في هذه المعركة ؟ الشيطان، ومن المنتفع ؟ الشيطان، لذلك:
    ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾
    الغلو في الدين.
    يأخذ فرعًا فيضخِّمه ويجعله أصلاً، أو يأخذ أصلاً فيضخمه ويجعل منه الدين كله، أو يتعصب لجماعة، أو لفئة، مهمته تفتيت الأمة الإسلامية هذه دعوة شيطانية، سأقول مبدئياً: لا ينتفع منها إلا الشيطان.
    يطالعنا سؤال سألنيه أحدٌ، جهة " فوق " ما ذكرها القرآن الكريم، وجهة تحت ما ذكرها القرآن الكريم، قال:
    ﴿لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾
    فقط.
    إذًا جهة فوق لمَ أغفلها القرآن الكريم ؟ وكذلك جهة تحت.
    قال العلماء: جهة فوق هي السماء !! ولا يستطيع الشيطان أن يأتيك من جهة السماء، يعني إذا اتجهت إلى الله أحرقت الشيطان، إذا اتجهت إلى الله عز وجل لا يستطيع الشيطان أن يقترب منك، ولا أن يلقي في قلبك أو نفسك شيئاً، ولا أن يوسوس لك، لمجرد أن تتصل بالله عز وجل.
    ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2)﴾
    (سورة الفلق: 1 - 2 )
    ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) ﴾
    (سورة الناس: 1 - 2 -3 - 4 )
    يوسوس، فإن قلت: يا رب خنس، فالشيطان ضعيف، وسواس خناس، يوسوس، فإذا استعذت بالله عز وجل خنس.
    ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) ﴾
    ( سورة الأعراف: 200 - 201 )
    لذلك فالقرآن الكريم أغفل جهة فوق، لأن جهة فوق تعني الاتصال بالله عز وجل، والإنسان حينما يتصل بالله عز وجل لا يستطيع الشيطان أن يقترب منه.
    هذا طيب، وجهة تحت، لماذا أغفلها الله عز وجل ؟ لأنّ جهة تحت تعني العبودية لله عز وجل، الإنسان حينما يفتقر إلى الله، لا يستطيع الشيطان أن يوسوس له، إذاً أنت محصن من جهة العبودية لله، ومن جهة القرب من الله، جهتان لا يستطيع الشيطان أن يأتيك منهما، لكن:
    ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾
    شيء حديث، أجهزة حديثة، اتصالات، لقاءات، حفلات مختلطة، مثلاً، وسفور، وعمل المرأة في الحقل العام، أشياء لم تكن من قبل.
    ﴿َمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾
    تقاليد بالية، الأخذ بالثأر مثلاً، كلها أشياء ما أنزل الله بها من سلطان.
    ﴿َعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾
    من طرف الدين وناحيته، لذلك الشيطان يستطيع أن يصل إلى الإنسان وأن يقض عليه مضجعه، وأن يهلكه عن يمينه، أحياناً بالوسوسة، وأحيانًا بالابتداع، وأحيانًا بالحقد على بقية المسلمين، أو بالتفرقة بينهم، وأحيانًا بالتعصب لجهة، أو لجماعة، أو لفئة، أو لشخص، وتكفير من سواهم.
    ﴿ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)﴾
    إذاً يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم، الكلام لأهل الكتاب، والمقصود الآن المسلمون، وورد عن النبي عليه الصلاة والسلام:
    ((إياكم والغلو في الدين !! فإنه أهلك من كان قبلكم))
    الغلو في الدين خطِرٌ خطرًا مدمِّرًا.
    يعني أن تضخم فرعاً فتجعله أصلاً، أو أن تضخم أصلاً فتجعله ديناً، على حساب الفروع الأخرى، أو على حساب الكليات الأخرى، وبهذا يتمزق الإسلام، ويتطرف الناسُ فيه، والتطرف عبءٌ على الدين وليس في خدمته.


    والحمد لله رب العالمين






     



  5. رقم #19
     افتراضي  العنوان : رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 28 Feb 2018 الساعة : 09:12 AM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.27 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل




    بسم الله الرحمن الرحيم


    سورة النساء (4)

    الجزء التاسع


    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
    أيها الإخوة الكرام ؛ في القرآن الكريم عدة آياتٍ، تشير إلى طبيعة الإنسان.
    قال تعالى:
    ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾
    ( سورة النساء: 28 )
    ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37)﴾
    ( سورة الأنبياء: 37 )
    ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾
    ( سورة المعارج: 19 إلى 23 )
    عدة آيات لا تزيد عن أربع آيات، تتحدث عن طبيعة الإنسان، فهذه خصائصُ في خلقه، ليست ذنباً يعزى إليه، لكن الله هكذا خلقه.
    أولاً... الله سبحانه وتعالى قال:
    ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾
    لماذا خلقه ضعيفاً ؟
    لو أن الله عز وجل خلق الإنسان قوياً، لاستغنى بقوته عن الله، وحينما يستغني بقوته عن الله يشقى باستغنائه.
    لماذا خلقه من عجل ؟

    ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾
    قال العلماء: لأنه لو خلقه يحب الآجلة، واختار الآخرة وفق طبيعته لما ارتقى عند الله، لكن ما الذي يحصل ؟ لو أن الإنسان خلق يحب الآجلة، والدنيا بين يديه، فالشهوات يقظة، الفتن مستعرة، الملذات أمامه، لوجدته يعرض عنها كلها، ويختار ما عند الله في الآخرة، فخالف طبيعته، والإنسان لما يخالف طبيعته يرقى عند الله، ولما يستجيب إلى طبيعته الأرضية فإنّه لا يرقى.
    شاءت حكمة الله أن يكون الإنسان عجولا، وجعل الله الدار الآخرة بعيدة المدى، لو كان عرضاً قريباً، أو سفراً قاصداً لاتبعوك، ولكن بعدت عليهم الشقة، يقول بعضهم: يفرجها الله.
    فالناس يندفعون إلى إرواء شهواتهم، إلى اقتناص الأموال الحرام، إلى الاستمتاع بما حرم الله، لأن هذه الشهوات بين أيديهم، وفي متناولهم، والإنسان عجول، أما إذا اختار الآجلة فالأمر على عكس العاجلة.
    ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21)﴾
    ( سورة القيامة: 20 ـ 21 )
    ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾
    ( سورة الإنسان: 27 )
    فالإنسان إذا استجاب إلى طبعه، وإلى عجلته، عندئذٍ يعصي ويرتكب الموبقات، ويعيش كما يقول الوجوديون: ليعِشْ لحظته، فهو الآن قوي ليستمتع بقوته، غني ليستمتع بماله.
    أما الإنسان إذا أحكم عقله، فإني أضرب لكم مثلاً بسيطاً، لكن له دلالة كبيرة ؛ قبل سنين، حافلة حي المهاجرين، كانت تقف بساحة المرجة أمام مركز التسويق العراقي، في أيام الصيف الحارة، صعد للحافلة راكبٌ، فوجد على اليمين شمسًا، وعلى اليسار ظلاً، بحكم طبيعته قعد في الظل على اليسار، فلما انطلقت الحافلة، ودارت بساحة المرجة، فخلال دقيقة واحدة، انعكست الجهة لآخر الخط، وبقي طيلة الوقت في الشمس، فأنا لما أركب الحافلة كنت ألاحظ الركاب، فالذي يشغِّل فكره يقعد بالشمس، والذي يستجيب لطبيعة جسمه يقعد في الظل، لكن بعد دقيقة واحدة عندما تدور الحافلة تنعكس الجهة، فمَن اختار الظل تمتع به دقيقة، ومَن اختار مقعده تحت الشمس تحملها دقيقة، ثم راح يتمتع بالظل عشرين دقيقة، ومَن اختار الظل راح يتنعم دقيقة، ويتحمل أشعة الشمس الحارة عشرين دقيقة، فالفرق بين الراكبَيْن، واحد أعمل عقله، والآخر عطل عقله، وهذا المثل لو أنه مثل بسيط، لكن له دلالة كبيرة.
    فأيّ إنسان بحكم عقله، ويفكر فإنه يختار الآجلة إلى الأبد، وأي إنسان يعطل عقله، فبين يديه الكثيرُ مِن في شهوات، أموال حرام، نساء كاسيات عاريات، طعام، احتفالات، اختلاط، مكاسب، يا نصيب تارةً، واختلاط تارةً، ورحلة سياحية تارةً، فإنه يختار العاجلة، والله عز وجل قال:
    ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21)﴾
    ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾
    فلما يحكِّم الإنسان عقله فإنه يختار الآخرة، مع أنها بعيدة المدى، ويرفض الدنيا مع أنها في متناول يديه.
    أما إذا عطل عقله، فإنه عيش لحظته كالوجوديين، فما دام يعيش إذاً هو يأكل ويشرب، ويتمتع بدون ضوابط، بدون قيم، دون مبادئ، دون افعل ولا تفعل، دون منهج، دون دستور، كالدابة السائمة، كالدابة الطليقة، تفعل ما تشاء بدون قيد أو شرط.
    إذاً لما فطَرَ ربنا عز وجل الإنسانَ على حبِّ العاجلة مِن أجل أن يرقى، إذا جاهدها، لأنه لو اختار الآجلة لعاكس طبيعة نفسه.
    وبالمناسبة إخواننا الكرام ؛ الإنسان له طبع، وله فطرة، ولديه تكليف، والطبع يتناقض مع التكليف غالباً، التكليف أن تصلي الفجر في وقته، وجسم الإنسان يميل إلى النوم والاسترخاء، ولا سيما في أيام الشتاء الباردة، والفراش وثير، ودافئ، نام الساعة الواحدة متأخرًا، وهو مرتاح، فطبعك يدعوك إلى النوم، والتكليف يدعوك إلى الصلاة، والمؤذن يقول الصلاة خير من النوم، وطبعك يدعوك إلى إطلاق البصر في النساء، كي تستمتع بحسنهن، لكن التكليف يدعوك أن تغض البصر عن محارم الله، طبعك يدعوك أن تقبض المال، والتكليف يأمرك أن تنفق المال، طبعك يدعوك أن تتحدث عن عورات الناس، عن قصصهم، عن فضائحهم، عن سقطاتهم، عن مشكلاتهم، عن خصوماتهم، لماذا طلق فلان فلانة ؟ ولماذا تزوج فلانة ؟ وما خلفية الموضوع ؟
    طبعك يدفعك إلى تقصي أخبار الناس، لكن التكليف يقول لك:

    ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾
    ( سورة الحجرات: 12 )
    ((من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه))
    الملاحظ إذاً أن الطبع يختلف مع التكليف، لماذا يختلف مع التكليف ؟ من أجل أن ترقى، لو توافق الطبع مع التكليف لارتقى أبداً، والتغت العبادة، والتغت الجنة، ولم يعُد هناك ثواب ولا عقاب، إذا توافق الطبع مع التكليف، لكن التكليف يتناسب مع الفطرة، أنا قلت الطبع، والطبع أقرب إلى الجسد، والفطرة أقرب إلى النفس.
    فلما يتعرف الإنسان إلى الله، ويستقيم على أمره، تهدأ نفسه، ويطمئن قلبه، ويشعر بسعادة لا توصف، لأنه توافق مع فطرته.
    إذاً من ينشد السعادة الحقيقية، فعليه بتطبيق أمر الله عز وجل، ولو كان أمر الله في ظاهره فيه تكليف، وكلفة، وجهد، لولا هذا الجهد لما ارتقى إطلاقاً.
    لو فرضنا أنّ جامعة وزعت على الطلاب أوراق الإجابة، مطبوع عليها الجواب التام، فما عليك إلا أن تكتب اسمك ورقمك، كله طالبٍ يحصل على مئة درجة، ومنحت تلك الجامعة الشهادات العليا، الليسانس، والدكتوراه هذه الشهادات هل لها قيمة عند الناس؟ هل لها قيمة عند الطلاب ؟ لا قيمة لها، صفر في الحقيقة، لأن هذه الشهادات لم يكن لصاحبها جهد مبذول.
    أما لما تكون المواد صعبة، ولا بد لها مِن دراسة شاقة، ودخول امتحان صعب، وأسئلة معقدة، وسُلَّم دقيق، وتصحيح دقيق، فعندئذٍ لما ينجح الطالب يتيه على أقرانه بهذا النجاح الذي مقابله في جهد مُضنٍ.
    فالإنسان لا يطمع أن يكون التكليف موافقًا للطبع، يطمع أن يجد الدين مثل ما يريد تمامًا، يريد من الدين أن يُسمَح فيه بكذا، وكذا، وكذا، يأخذ ما فيه راحته، ويتصيد الرخص.
    لذلك فقد أردت من هذا الدرس، أن أشير إلى ناحية واحدة، أن الإنسان خلق عجولا، يحب الشيء الذي بين يديه، ولا يحب الشيء البعيد، فالمؤمن إذا اختار الآخرة، وما عند الله، فقد خالف طبعه، و لما خالف طبعه ارتقى عند الله.
    وغالباً الطبع أقرب إلى الجسد، والفطرة أقرب إلى النفس، وتكاليف الشرع لا تتوافق مع الطبع، لقوله تعالى:

    ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾
    ( سورة النازعات: 40 ـ 41 )
    لكن الإنسان إذا طبق أمر الله عز وجل وعاكس هواه، في النهاية ترتاح نفسه، لأن هذا الكمال الذي حصله، وتلك الطمأنينة التي اكتسبها، هذه غذاء الفطرة.
    لذلك قال تعالى:
    ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)﴾
    ( سورة الروم: 30 )
    إخوانا الكرام ؛ أقول لكم هذه الكلمات وهي دقيقة، في النفس فراغ لا يملؤه المال، قد تملك مئات الملايين، وفي النفس فراغ لا تملؤه القوة، وقد تكون أقوى الأقوياء، في النفس فراغ لا تملؤه الشهادات العليا، والدرجات العلمية العالية، في النفس فراغ لا تملؤه الأسرة الناجحة، في بالنفس فراغ لا يملؤه إلا الإيمان، من دون إيمان يعيش الإنسان في قلق، والدليل:
    ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
    ( سورة طه: 124 )
    أما لو أنّ الإنسان استقام على أمر الله فالحياة الطيبة هانئة، قال تعالى:
    ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
    ( سورة النحل: 97 )
    فنحن موعودون بالحياة الطيبة، من قبل الله عز وجل.
    والله أيها الإخوة ؛ لزوال الكون أهونُ على الله من ألاّ تتحقق وعوده ووعيده بأي عصر ومصر، وبأي وقت، من أي منبت طبقي أنت ؟ من أي أم وأب ؟ من أي بلدة ؟ من أي مكان ؟ من أي زمان ؟ من أي إمكانيات كنت ؟ حينما تستقيم على أمر الله، فلك من الله حياة طيبة، وأي إنسان مهما كان قوياً، مهما كان غنياً، مهما كان جباراً، إذا أعرض عن الله عز وجل فإن له معيشة ضنكا.
    والله أيها الإخوة ؛ لو لم يكن في القرآن الكريم إلا هاتان الآيتان لكفتانا.
    ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
    ( سورة النحل: 97 )
    ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
    ( سورة طه: 124 )
    أمّا الآية الثالثة، فدققوا فيها، والله لو أنني أتلو هذه الآية آلاف المرات، لا أرتوي منها.
    ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾
    ( سورة الجاثية: 21 )
    أَيُعامَل المؤمن من الله كما يعامل الكافر ؟ في بيته، في عمله، في صحته، في زوجته، في أولاده، في طمأنينته، في سعادته، في إقباله، في إشراق نفسه، في تفاؤله في المستقبل، تجد شخصًا غنيًا لو أنفق كل يوم مئة ألف لبقي لديه ما يفيض على حياته، ولو عاش مئة سنة، ومع ذلك فهو متضايق، وقلق، ويقول: السوق مسموم، ولا نربح، وما هذه الحياة، ولا يُعاش في هذا البلد، ومعه أموال واللهِ لا تأكلها النيران، ويقابلك مؤمن لا يملك إلا قوت يومه، ويقول: الحمد لله من أعماقه، راضيًا بعيشه.
    هذه السعادة لها سّر، السعادة أيها الإخوة لا تأتي من الخارج، لا تأتي من بيت واسع، ولا من زوجة جميلة، ولا من أموال طائلة، ولا من بيت بالمصيف، ولا من مركبة فاخرة.
    السعادة تنبع من الداخل، لما يتجلى ربنا على المؤمن يشعر بالسرور والسعادة، إذ قال لك: أنا أسعد الناس فصدِّقْه، ذات مرة قال لي شخصٌ كلمة، أقسَمَ بالله ليس في الأرض - "أقسم بالله" - مَن هو أسعد مني، فقلت: هذا الكلام ليس معقولاً، ثم استدرك قائلاً: إلا أن يكون أتقى مني، ليس في الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني.
    فلما يتعامل الإنسان مع خالق الكون، ويمشي على منهج الله، يجعل بيته إسلاميًا، وعمله إسلاميًا، يقرأ القرآن، يذكر الله، ويترك هذه الأجهزة التي تسمم حياتنا، وتجعل حياتنا كلها حياة جنس، حيث المصيبة الكبرى، والخسارة المردية، فنعوذ بالله مِن ذلك.


    والحمد لله رب العالمين






     



  6. رقم #20
     افتراضي  العنوان : رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 28 Feb 2018 الساعة : 03:45 PM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.27 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل




    بسم الله الرحمن الرحيم


    سورة المائدة (5)

    الجزء الاول

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
    أيها الإخوة الكرام ؛ يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:
    ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾
    موضوع اليوم حول كلمة الوسيلة !!!.
    يعني إذا أردت أن تصل إلى مكان ما، فلا بد من وسيلة تنقلك إلى هذا المكان، إذا أردت الماء، فلا بد أن تحفر بئرًا، إذا أردت أن تأكل فلا بد أن تشتري الطعام، إذا أردت أن تستنبت فلا بد أن تزرع البذر.
    فالإنسان له هدف، وله أن يتخذ وسيلةً إلى هذا الهدف، فمن أراد الله فلا بد أن يبتغي إليه الوسيلة.
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾
    من أوسع التفاسير لهذه الكلمة، وأَوجه معنى من معاني الوسيلة طلبُ العلم، فهو وسيلة، والعلم طريقٌ إلى الله عز وجل.
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾
    يجب أن تعرف أنه موجود، يجب أن تعرف أنه واحد في ذاته، وفي أفعاله، وفي صفاته، يجب أن تعرف أنه كامل، أسماؤه كلها حُسْنَى، وصفاته كلها فُضْلَى.
    إذاً ينبغي أن تعرفه، ينبغي أن تعرف ما عنده من إكرام من أجل أن تقبل عليه، وينبغي أن تعرف ما عنده من عذابٍ أليم إذا أعرضت عنه.
    إذاً إذا أردت الله عز وجل فابتغِ إليه الوسيلة عن طريق العلم، لقول الله عز وجل:
    ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾
    ( سورة فاطر: 28 )
    لو أن هناك طريقاً إلى الله، غير طريق العلم لذكرَه الله عز وجل، لا بد أنْ تتعرف إلى الله، لأنك كلما عرفت الله عز وجل ازدادت خشيتك له، فالخشية مترافقة مع حجم العلم، حجمُ خشيتك بحجم علمك، رأس الحكمة مخافة الله، أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً.
    وبعد ؛ فإن عرفته أقبلت عليه، فمعرفته وسيلة، وإنْ عرفت أمره ونهيه طبقتَ أمره وابتعدت عن نهيه، إذاً معرفةُ منهجِه وسيلة.
    لا ينبغي أن تكتفي بمعرفته من خلال الكون، لا بد من أن تعرف منهجه من خلال الكتاب والسنة، يجب أن تعرفه، وأن تعرف منهجه، الكون يدلك عليــه، والكتاب والسنة يعرفانك بأمره ونهيه، بالكون تعرفه وبالشرع تعبده.
    إذاً لا بد من جانب من جوانب هذه الوسيلة، أن تفكر في خلق السموات والأرض.
    ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾
    ( سورة آل عمران: 190 - 191 )
    ومن أجل أن تعبده، لا بد أن تعرف أمره ونهيه، ماذا تعمل أنت ؟ في التجارة مثلاً: لا بد أن تعرف أحكام الشراء والبيع لئلا تقع في الحرام، فمن دخل الأسواق من دون فقهٍ، وقع في الربا شاء أم أبى، تعمل في الطب لا بد أن تعرف أحكام الجُعالة، لأنك أجرك أيها الطبيب ليس مِن نوع عقود التراضي، ولا المعوضات، ولكن من نوع الجُعالة، أنت مقبلٌ على الزواج، فلا بد أن تعرف أحكام الزواج، كيف تعامل الزوجة ؟ كيف يتم هذا العقد ؟ ما شروط هذا العقد ؟
    إذاً إذا أردت أن تعبده فلا بد أن تعرف أمره، لذلك ورد في الأثر: أن طلب الفقه حتمٌ واجبٌ على كل مسلم، ليس هذا خياراً لك، لا بد أن تقتطع من وقتك لتتعرف فيه إلى أمر الله ونهيه، إن أردت أن تعرفه، إن أردت أن تعبده، إن أردت أن تتقرب إليه.
    إذاً معرفة ذاته، وأسمائه، وصفاته، من خلال الكون وسيلة، ومعرفة منهجه من خلال الكتاب والسنة وأحكام الفقه وسيلة.
    من أجل أن ترى نفسَك للإسلامِ مطبِّقاً، لا بد أن تقرأ سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جعله مثلاً أعلى وقدوة يقتدي به.
    إذاً معرفة السيرة فرض عين، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
    ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
    ( سورة الأحزاب: 21 )
    طيب، إن جلست مع أهل الدنيا، صَدِئ قلبك، وشعرت بالضيق، لابد إذًا أنْ تجلس مع المؤمنين، قال الله تعالى:
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾
    ( سورة التوبة: 119 )
    أن تجلس مع الصادقين وسيلة، أن تجلس مع المؤمنين، أن تلتقي معهم، أن تأخذ عنهم، من علمهم، من أخلاقهم، من قيمهم، فكل هذه وسيلة، انظُر فالمطلق على إطلاقه.
    الوسيلة أن تعرف الله من خلال الكون، والوسيلة أن تعرف أمره ونهيه من خلال الكتاب والسنة، والوسيلة أن تجتمع مع المسلمين، لتأخذ من علمهم ومن أخلاقهم ومن قيمهم، وأن تقتدي بهم والدليل:
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾
    ( سورة التوبة: 119 )
    هذه وسيلة، والوسيلة الرابعة ؛ أن تتقرب إليه بالعمل الصالح.
    ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
    ( سورة الكهف: 110 )
    فمعرفة الله من خلال الكون وسيلة، ومعرفة منهجه وسيلة، وصحبة المؤمنين وسيلة، والأعمال الصالحة التي تقربك إلى الله وسيلة، المطلق في القرآن على إطلاقه، فأي شيءٍ يقربك من الله عز وجل هو وسيلة، لكن أكثر شيء يقربك من الله عز وجل أن تتأمل في خلق السموات والأرض، فأنت أمام عظمة الله عز وجل وجهاً لوجه، هذا أكبر شيء نظري، وأكبر شيء عملي يقربك إلى الله عز وجل الإنفاقُ، مطلق الإنفاق.
    ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)﴾
    ( سورة البقرة: 3 )
    لأن الله سبحانه وتعالى جاء بك إلى الدنيا من أجل أن تعدَّ نفسك إلى حياة أبدية، فلا بد من عملٍ صالحٍ ترقى به، " يا بشر لا صدقة ولا جهاد، فبِمَ تلقى الله إذاً ؟ "، لا بد من شيء تلقى الله به، إنها الوسيلة.
    لذلك إنسان يدّعي أنه مؤمن ولا يتحرك دعواه باطلة، دعواه كاذبة، لأن الإنسان من طبيعته الحركة، ترجمةً لديناميكي، وليس سكونياً "استاتيك"، "ديناميك" يعني حركي، فأنت تؤمن بالله وتظلّ واقفًا في محلك، فلا يليق ذلك بالمؤمن.
    أنت لا بد لك مِن بيت تسكنه، مقدم على زواج، تسمع أنّ بيتًا ثمنه نصف قيمته الحقيقية، ثمنه خمسمئة ألف بدمشق وعلى الطابو فورًا، وأنت معك المبلغ وتظل نائمًا، لا أظن، بل تذهب في نصف الليل مشيًا ولو آخر مكان، أنت بحاجة ماسّة إلى بيت، والبيت بنصف قيمته، وطابوا فورًا، وليس فيه مشكلة، والدلال فلان، وتظل ساكنًا، ولا حركة، فهذا غير معقول أبدًا !!!.
    تسمع أنّ على كتفك عقربًا - لا سمح الله - إذ قال لك شخص: على كتفك عقرب، هل تلتفتَّ نحوه بهدوء، وتقول له: أشكرك على هذه الملاحظة، وأتمنى أن أقابلك بخير منها، معنى ذلك أنك لم تفهم قولَه، ولو علمت ماذا قال لقفزت وخرجت من جلدك خوفاً من هذه الحشرة.
    أتسمع الحق ولا تتحرك، لا تغض بصرك، ولا تنفق من مالك، لا تلازم المسجد، ولا تصلي، معنى هذا أنك ما فهمت شيئًا إطلاقاً، فعلامة الفهم الحركة.
    ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
    أنتَ عرفت الله وبيتك غير إسلامي، يعني أنك ما عرفته، ولو عرفته، وعرفت ما عنده من إكرام، وعرفت ما عنده من عقاب، وعرفت تفاهة الدنيا، وعرفت أبدية الآخرة، وعرفت أن الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، إذًا فلا بدّ أن تتحرك.
    ذات مرة ضربت مثلاً مضحكًا ؛ لما كان عندنا أزمات تموينية، قلت: لو أن واحدًا تلزمه صفيحة زيت، وقد خرج من وظيفته توًّا وهو مُتعَب، وقد خلع ثيابه وارتدى ثياب البيت، وجلس على أريكةٍ مريحةٍ، فقال له ابنه عدّةَ كلمات ؛ قال له: في المؤسسة زيت، والصفيحة بـ 800 ل س وثمنها لدى السمّان 1600 ل س، وليس في المؤسسة ازدحام، ولا يوجد عندنا زيت، وقد قبضتَ راتبك منذ يومين، أيبقى قاعدًا ؟ لا شكّ أنه يسارع إلى المؤسسة مهرولاً ناسيًا تعبه كله.
    فإذا كان الدين واضحًا، والأفكار صحيحة، والعقل يقظًا، والعاطفة جياشة، وسمعت الحق، فلا بد أنْ تتحرك، أما يبقى على ما هو عليه من المعاصي والآثام والتقصير، ويدّعي أنه مؤمن، وأنا مسلم، ويقول: اللهم اجعلنا من أهل الجنة، فنحن عبيد إحسان، ولسنا عبيد امتحان، هذا كلام لا يقدم ولا يؤخر، وربما يكون حجة على قائله.
    ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾
    أي شيءٍ من علمٍ، أو عملٍ، أو تضحيةٍ، أو شيءٍ آخر يقربك إلى الله عز وجل فهو وسيلة، التفكر في خلق السموات والأرض وسيلة، معرفة المنهج الأمر ؛ والنهي وسيلة، صحبة المؤمنين وسيلة، البذل والعطاء وسيلة، وأي شيءٍ آخر ترى أنه يقرب إلى الله عز وجل فهو وسيلة، ونسيت أن أقول لكم: إنّ ذكرَ الله وسيلةٌ، ذكره باسمه المفرد، والاستغفار، والتسبيح، والتهليل، والتكبير، والحمد، والدعاء، وتلاوة القرآن هذه وسيلة، وأعود لأكرِّر: التفكر وسيلة، الذكر وسيلة، الطاعة وسيلة، البذل وسيلة، صحبة المؤمنين وسيلة، الإطلاع على سيرة رسول الله وأصحابه الكرام وسيلة، والآية واسعة جداً، وأي شيء يقربك من الله هو وسيلة، درسنا اليوم كان حول:
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾
    واستمع لقوله تعالى:
    ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾
    ( سورة الإسراء: 19 )
    علامة الإرادة السعي، وعلامة التمني القعود، المتمني يقعد، والساعي يتحرك، فأنت امتحن نفسك، إذا بقي الإسلام معلومات تتلقاها وأنت مرتاح لها، ولديك مشاعر إسلامية وليس لديك حركة إطلاقاً،ف القضية صعبة، أما إذا أيقنت بأحقية هذا الدين، وعظمة هذا الخالق العظيم، فلا بد أن تتحرك نحوه، ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فُتُّكَ فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء.


    والحمد لله رب العالمين



    تــــــــابــــــــع



     



  7. رقم #21
     افتراضي  العنوان : رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 28 Feb 2018 الساعة : 03:46 PM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.27 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل




    بسم الله الرحمن الرحيم


    سورة المائدة (5)

    الجزءالثانى


    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
    أيها الإخوة موضوعنا اليوم الآية الثامنة من سورة المائدة، وهي قوله تعالى:

    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)﴾
    الإنسان أيها الإخوة قد يجري اتصالاً هاتفياً، وهو مضطجعٌ على سريره، أما لو أنه تلقى نبأً مؤلماً لقعد، فانتقاله من الاضطجاع إلى القعود دليل أن الأمر مهمٌ، فإذا كان الأمر أكثر أهميةً وقف، والإنسان يعبر عن اهتمامه بالأمر إلى أقصى درجة حينما يقف.
    الله سبحانه وتعالى يقول:
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ﴾
    قوَّام على وزن فعَّال، صيغة مبالغة اسم الفاعل، قائمٌ قوَّامٌ، القوَّام أشد اتصافًا بالقيام من القائم، قائم لكنه متهاون، قائم لكنه متململ، قائم لكنه متراخٍ، أما قّوام فهو في أعلى درجات النشاط، وفي أعلى درجات اليقظة، وفي أعلى درجات الجاهزية، قوَّام.
    يقول الله عز وجل:
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾
    يعني طاقتكم، نشاطكم، عضلاتكم، علمكم، طلاقة لسانكم، ذكاؤكم، مكانتكم، جاهكم، هذا كله ينبغي أن يوظف لله عز وجل، وأن تستنفر، وأن تفرَّ إلى الله عز وجل.
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾
    يعني أعلى درجات الاهتمام أن تقف، وأن تكون مستعداً لبذل الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، أن تقف وأن تكون في أعلى درجات الجاهزية، أن تقف وأنت في أعلى درجات النشاط.
    هذا معنى.
    ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾
    ( سورة آل عمران: 79 )
    يعني يجب أن تَهَبَ كلَّ ما تملك لله عز وجل.
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ﴾
    أحد أصحاب رسول الله، وكان حِبَّ رسول الله، أراد أن يشفع عند النبي في امرأةٍ سرقت، فغضب النبي أشد الغضب، وكما ورد في الأثر:
    ((إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها))
    هذا هو الإسلام.
    يروى أن سيدنا عمر جاءه ملِك من ملوك الغساسنة مسلماً، رحب به أشد الترحيب.
    كان الموسم موسمَ حج، وفي أثناء طواف الملك حول الكعبة، بدوي من فزارة داس طرف ردائه، فالمِلك لم يحتمل هذا، فالتفت نحوه وضربه ضربة هشمتْ أنفه.
    هذا البدوي ليس له إلا عمر، ذهب إليه ليشكو هذا الملك الغساني جبلةَ ابن الأيهم، فاستدعى عمر جبله، وقال: أصحيحٌ ما ادَّعى هذا الفزاري الجريح، قال: لست ممن ينكر شيئاً، أنا أدبت الفتى، أدركت حقي بيدي، قال عمر: أَرضِ الفتى، لا بد من إرضائه، فمازال ظفرك عالقاً بدمائه، قال له: وإن لم أفعل ؟ قال له: يُهشمن الآن أنفك، وتنال ما فعلت كفك.
    قال له كيف ذاك يا أمير المؤمنين ـ ما هذا الكلام ـ هو سوقة، وأنا عرش وتاج، كيف ترضى أن يخرَّ النجم أرضاً ؟ قال له: نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، وأقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيدا، فقال جبله: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني، فقال عمر: عنق المرتد بالسيف تحز، عالَمٌ نبنيه، كلُّ صدع فيه بشبا السيف يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾
    لذلك ورد أنَّ عدْلَ ساعة أفضل عند الله من أن تعبد الله ثمانين عاماً، ورد أن حجراً ضج بالشكوى إلى الله، قال: يا رب، قصة رمزية، عبدتك خمسين عاماً وتضعني في كنيف ـ المرحاض ـ قال تأدب يا حجر، إذْ لم أجعلك في مجلس قاض ظالم، يعني مكانك في الكنيف أشرف لك من أن تكون في مجلس قاض ظالم.
    إذاً:
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾
    أما الشيء الدقيق في الآية، قوله تعالى:
    ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾
    معنى لا يجرمنَّكم أي لا يحملنَّكم.
    ﴿ شَنَآَنُ قَوْمٍ ﴾
    الشنآن البغض.
    ﴿ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾
    الله يخاطب من ؟ يخاطب المؤمنين، من هم أعداء المؤمنين التقليدين الكفارُ، الفجارُ، الملاحدةُ، المنافقون.
    كأن الله عز وجل يقول: يا عبادي، إذا توهمتم أنني أرضى عنكم، إذا لم تعدلوا مع خصومكم الكفار فأنتم واهمون، لا يرضيني إلا أن تعدلوا معهم، ولا يقربكم إليَ إلا أن تنصفوهم، ولا تقرِّبوهم إليَّ إلا إذا أنصفتموهم، إن لم تنصفوهم فأنتم متوهمون أني أرضى عنكم، إذا أكلتم أموالهم واعتديتم على أعراضهم بدعوى أنهم كفار، فهذا هو عين الخطأ.
    ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾
    لا يحملنكم بغض قومٍ على أن تظلموهم.
    ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
    أنتم إذا عدلتم مع هؤلاء الأعداء أنتم أقرب إليّ، وإن عدلتم مع هؤلاء الأعداء قرّبتموهم إليّ، فقد عرفوا عظمة الدين، لذلك الإنسان المتوهم إذا رأى شخصًا غير مسلم يقول في نفسه: الطُشْهُ بالسعر ولا حرج، خذ ماله ولا تهتم، فهذا غير مسلم، هذا هو عين الخطأ، وأعود وأكرِّر الآية: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
    يعني إذا عدلتم مع أعدائكم قربتموهم من الله، قال: يا أمير المؤمنين أتحبني، يبدو أنّ شخصًا فاجرًا قالها لسيدنا عمر، قال له: والله لا أحبك، قال: وهل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي، قال له: لا والله، حقك واصلٌ إليك، أحببتك أم كرهتك، هذا هو الإسلام.
    ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
    يعني إذا عدلتم معهم قرَّبتموهم إليّ، وعرفوا أحقِّيّة هذا الدين، و إن عدلتم معهم تقرَّبتم أنتم إليّ، فأنا لا أرضى عنكم إذا ظلمتم هؤلاء، لأنكم إذا ظلمتموهم، فإنكم إذاً مثلهم، وأين الإسلام عندئذٍ ؟ وأين عظمة هذا الدين ؟ وأين أحقّيّة هذا الشرع؟
    لذلك يبدو أن الذي يخطئ مع مسلم، فالخطأ صغير حجمه، أما الذي يخطئ مع غير المسلم فالخطأ كبير حجمه، لأنك إذا أخطأت مع مسلم يقول: فلان آذاني، أما إذا أخطأت مع غير مسلم يقول: المسلمون فعلوا معي كذا، وكذا، ينتقل من ذمك إلى ذمِّ دينك.
    ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام:
    ((أنت على ثغرةٍ من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك.))
    كل مسلم يمثل هذا الدين، فعليه أن يكون في أعلى درجات الكمال، أعلى درجات الإنصاف، أعلى درجات القسط.
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾
    استنفِرْ، فِرَّ إلى الله، شمروا فإن الأمر جِد.
    ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾
    في آية أخرى قال:
    ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾
    ( سورة النساء: 135 )
    ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾
    لا يحملنكم بغض قومٍ على ألا تعدلوا.
    ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
    يعني أنتم أقرب إليّ، وأعداؤكم الذين عدلتم معهم، يصبحون أقرب إليَّ.
    ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)﴾
    سبحانه وتعالى خبير بعملك، يعرف حجم عملك، ويعرف الأهداف البعيدة من عملك، ويعرف البواعث الحقيقية من عملك، ويعرف المضايقات التي تعترض عملك، ويعرف كل ما بذلتَ من أجل هذا العمل من غال ورخيص، ونفس ونفيس.
    ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾
    ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
    أيها الإخوة ؛ هذه الآية لو طبقت فلن تجدوا عداوات ساحقة بين المسلمين وغير المسلمين، يعني إذا ظلَمَ المسلم، فقد سمعت مرة كلمة، أن الأجانب ينظرون إلى الإسلام نظرة سيئة، لأنهم شاهدوا إساءات مِن قِبَل مَن فَتَحَ بلادهم، بعد ما استقر الفتوح في أوربا مسافات طويلة، ظهر أناس أساءوا إساءات بالغة، فالأجانب حملوا هذه الصور القاتلة ونظروا إلى الإسلام نظرة قاسية، فلذلك المسلم أحيانًا يسيء إلى دينه كله.
    طالب ذهب إلى أوربا ودرس، واقترن بفتاة ألمانية، أحبها وأحبته، درسا الطب طبعاً، بعد سبع سنوات، بعد أن نال الشهادة، اختفى !!.
    عاشت معه وأعانته، وقدمت له كل ما تستطيع، وأخلصت له، فلما نال الشهادة في الطب اختفى !! تبعته إلى بلده، فإذا هو في بلد آخر، أجرى عقداً مع دولة من دول الخليج، إحدى دول النفط، فوصلت إلى وزير الداخلية هناك، والوزير رفع الأمر إلى الملك، والملك أصدر أمراً بطرد هذا الطبيب، لأنه أساء إلى ألف مليون مسلم.
    تقول هذه الفتاة: ماذا فعلت له حتى تركني ؟ لقد أحسنتْ إليه، واللهِ.
    أحيانًا إنسان واحد قد يسيء لأمة، لمَ لمْ تخبرها بأنك ستطلقها إذا انتهت دراستك، وليعلم كل واحد أنّ الزواج على التأبيد، أخلصت لك كل الإخلاص، وأنا ما أردت من هذه القصة أن نناقشها، لكن أردت من هذه القصة أن الإنسان أحياناً يسيء لأمته كلها إذا أساء التصرف.
    ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
    فالمسلم ليدقق بمعاملته المسلَم مرة، وليدقق مليون مرة في معاملته غير المسلم، لأنه لو عامله معاملة طيبة ربما جلبه إلى الدين، رجل معروف يمثل الحزب اليساري في فرنسا، أسلم، فكان يروي منذ أيام سبب إسلامه، قال: قبل ثلاثين سنة، كنتُ جنديًا ورفض مسلم أنْ يقتلني، في الحرب العالمية الثانية، لقد رفض أنْ يقتله لأسباب دينيه، فبقيت هذه الفكرة في ذهنه ثلاثين عاماً، وحملته بعدها على أن يسلم.
    فالعمل الطيب ربما جرَّ أمة، والعمل السيِّئ ربما نفَّر أمة.
    لذلك:
    ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾






    والحمد لله رب العالمين





     



صفحة 3 من 36 الأولىالأولى 1234513 ... الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. تفسير القران الكريم فقط ضع الماوس علي الايه وستجد التفسير
    بواسطة سمرون في المنتدى نفحآإتَ إيمآنيةِ
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 25 Jun 2009, 10:58 PM
  2. القران الكريم كاملا في الجوال .........
    بواسطة عسوله في المنتدى عالم الجوالات
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 25 Aug 2007, 11:53 AM
  3. مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 07 Nov 2006, 09:22 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •