صفحة 5 من 15 الأولىالأولى ... 34567 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 29 إلى 35 من 101
  1. رقم #29
     افتراضي  العنوان : رد: أسماء الله الحسنى
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 07 Feb 2018 الساعة : 04:16 PM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.26 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل





    بسم الله الرحمن الرحيم





    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



    من أسماء الله الحسنى: ( السُّبُّوح ):





    أيها الإخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو اسم ( السَّبُّوح ).


    1 ـ ورودُ اسم ( السُّبُّوح ) في السنة المطهرة:

    فقد ورد هذا الاسم في السنة المطهرة، ففي صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
    (( كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ ))
    [ رواه مسلم وأبو داود، والنسائي ]



    2 ـ معنى ( السُّبُّوح ):

    ( السُّبُّوح ) من التسبيح، والتسبيح هو التعظيم والتنزيه.


    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً



    ولا بد من وقفة متأنية إذ أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:
    ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
    ( سورة الأحزاب )
    الأمر ينصب لا على الذكر، بل على الذكر الكثير، لأن المنافق يذكر الله، يقول الله عز وجل عن المنافقين:
    ﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾
    ( سورة النساء )
    إذا قال الله عز وجل:

    ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
    فالأمر ينصب على كلمة ( كثيرًا )، قياساً على هذه القاعدة، الله عز وجل يصف الذي لا يصلي في الدنيا:
    ﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
    ( سورة الحاقة )
    تحت عظيم خط، بمعنى أن إبليس كان يؤمن بالله، الدليل:
    ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
    ( سورة ص الآية: 82 )
    آمن به رباً، وآمن به عزيزاً.
    ﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
    ( سورة الأعراف )
    آمن باليوم الآخر، قال:
    ﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ ﴾
    ( سورة الأعراف )
    آمن به خالقاً، فإذا قال الله عز وجل:

    ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
    فإن الأمر يتجه إلى الذكر الكثير، لذلك قالوا: برئ من النفاق مَن أكثر مِن ذكر الله، وبرئ مِن الشح مَن أدى زكاة ماله، وبرئ مِن الكِبر مَن حمل حاجته بيده.
    إذاً: إذا قال الله عز وجل

    ﴿ اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾



    لابد من التسبيح الحقيقي:



    فالمطلوب هو الذكر الكثير، وإذا أمرنا أن نسبح الله فالمقصود التعظيم والتنزيه.
    معنى: ( سُبُّوح ): أي هو الذي يُسبَّح ويُقدس، و( السُّبُّوح ) على وزن فعلول، أو على وزن فعول، مبالغة مِن سبّح يسبح تسبيحاً، أي أنه مهما سبحته فلا يمكن أن تصل إلى ما ينبغي، ومهما قدسته فلا يمكن أن تصل إلى ما ينبغي، لأن ( السُبُّوح ) من صيغ المبالغة، وإذا وردت أسماء الله الحسنى بصيغة المبالغة فتعني الكم والنوع، فلو سبّحته كلُّ الخلائق فلا يكفي، لأن التسبيح كما ينبغي، ولو سبحه أعظم الخلائق، النبي عليه الصلاة والسلام سيد ولد آدم، وهو في سدرة المنتهى تسبيحه ليس كما يمكن أن يكون مع الله عز وجل، لأنه لا يعرف الله إلا الله.
    أيها الإخوة، إذا قال واحد منا: فلان سبح في كلامه، أي أكثر من تسبيح الله، لكن في هذه اللغة العظيمة التي اختارها الله لغة لكلامه.

    ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾
    ( سورة الشعراء )
    بكلمة يمكن أن تعبر عن جملة، هذا اسمه النحت، فإذا قلت: سبحان الله، يقال: فلان سبحل، فإذا قلت: أدام الله عزك، يقال: فلان دمعز، فإذا قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله يقال: فلان حوقل، فإذا قلت: لا إله إلا الله يقال: فلان هلّل، فإذا قلت: الله أكبر يقال: فلان كبّر، هذا من دقائق اللغة العربية.
    أيها الإخوة، التسبيح، التعظيم، تعظيم الله في كل كمالاته، هو غني عن تعظيمنا، لكننا إذا عظمناه سعدنا بقربه في الدنيا والآخرة.

    ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾
    ( سورة الزمر الآية: 7 )
    لكن إذا سبحناه فمن أجلنا، من أجل سعادتنا، من أجل سرورنا، من أجل طمأنينتنا، من أجل أن نكون موفَّقين، فلذلك:
    ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾
    ( سورة الأعلى )
    هذا أمر إلهي بالتسبيح، التسبيح كالتعظيم، فحينما تسبح الله فأنت في الأفق الأعلى، أنت في عظائم الأمور، لا في سفاسفها.
    قد يشتغل الإنسان بالسفاسف، متى يندم ؟ حينما يرى أنه ضيع حياته في سفاسف الأمور، ونسي الآخرة التي هي العطاء الكبير، فإذا فات الإنسانَ هذا العطاءُ فاته كل شيء.

    ﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾
    ( سورة الزمر الآية: 15 )



    3 ـ كل شيءٍ يقرِّبك من الله هو تسبيحٌ:

    حينما تفكر في كمال الله، في رحمته، في حلمه، في قوته، في قدرته، في لطفه، في جبروته، في انتقامه، هذه كلها كمالات الله، لأن الله عز وجل يقول:
    ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
    ( سورة الأعراف الآية: 180 )
    إن جزءَا كبيرا من عبادتك أن تسبح الله عز وجل، فلو حدثتنا عن المجرات، ولم تقل: سبحان الله، فحديثك عن المجرات تسبيح لله، إن حدثتنا عن العين، إن قرأت كتاباً في الفقه، وعظمت هذا الأمر الإلهي فأنت بهذا تسبح الله، فأيّ شيء يقربك من الله هو تسبيح، أي ذكر لله تسبيح، أيّ ذكر لآياته تسبيح، أي شرح لقرآنه تسبيح، فأنت تسبح في كمالاته، والسبح هو الفراغ.
    ﴿ إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً ﴾
    ( سورة المزمل )
    معك مجال لا ينتهي، المال ينتهي، تأكل فتشبع، ترتدي ثياباً جديدة، تنام على السرير، هذا السقف، لو معك مليارات، لو تملك أموال أهل الأرض، لا يمكن أن تأكل إلا وجبة تملأ بها معدتك، ثم تنام على سرير واحد، وترتدي ثوباً واحد.
    المشكلة أيها الإخوة أن الدنيا محدودة، ولها سقف، لكنك إذا خرجت من ذلك لمعرفة الله فهناك اللانهاية، هناك تتصل بخالق السماوات والأرض.



    4 ـ التسبيح تنزيه الله عن كل شيءٍ لا يليق به:

    إذاً: التسبيح هو التعظيم، تعظيم الله عز وجل في كمالاته، والتسبيح تنزيه الله عن الصاحبة والولد.
    ﴿ مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً ﴾
    ( سورة الجن )
    والتسبيح تنزيه الله عن كل ما لا ينبغي له، فقد يقول لك أحدُهم: فلان خَلَقه كافراً، وكتب عليه الكفر، وجاء إلى الدنيا، وحقق إرادة الله، فاستحق النار إلى أبد الآبدين، من قال لك ذلك ؟ هذا عكس التسبيح.
    ﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾
    ( سورة سبأ )
    ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾
    ( سورة الأنعام )
    أن تتوهم أن الله أجبر عباده على أفعالهم، فكيف يحاسبهم وقد أجبرهم على أفعالهم ؟ لمن الحجة إذاً ؟ قال تعالى:
    ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ﴾
    ( سورة الأنعام الآية: 149 )


    5 ـ من التسبيح تنزيه الله عن الظلمِ:

    فمن التسبيح أن تنزهه عن الظلم.
    ﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
    ( سورة غافر الآية: 17 )
    ﴿ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾
    ( سورة التوبة الآية: 70 )
    ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
    ( سورة النساء )
    ﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾
    ( سورة الأنبياء )
    أيها الإخوة، التسبيح أن تنزه الله عن الصاحبة والولد، وأن تنزه الله عن كل ما لا ينبغي له، بل أن تنزهه عن الشريك والند والضد.


    6 ـ من معاني التسبيح:

    وقال بعضهم: ( السُّبُّوح ) له أوصاف الكمال والجمال، الإنسان ماذا يحب ؟ بعضهم أجمل ما يحبه الإنسان في ثلاث كلمات، الإنسان يحب الكمال والجمال والنوال، يحب العطاء، يحب الجمال، يحب الكمال، والله سبحانه وتعالى مصدر للجمال والكمال والنوال، أفعاله كاملة، الاتصال به يسعد، منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، فأنت تحب الجمال والكمال والنوال، وهذه من عند الله، هو منبع الجمال، والكمال والنوال، إذاً: له أوصاف الكمال والجمال بلا نقص، وله الأفعال المقدسة عن الشر والسوء.
    ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
    ( سورة آل عمران الآية: 26 )
    لم يقل والشر، لأن الشر المطلق لا وجود ه في الكون.
    أيها الإخوة:

    ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾
    ( سورة الإسراء الآية: 44 )


    7 ـ كلُّ شيءٍ في الكون يسبِّح اللهَ:

    ألا يستحي الإنسان أن يكون كل شيء في الكون يسبح الله عز وجل، والإنسان غافل ؟
    إلى متى أنت في اللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
    ***

    ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾
    ﴿ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾
    ( سورة الإسراء )
    ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ﴾
    ( سورة الحج الآية: 18 )
    سجودها عبادة لخالقها، لكن لا نفقهها.

    ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ﴾
    تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في المقال شنيع
    لو كان حبك صادق لأطـعته إن المحب لمن يحب يطيـع
    ***

    شيء آخر أيها الإخوة:
    ﴿ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾
    ( سورة البقرة الآية: 47 )
    حجر يهبط من خشية الله بنص القرآن الكريم، والإنسان قلبه كالحجر، لا يتأثر ولا يرحم، ولا يبكي، ولا يخشع.
    ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾
    ( سورة البقرة )
    علم الله هبوطها من خشيته، أنا أطلعكم على آيات قرآنية تتحدث عن تسبيح الكون له، فإذا كان الإنسان غافلاً فما موقفه يوم القيامة ؟.

    أيا غافلاً تبدي الإساءة والـجهلا متى تشكر المولى على كل ما أولى
    عليك أياديه الكرام وأنت لا تراه كأنك العين عمياء أو حــــولا
    لأنت كمزكوم حوى المسكَ جيبُه ولكنه الـــمحروم ما شمه أصلا
    ***

    ألا يستحي الإنسان أن يكون كل من في الكون يسبح الله عز وجل وهو غارق في شهواته ونزواته ؟!!



    8 ـ معنى سُبُحَاتُ وَجْهِهِ:

    ما معنى سُبُحات وجه الله ؟ قالوا: أنوار وجه الله، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم عنه صلى الله عليه وسلم:
    (( حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ ))
    سُبُحات وجهه ؛ أنوار وجهه.

    (( حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ ))
    ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً ﴾
    ( سورة الأعراف الآية: 143 )
    دُكَّ الجبلُ.
    ﴿ وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
    ( سورة الأعراف )
    لذلك قال تعالى:
    ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾
    ( سورة الأنعام الآية: 103 )
    لكن العقول تصل إليه من خلال الكون، تعرفه، وفي الدنيا لا يستطيع كائناً من كان أن يرى الله إلا في الآخرة.
    ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾
    ( سورة القيامة )
    ورد في بعض الآثار أن الإنسان أحياناً ينظر في الجنة إلى وجه الله الكريم فيغيب من نشوة النظرة خمسين عاماً، هذا الإله العظيم ألا يخطب وده ! ألا ترجى جنته ! ألا تخشى ناره ! بعض العارفين قال:

    فلو شاهدت عيناك من حسنـنا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنـا
    و لو سمعت أذنك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب و جئتنا
    و لو ذقت من طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحـبنا
    و لو نسمت من قربنا لك نسمة لمت غريباً واشتياقاً لـــقربنا
    و لو لاح من أنوارنا لك لائـح تركت جمــيع الكائنات لأجلنا
    فما حبنا سهل وكل من ادعـى سهولته قلنا لــــه قد جهلتنا
    ***



    9 ـ تسبيحُ الله في كلِّ وقت:

    أيها الإخوة، الصلاة تسبيح، التسبيح هو الصلاة، والصلاة هي التسبيح، دقق في هذه الآية:
    ﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ ﴾
    ( سورة الروم الآية: 17 )
    ينبغي أن تسبح الله في المساء وفي المغرب والعشاء:

    ﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ ﴾
    ﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾
    ( سورة الروم )
    الفجر.
    ﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً ﴾
    ( سورة الروم الآية: 18 )
    ﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾
    ( سورة الروم )
    الظهر، الأوقات الخمس في هذه الآية:

    ﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾
    ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾
    ( سورة الواقعة )
    هذا أمر إلهي، قالوا: سبحه بأسمائه، ونزهه عن الأسماء التي لم يسمِّ نفسه بها.

    ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
    وادعوه بأسمائه الحسنى.



    10 ـ الطريق إلى تسبيح الله هو التفكر في الكون:

    لكن قد يسأل سائل: هل من طريق إلى تسبيحه ؟
    صدقوا أيها الإخوة، ما من طريق أقرب إلى تسبيحه من أن تتفكر في مخلوقاته، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

    (( تفكروا في مخلقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ))
    [ الجامع الصغير عن أبي ذر بسند فيه ضعف ]
    تفكروا في مخلوقاته، كلما ازددت تفكيراً ازددت تعظيماً لله عز وجل، لأن التفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق إلى الله، وأوسع باب ندخل منه على الله ولأن التفكر في خلق السماوات والأرض يضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله.
    من منا يصدق أن في الدماغ 140 مليار خلية لن تعرف وظيفتها حتى الآن، فوق 14 مليار خلية قشرية فيها المحاكمة، والذاكرة، الذاكرة مساحتها بحجم العدسة فيها سبعون مليار صورة، الذاكرة، والمحاكمة، والتفكر، والاستنتاج، والاستنباط، والاستقراء، والحكم، والانفعالات، والرؤية، والسمع، والبصر، كلها في هذه القشرة الدماغية، في هذه القشرة 14 مليار خلية، والدماغ مؤلف من 140 مليار خلية، فإذا قرأت هذا الموضوع ألا تعظم الله عز وجل ؟ ألا تقول: سبحان الله.
    كلّ أنسجة الجسم تتغذى عن طريق الشعريات إلا قرنية العين، من أجل أن ترى رؤية نقية صافية قرنية العين لها نظام خاص، تأخذ الخلية الأولى غذاءَها، وغذاء جارتها، وتسرب لها الغذاء عبر الغشاء الخلوي، من أجل أن ترى الأشياء بوضوح تام.

    ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
    ( سورة النمل الآية: 88 )
    في الغدة النخامية هرمون للكظر، إذا كان الرجل ماشيًا في الطريق، أو في بستان ورأى ثعبانا، هذا الثعبان تنطبع صورته على شبكية العين إحساساً، الشبكية لا تقرأ الصورة.
    لما يأتي مريض غير متعلم يعطيه الطبيب التحليل لا يفهم منه شيئاً، يأخذه إلى الطبيب ليقرأه له.
    تنتقل الصورة إلى الدماغ، هناك تقرأ، هناك ملفات الثعبان، ومفهومات الثعبان، جاءته من دراسته، ومن مشاهداته، ومن قصص سمعها، ملف الثعبان في الدماغ يقرأ الصورة، الدماغ ملك الجهاز العصبي ويدرك الخطر، يلتمس من ملكة الجهاز الهرموني الغدة النخامية أن تواجه الخطر، الغدة النخامية وزنها نصف غرام، وهي من أخطر الغدد، هي ملكة الغدد، الملكة تفرز هرمونًا إلى الكظر فوق الكلية، الكظر يعطي خمسة أوامر، أول أمر إلى القلب فيرتفع النبض إلى 180، ثاني أمر إلى الرئتين، فيزداد الوجيب، ثالث أمر إلى الكبد لإطلاق كمية سكر إضافية، فالخائف سكر دمه زائد، أمر بعده إلى الكبد ليطلق هرمون التجلط، أمر إلى الأوعية المحيطية كي تضيق لمعتها، فالدم يذهب إلى العضلات لا إلى الجلد، فالخائف يصفر لونه.
    هل من المعقول في ثانية تنتقل الصورة من العين إلى الدماغ، وتقرأ هنا، الدماغ يدرك الخطر، يلتمس من ملكة الغدد النخامية أن تواجه الخطر، والنخامية تتجه إلى الكظر تعطي أمرا لهذا الكظر أن يواجه الخطر، الكظر يعطي أمرا بتسريع القلب إلى 180 نبضة، ورفع وجيب الرئتين، وإفراز كمية سكر، وإطلاق هرمون التجلط، ثم تضييق الأوعية المحيطية، هذا صنع من ؟
    لذلك يمكن أن تسبح الله عن طريق التفكر في خلق السماوات والأرض، الله سبحانه وتعالى أتقن كل شيء.

    ﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾
    ( سورة الملك الآية: 3 )





    خاتمة:


    أيها الإخوة الكرام، هذا الاسم ( السُّبُّوح ) يسعدنا جميعاً، إذا سبحناه، إذا سبحنا في كماله، إذا سبحنا في مخلوقاته، إذا تفكرنا في عظمته، لذلك أصل الدين معرفة الله:
    ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾







    والحمد لله رب العالمين



     



  2. رقم #30
     افتراضي  العنوان : رد: أسماء الله الحسنى
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 08 Feb 2018 الساعة : 11:05 AM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.26 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل





    بسم الله الرحمن الرحيم





    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





    من أسماء الله الحسنى: ( الوتر ):


    أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم ( الوتر ).



    1 – ورودُ اسم ( الوتر ) في السنة:


    في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
    (( لِلَّهِ تِسعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْما، مِائة إِلا واحِدا، لا يَحفَظُهَا أَحَدٌ إِلا دَخَلَ الجَنَّةَ، وهو وِتْرٌ، يُحِبُّ الوِتْرَ ))

    [ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]




    معنى الحفظ:




    الحقيقة هناك حديث آخر:
    (( احفظ الله يَحْفَظْك ))

    [ أخرجه الترمذي عبد الله بن عباس ]

    ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

    ( سورة البقرة الآية: 152 )

    ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

    ( سورة محمد الآية: 7 )
    إن نصرت دينه نصرك، وأنا أدعو وأقول: اللهم انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك، حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا:

    ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾
    ذكره لك غير ذكرك له.

    ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

    ( سورة النساء الآية: 45 )
    أي أن الله سبحانه وتعالى حينما تذكره يذكرك، أما إذا ذكرته فقد أديت واجب العبودية، لكنه إذا ذكرك منحك الأمن، والأمن لا يتمتع به إلا المؤمن.

    ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

    ( سورة الأنعام )
    منحك الحكمة.

    ﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

    ( سورة البقرة الآية: 269 )
    منحك الرضى، منحك السكينة التي تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء.
    لذلك:

    (( لِلَّهِ تِسعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْما، مِائة إِلا واحِدا، لا يَحفَظُهَا أَحَدٌ إِلا دَخَلَ الجَنَّةَ ))
    كلمة الحفظ واسعة جداً، حفظ الاسم أي تعرف عليه، وتخلق بهذا الخُلق، واجعل هذا الخُلق وسيلة إلى الله، إلى التقرب إليه، الله عز وجل رحيم، يمكن أن تتقرب إليه بأن ترحم عباده، الله عز وجل عدل، يمكن أن تتقرب إليه إن كنت منصفاً، الله عز وجل كريم يمكن أن تتقرب إليه إن كنت كريماً،

    المعنى الدقيق:


    (( لا يَحفَظُهَا أَحَدٌ ))
    أي عرف هذا الاسم، واشتق من الله كمالاً من خلال هذا الاسم فتقرب إلى الله بهذا الكمال:

    (( وهو وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ ))
    وفي صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً:

    (( وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ))

    [ البخاري عن أبي هريرة ]
    بمعنى أن الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له، وأحد لا ند له، كيف يحب الوتر ؟ يحب أن تكون متفوقاً، النبي عليه الصلاة والسلام طلب النخبة، طلب التفوق، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

    (( اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ، بِأَبِي جَهْلٍ، أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَيْهِ عُمَرُ ))

    [ الترمذي ]
    ولما اسلم حمزة توقف إيذاء قريش لرسول الله وأصحابه، ولما أسلم عمر صلى المسلمون في بيت الله الحرام.
    إذاً: المطلوب أن تكون متفوقاً، لا أن تكون رقماً سهلاً، وهناك ملايين أتوا إلى الدنيا، تزوجوا، وأنجبوا أولاداً، وماتوا، ولم يعلم بهم أحد، لكن القلة القليلة في العالم الذين تفوقوا، وتركوا أثراً كبيراً في مجتمعاتهم.
    للتقريب: سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام واحد، جاء إلى هذه الدنيا، وغادرها بعد 63 عاماً، وعم الهدى الأرض، ألم تسأل نفسك مرة: ماذا فعلت ؟ ما الأثر الذي تركته في الدنيا ؟ هل كنت في قلوب الناس.
    ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

    ( سورة النحل الآية: 120 )
    فالله عز وجل ينتظرك أن تكون متفوقاً، أن تكون رقماً صعباً.

    (( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما ترك حتى يظهره الله، أو أهلك دونه ))

    [ السيرة النبوية ]





    بعض صفات الله أعطاها للمخلوق:






    الله عز وجل لا شريك له، أحد لا ند له، وقد أعطاك بعض صفاته كيف ؟ لكرامتك عنده أعطاك بعض صفاته، الله عز وجل فرد واحد أحد، فرد صمد، أعطاك بعض الخصائص التي تتميز بها عن كل الخلق، لك قزحية عين لا تشبه قزحية عين إنسان آخر في الأرض، الآن تؤخذ في بعض المطارات صورة قزحية العين وتوضع على الجواز، ولا يمكن لهذا الجواز أن يزور إطلاقاً، فالقزحية أعطتك صفة الفردية، ونبرة الصوت تنفرد بها، ورائحة الجلد تنفرد بها، وبصمة الإصبع تنفرد بها، والزمرة النسيجية تنفرد بها، وبلازما الدم تنفرد به، والنطفة تنفرد بها.
    في أحدث بحث أن نطفة الإنسان يتميز بها من بين كل البشر، وأن المرأة تحفظ هذه النطفة، تحفظ رمزها، وما دامت تأتي تباعاً إلى الرحم فالوضع طبيعي وسليم، أما إذا تعددت هذه النطف في مجيئها إلى المرأة فهناك خطر ينتظرها، لكن متى يمكن أن تستقبل نطفة أخرى، بعد انقطاع الأولى بعد أربعة أشهر، هذا موضوع سمعته في مؤتمر إسلامي في القاهرة.
    لذلك الله عز وجل واحد أحد فرد صمد، أعطاك هذه الصفة.
    عند الترمذي من حديث عَلِيٍّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

    (( إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ ))

    [ أخرجه أبو داود والنسائي وابن خزيمة ]
    لا تكن إنسانا عاديا من الملايين، لا تكن إنساناً من الهمج الرعاع، سيدنا علي رضي الله عنه يقول: << يا بني، الناس ثلاثة: عالم رباني، ومستمع على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى، ركن وثيق، فاحذر يا كميل أن تكون منهم >>.
    لا تكن مع هذه الملايين التي شردت عن الله، لا تكن مع الملايين التي عبدت شهوتها من دون الله، لا تكن مع الملايين التي عاشت لتأكل، لا تكن مع الملايين التي جعلت شهوتها إلهها.
    عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

    (( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ ))

    [ البخاري ]
    لا تكن مع الملايين التي غفلت عن الله، لا تكن مع الملايين التي عاشت لحظتها، ولم تذكر ماذا بعد الموت، لا تكن مع الملايين التي عبدت المال من دون الله.

    (( وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ))

    [ البخاري عن أبي هريرة ]




    2 – معنى ( الوتر ):


    لكن في اللغة: الوتر هو الفرد، أو ما لم يتشفع من العدد، فالسبعة عدد وتر، أما سبعة وعشرون فعدد شفع، والتواتر هو التتابع.

    ﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾

    ( سورة الفجر )
    الوتر آدم، والشفع شُفع بزوجته أصبحوا اثنين.
    الوتر: هو الله، لأنه واحد لا شريك له، وأحدٌ لا مثيل له.
    ﴿ وَالشَّفْعِ ﴾



    الله وتر والمخلوقات شفعٌ:




    جميع الخلق، الإله واحد والخلق كثيرون.

    ﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾

    ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾

    ( سورة الفجر )
    البشر خُلقوا أزواجاً، خُلقوا شفعاً، فأنت في أصل تركيبك مفتقر إلى زوجة، والأنثى في أصل تركيبها مفتقرة إلى الزوج.
    إذاً: شأن العباد أن يكونوا شفعاً، وشأن الله أن يكون وتراً، الله واحد، والخلق كثُرٌ.
    الله عز وجل حينما قال:
    ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾

    ( سورة الروم الآية: 21 )
    لماذا يسكن الزوجة لزوجته ؟ بل لماذا تسكن الزوجة لزوجها ؟ أي تميل إليه، ويميل إليها، ومن أنجح أنواع الزواج ما كان كل طرف قرّةَ عينٍ للطرف الآخر، يسكن إليها، لأنه يكمل بها نقصه، وتسكن إليه لأنها تكمل به نقصها، هي تكمل به نقصها القيادي، هو يكمل بها نقصه العاطفي:

    ﴿ لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾




    كن مع القِلّة المتفوِّقة بالطاعة:




    الله عز وجل وتر، لكن يحب الوتر، يحب التفوق، النبي تفوق، أيعقل أن يقسم الله عز وجل بعمر النبي ؟! قال تعالى:

    ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

    ( سورة الحجر )
    كم من شابٍ في الأرض في القارات الخمس، لو كان بخلوة مع امرأة بارعة الجمال، ودَعته إلى نفسها، بل أجبرته، كم من شاب يأبى ذلك ؟
    سيدنا يوسف قال:

    ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ ﴾

    ( سورة يوسف الآية: 23 )
    إذاً: سيدنا يوسف تفوّق، والأكثرية يرونها مغنماً كبيراً، بينما المؤمن يراها بُعداً عن الله عز وجل.

    ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾

    ( سورة يوسف الآية: 23 )
    كأنما النبي عليه الصلاة والسلام حينما يقول:

    (( وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ))
    فيعني كن مع القلة المتفوقة، كن مع القلة التي عرفت ربها، كن مع القلة التي أعطت ربها كل ما عندها.

    ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

    ( سورة الأنعام )
    كن مع القلة التي تركت أثراً في الحياة.
    مرة سألت طلاب: من يذكر لي اسم تاجرٍ عاش في دمشق 1876، وله علامة تامة ؟ ما عرف أحد، قلت لهم: وأنا أيضاً لا أعرف، لكن من منا لا يذكر سيدنا عمر ؟ سيدنا خالدًا ؟ هؤلاء العظام تركوا بصمات واضحة في الأرض.
    كن مع القلة المتفوقة، كن مع الذين أحدثوا في الحياة أثراً كبيراً، كم مع الذين عاشوا في قلوب الملايين.

    ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾
    فلذلك الإنسان شأنه الشفع، شأنه أن يكون مع آخر، والحد الأدنى الزواج، إنسان لا يستقر إلا إذا تزوج، والفتاة لا تنجح في حياتها إلا إذا خُطبت وتزوجت، هذا شأن الخلق، لكن شأن الحق أنه واحد أحد فرد صمد.

    ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾

    ( سورة الإخلاص )

    ﴿ مَا اتَّخّذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا ﴾

    ( سورة الجن )



    الإنسان مطبوعٌ على الاجتماع:




    أيها الإخوة، الله عز وجل مكنك من اختصاص، من حرفة، من قدرة، من مهارة، وأحاجك إلى مليون حاجة، أنت بحاجة إلى طبيب، بحاجة إلى معلم يعلم أولادك، بحاجة إلى خياط يخيط لك ثيابك، بحاجة إلى خباز يخبز لك الخبز، بحاجة إلى فلاح يفلح لك الأرض، بحاجة إلى من يصنع لك الأدوات، أنت بحاجة إلى من يصنع لك الأثاث، تتقن حاجة، وأحاجك إلى مليون حاجة.
    إذاً: قهرك أن تكون مع أخيك الإنسان، أنت مفتقر إلى زوجة، أنت فضلاً على ذلك مفتقر أن تعيش في مجتمع، أنت مدرس، طبيب، مهندس، لكن بحاجة إلى خياط، بحاجة إلى سباك، بحاجة إلى بلاط لبيتك، بحاجة إلى نجار، بحاجة إلى حداد، حاجات الإنسان لا تعد ولا تحصى، وكل حاجة خبرات متراكمة، وتطورات، وصناعات.
    بعض الحِرف يقول لك: بذرة هجين، الخبرات المتراكمة من خلال تطوير هذه البذرة وتهجينها، عمرها مئة عام، فأنت تتقن حاجة واحدة، أو حاجتين، مكنك الله من شيء أو شيئين، لكنك بحاجة ماسة إلى مليون شيء.
    إذاً: الله عز وجل جعلك مفتقرًا إلى الزوجة، وجعل الأنثى مفتقرة إلى زوج، وجعلك مفتقراً إلى المجتمع، تشترى خبزًا، هناك مَن فلح الأرض، هناك مَن زرع القمح، هناك مَن اعتنى بالقمح، مَن سمد القمح، مَن سقى القمح لأشهر عديدة، هناك مَن حصد القمح، هناك مَن درس القمح، هناك مَن طحن القمح، هناك مَن خبز العجين، هناك مَن قدم لك الخبز، أنت مدرس، أما هذا الرغيف فاشتغل به آلاف الأشخاص حتى وصل إليك.
    إذاً: شأن الخلق أنهم مفتقرون إلى بعضهم، لكن الله شأنه أنه واحد أحد، فرد صمد،

    ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾

    ﴿ مَا اتَّخّذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا ﴾
    لكن الله سبحانه وتعالى أرادك أن تكون متفوقاً، أرادك أن تكون من النخبة، من القلة، من الذين عرفوا ربهم، من الذين استجابوا لربهم.
    لذلك قال تعالى:
    ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾

    ( سورة البقرة الآية: 255 )
    هو وتر، لكن البشر شفع.
    الآية دقيقة جداً، لا يمكن أن يلتقي فرد من بني البشر مع فرد آخر إلا بإذن الله، لا يسمح الله بالدواء أن يؤثر في الإنسان إلا بإذن الله، لا يسمح لهذا العقرب أن تلدغ إنسانًا إلا بإذن الله.
    عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

    (( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ))

    [ أخرجه الإمام أحمد ]
    الآن:
    ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ﴾

    ( سورة الفرقان الآية: 20 )
    كلمة الشفع كلمة واسعة جداً، أنت بحاجة إلى طعام، وعلامة بشريتك أنك مفتقر إليه، وعلامة بشريتك أنك مفتقر إلى سببين، لذلك الأنبياء:

    ﴿ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾

    ( سورة الفرقان الآية: 20 )
    مفتقرون في وجودهم إلى الطعام، بل مفتقرون إلى ثمن الطعام، لذلك يأتون في الأسواق.
    أيها الإخوة، شأن الخلق أنهم شفع، وشأن الله أنه وتر.

    ﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾
    الكون ما سوى الله، السماوات والأرض ما سوى الله، شأن الله أن يكون فرداً، واحداً، أحداً وتراً، وشأن الخلق أن يكونوا شفعاً.
    لكن معنى:

    (( وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ))
    يعني: كن متميزاً بأخلاقك، كن متميزاً بخبرتك، كن متميزاً بعطائك، كن متميزاً بالأثر الذي ينبغي أن تتركه، تذهب إلى أطراف الصين هناك مساجد، ومسلمون، تذهب إلى أطراف الغرب، إلى المغرب، إلى موريتانيا إلى غينيا، هناك مسلمون، أثر من ؟ أثر هذا النبي العظيم.

    (( وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ))






    خاتمة:


    لا تكن رقماً سهل، أيّ إنسان إذا بدل قناعاته برقم من المال انتهى، أي إنسان يتشدد، وإذا أغريته بمبلغ من المال وافق، هذا له ثمن، قل أو كثر، أما المؤمن فرقم صعب، لا يساوم، ولا يبيع مبادئه.
    (( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ))

    [ السيرة النبوية ]
    لذلك الله عز وجل ذكرنا أننا مفتقرون إلى بعضنا، الحد الأدنى إلى زوجة، والحد الأدنى الأنثى مفتقرة إلى زوج، والحد الأوسع أنك مفتقر إلى مجموع، فكم مِن إنسان في الأرض عاش على الحر، أو على البرد، أو على طول الشعر، أو على جهل الذين يعلمون، أو على المرض، الله جعل معايش، جعلك مفتقراً إلى الآخر، هذا شأن العباد، لكنه في الوقت نفسه أراد أن تكون متميزاً متفوقاً.
    لذلك:

    ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾
    الشفع هم الخلق، لأنهم مفتقرون إلى بعضهم، والوتر هو الله، يحتاجه كل شيء في كل شيء.
    هذه أسماء الله الحسنى، من حفظها دخل الجنة، أي عرف أبعادها، فهم مضامينها، وبعد ذلك تخلق بأخلاق رضية مشتقة من كمال الله، وبعد ذلك قلد هذا الخالق في معاملته للخلق، لذلك من حفظها دخل الجنة.




    والحمد لله رب العالمين


     



  3. رقم #31
     افتراضي  العنوان : رد: أسماء الله الحسنى
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 08 Feb 2018 الساعة : 11:07 AM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.26 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل





    بسم الله الرحمن الرحيم






    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





    من أسماء الله الحسنى: ( المنّان ):


    أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، وهو اسم ( المنان ).



    1 ـ ورودُ اسم ( المنان ) في السنة النبوية:


    اسم ( المنان ) أيها الإخوة، لم يرد في القرآن الكريم، ولكنه ورد في السنة المطهرة، مراداً به العلمية، ودالاً على كمال الوصفية، كما تعودنا في أسماءه الحسنى الثابتة، وقد ورد هذا الاسم في سنن أبي داود، من حديث أنس رضي الله عنه، أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يصلي، ثم دعا، فقال هذا الرجل:
    (( اللَّهمَّ إني أَسأَلُكَ بِأنَّ لَكَ الحمدَ، لا إِلهَ إِلا أنْتَ، المَنَّانُ، بَديعُ السَّمَواتِ والأرضِ، ذو الجَلالِ والإِكْرَامِ، يا حَيُّ يا قَيُّومُ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأصحَابِهِ: أتَدرونَ بمَ دَعَا ؟ قالوا: اللهُ ورسولُهُ أعلم، قال: والذي نفسي بيده، لَقَدْ دَعا الله باسمه الأعظم، الذي إِذَا دُعِيَ به أَجَابَ، وإِذَا سُئِلَ بِهِ أعْطَى ))

    [ أبو داود ]




    اسم الله الأعظم:




    هذا النص النبوي الشريف الصحيح ينقلنا إلى اسم الله الأعظم، اسم الله الأعظم إذا دعوت به أجابك، وإذا سألت به أعطاك.
    وقد اختلف العلماء حول اسم الله الأعظم، بعضهم قال: الرحمن، بعضهم قال: الرب، وفي هذا الحديث اسم الله الأعظم ( المنان ).
    وهناك من العلماء من يجتهد في أن اسم الله الأعظم هو الذي أنت بحاجة إليه، فإذا كان العبد مريضاً فاسم الله الأعظم هو الشافي، وإذا كان العبد فقيراً فاسم الله الأعظم هو الرزاق، وإذا كان العبد مقهوراً فاسم الله الأعظم المنتقم، وإذا كان العبد ضعيفاً فاسم الله الأعظم هو القوي، أسماء الله كلها حسنى، وصفاته كلها فضلى، والله عز وجل يقول:


    ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

    ( سورة الأعراف الآية: 180 )




    معاني قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا




    لهذه الآية معان كثيرة، من معاني هذه الآية لن تستطيع أن تدعو الله إلا إذا توسلت إليه بكمال مشتق منه، تريد أن يجيبك الرحيم ؟ كن رحيماً، تريد أن يستجيب لك ؟ كن عادلاً، تريد أن تلبى دعوتك ؟ كن منصفاً:

    ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

    معنى آخر لهذه الآية: أنت بحسب حالك اختر من أسماء الله الحسنى الاسم المناسب، فقد تكون متطلعاً إلى الشفاء، قل: يا شافٍ، يا عظيم، قد تكون متطلعاً إلى النصرة قل: يا ناصر، يا رب انصرني، انصر دينك يا رب.
    فلذلك اسم الله الأعظم موضوع خلافي، المتفق عليه أن اسم الله الأعظم إذا دعوت به أجابك، وإذا سألت به أعطاك.




    حظُّ المؤمن من الدعاء:




    لكن هذا ينقلنا أيضاً إلى موضوع آخر: هو أنك حظك من الدعاء ليس الاستجابة، لكن حظك من الدعاء الاتصال بالله، لأن الله عليم، يجيبك ولم تدعه، ولا يجيبك ولو دعوته، كيف ؟ يجيبك ولو لم تدعه إذا كانت الإجابة خيراً في حقك، ولا يجيبك ولو دعوته إذا كان مضمون دعائك ليس في صالحك، فكثيراً ما يدعو الإنسان ربه، كمن يطلب من أبيه أداة حادة لجرح أخيه، عندئذٍ لا يستجيب له، فقال علماء التفسير: حظك من الدعاء ليس أن يجيبك الله، بل أن تتصل به، لأن الله سبحانه وتعالى جعل حاجاتنا عنده، وأمرنا أن ندعوه كي نتصل به، كي نذوق حلاوة القرب.
    فالمؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام وهو في الطائف:


    (( إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبة حتى ترضى لكن عافيتك أوسع لي ))

    [ الطبراني عن عبد الله بن جعفر ]

    (( عَجَبا لأمر المؤمن ! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له وليس ذلك لغير المؤمن ))

    [ رواه مسلم عن صهيب الرومي ]
    والمؤمن أيها الإخوة حينما يوقن أن الله سبحانه وتعالى رحمته عامة، وأفعاله حكيمة، ولا يفعل إلا الأصلح، لأنه كامل كمالاً مطلقاً، عندئذٍ يستجيب لقضاء الله وقدره، ومن علامات المؤمن أنه يرضى بقضاء الله وقدره.

    (( إذا أحب الله عبداً ابتلاه، فإن صبر اجتباه، فإن شكر اقتناه ))

    [ ورد في الأثر ]

    إذاً: اسم الله الأعظم قد يكون اسم الرب، وقد يكون اسم الرحمن، وقد يكون اسم ( المنان )، كما ورد في هذا الحديث، ولكن قد يكون اسم الله الأعظم الاسم الذي أنت في أمسّ الحاجة إليه.




    2 ـ معنى ( المنان ) في اللغة:


    1 ـ القطع:


    أيها الإخوة، ( المنان ) في اللغة صيغة مبالغة، مِن الفعل منّ يمُن مَناً، معنى منّ، يمن، مناً: أي قطع يقطع، قطع الشيء، وذهب به، معنى ذلك أنه منّ.
    شيء آخر، منّ عليه، أي أحسن وأنعم عليه.


    ﴿ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾

    ( سورة القلم )
    أي غير محسوب، أو غير مقطوع، أو غير منقوص، هناك معان دقيقة لمنّ منّ، يمن، مناً، اسم المبالغة ( المنان )، على وزن فعّال، كأن تقول: غفّار.
    ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾

    ( سورة طه الآية: 82 )

    إن اسم الله إذا جاء بصيغة المبالغة فيعني مبالغة في الكمّ، أو في النوع، فالله عز وجل إذا قلت: يا غفار، فإنه يغفر أكبر ذنب تتصوره، وإذا قلت: يا غفار فيغفر مليون ذنب، والصلح مع الله يتم بلمحة واحدة، والدنيا ساعة فاجعلها طاعة، والصلح سريع.
    أيها الإخوة، بعض العلماء قال: المنة ؛ النعمة الثقيلة.
    قدم إنسانٌ لإنسان هدية بألف ليرة، هذا عمل طيب، أما أن يعطيك بيتاً، و مركبة، وأرضاً، ورأس مالٍ، بلا مقابل، فهذا عطاء كبير بمقياس البشر.
    فالمن النعمة الثقيلة، ولا تكون حقيقة إلا لله عز وجل، لأن الله سبحانه وتعالى منحك نعمة الإيجاد، أوجدك، ولم تكن شيئاً مذكورا، منحك نعمة الإمداد، منحك نعمة الهدى والرشاد، فالنعم العظيمة، النعم الجليلة، هي نعم الله عز وجل.




    المنن والنعم الثقيلة لا تصح حقيقة إلا لله:




    شيء آخر: هذه الدنيا أعطاها الله لمن يحب، ولمن لا يحب، أعطاها لقارون وهو لا يحبه، وأعطاها لسيدنا عثمان بن عفان، كان غنياً وهو يحبه، هذه الدنيا أعطى الدنيا لمن لا يحب، أعطاه لفرعون، وأعطاه لنبيه الكريم سليمان، لأن الدنيا تنتهي بالموت فلا تعد عطاءً يليق بكرم الله.
    لذلك المنن ؛ النعم الثقيلة، لا تصح حقيقة إلا بنعم الله، وأكبر نعمة يمكن أن تصل إليها نعمة الهدى، لأن المال عرض حاضر، يتوقف القلب فتصبح كل أموالك المنقولة وغير المنقولة للورثة، في ثانية كان إنسان ملء السمع والبصر فأصبح خبراً على الجدران، يقال فيه: رحمة الله عليه، كان إنسانا فصار جثة، وأحيانا يسافر الإنسان راكبا فيرجع بضاعة في صندوق، لها معاملة، وتخليص، وتقرير، كان إنسانًا فصار خبرًا، فلذلك لا يليق بكرم الله أن يكون عطاءه منقطعاً، والدنيا دار انقطاع، لذلك الموت ينهي غنى الغني، ينهي فقر الفقير، ينهي قوة القوي، ينهي ضعف الضعيف، ينهي وسامة الوسيم، ينهي دمامة الدميم، ينهي صحة الصحيح، ينهب مرض المريض.
    الدنيا دار بلاء وانقطاع، من كل شيء إلى لا شيء، من كل شيء إلى كفن، كان بتوقيع على دفتر شيكات يمنح مليارات، فأصبح ملفوفاً بكفن، والغريب أن هذا الكفن ليس له جيب يضع فيه دفتر شيكات، هذه الحقيقة.
    فلذلك المنن ؛ النعم الثقيلة، ولا تصح حقيقة إلا بنعم الآخرة، لذلك:


    ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

    ( سورة الأحزاب )
    البطولة أن تفوز فوزاً عظيماً، البطولة أن تستحق الجنة.
    ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾

    ( سورة القمر )
    البطولة كما قال الإمام علي رضي الله عنه: << الغنى والفقر بعد العرض على الله >>.
    ﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

    ( سورة الزمر الآية: 15 )
    لكن ( المنان ) هو الذي يقدم لك نعمة ثقيلة، وعلى الحقيقة هي نعم الله عز وجل، ولكن هناك مَن يمنّ عليك، يقول لك: لحم كتفك من خيري، هذا منٌ بالقول، وهو مستقبح، وهناك منٌ بالعمل ؛ أن يعطيك، أن يملكك، أما المنّ بالقول فمستقبح، ولكن العلماء أجازوه في حالة نادرة، حينما تُكفَر النعمة.

    أعلمه الـرماية كل يوم *** فلما اشتد ساعده رماني
    وكم عملته نظم القوافي *** فلما قـال قافية هجاني

    المنّ حقيقة بالفعل لا يليق إلا لله، أما المنّ بالقول فيفعله معظم السفهاء، لذلك:
    ﴿ لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾

    ( سورة البقرة الآية: 264 )
    هناك إنسان كلما فعل خيراً يذكره، كيف البيت ؟ هل أنت مرتاح فيه إن شاء الله ؟ إذا أعطاه ثيابا، هل أنت مرتاح إن شاء الله، وهل القياس مناسب ؟ يقولها أمام الناس.

    ﴿ لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾
    المنّ القولي مستقبح، إلا في حالة نادرة إذا كُفرت النعمة.

    (( ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ))

    [ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
    حينما وجد الأنصار على أنفسهم في لعاعة من الدنيا تألف النبي بها قوماً ليسلموا، ووكلهم إلى إسلامهم، قال:

    (( ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي، ألم تكنوا عالة فأغناكم الله ))

    فلذلك المنّ مقبول في حالات نادرة ؛ حينما ينسى الإنسان الخير، ينسى العطاء فيذكره غيرُه به.




    2 ـ فضل الله وعطاءه ببعثة النبي عليه الصلاة والسلام:


    أيها الإخوة، من معاني المنّ من قوله تعالى:

    ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾

    ( سورة آل عمران الآية: 164 )
    أكبر عطاء هذا النبي العظيم.
    ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾

    ( سورة يونس الآية: 58 )
    أما المنّ القولي ـ دققوا ـ:
    ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾

    ( سورة الحجرات الآية: 17 )
    الله منّ عليكم بالعطاء، وأنتم تمنون بالقول، والمنّ القولي مستقبح، وهو يذهب أجر العمل الصالح، فإن فعلت خيراً يجب أن تنساه إلى الأبد، وكأنك لم تفعل شيئاً، والأكمل إذا فعل معك معروف ينبغي ألا تنساه ما حييت، أكمل موقف بمن أحسنت إليه أن يذكر هذا الفضل.
    ﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾

    ( سورة البقرة الآية: 237 )
    أكمل موقف لمن أحسنت إليه ألا ينسى هذا الفضل، وأكمل موقف لمن أحسن أن ينسى، المحسن يجب أن ينسى، والمحسن إليه ينبغي ألا ينسى.
    أيها الإخوة، أحياناً الإنسان من كماله لو ذكر إنسان فضله يقول: لله المنة، والفضل، هذا فضل الله، إذا ذكر إنسان إحسان المحسن أيضاً من كمال المحسن أن يقول: لله المنة والفضل، وأساساً لما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

    (( ألم تكونوا ضلالاً ))
    لم يقل فهديتكم، قال:
    (( فهداكم الله بي ))

    لله المنة والفضل، فإذا أراد إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك، فأنت تواضع، والتواضع موقف موضوعي، ليس موقف مجاملة.
    مرة أحد الإخوة الكرام قدم بيتا في موقع جيد جداً لمشروع خيري، القائمون على هذا المشروع الخيري أقاموا له حفلا تكريميا، وكل المتكلمين أثنوا على إحسانه وعطائه إلا رجلا واحدا قال كلاماً آخر، قال له: أيها المحسن الكبير، كان من الممكن أن تكون أحد المنتفعين بجمعيتنا، وأن تقف في رتل طويل تنتظر الدور لقبض مبلغ يسير مع التوقيع المهين، ولكن الله أكرمك بأنك تعطي ولا تأخذ.
    صدقوا أيها الإخوة، حينما تعطي يجب أن تذوب لله شكراً، أنه سمح لك أن تعطي، والعطاء والأخذ لا علاقة له بالذكاء، قد تجد إنسانا قمة في الذكاء، وهو مضطر أن يبذل ماء وجهه ليأخذ، وقد تجد إنسانا قمة في الذكاء، ومع ذلك هو فقير، يضطر أن يسأل، ويتذلل، وإنسان آخر أقلّ ذكاء، وأقلّ فهما، لكن الله رزقه، فإذا أعطيت يجب أن تذوب شكراً لله أنه سمح لك أن تعطي، ولم يلجئك إلى أن تأخذ.




    3 ـ المنّان يعطي قبل السؤال:


    ( المنان ) هو الله عز وجل، و ( المنان ) ذو الهبات العظيمة، والعطايا الوافرة، الذي ينعم، ويبدأ بالنوال قبل السؤال.
    للتقريب: أب كريم، قوي، غني، ابنه بحاجة إلى ثياب جديدة، الكمال المطلق يقتضي أن يشتري له هذا الثياب من دون أن يسأله، فمن كمال الله عز وجل أن يعطي قبل السؤال، ويعطي من دون سؤال.
    هذا يذكرنا بما قلته قبل قليل: حظك من الدعاء الاتصال، لأن كرم الله يقتضي أنه يعطيك، ولم تكن سائلاً، وقد تسأله ولا يعطيك، إن كان هذا العطاء ليس في صالحك، لأن الله عز وجل لا يفعل إلا ما هو خير لك.


    ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

    ( سورة آل عمران الآية: 26 )

    لم يقل: والشر، أي أن عطاءك خير، ومنعك خير، إعزازك خير، وإذلالك خير، لكن العلماء، قالوا: لا ينبغي أن تقول: الله ضار، ينبغي أن تقول: الضار النافع، لأنه يضر لينفع، لا ينبغي أن تقول: الله الخافض، هو يخفض ليرفع، لا ينبغي أن تقول: الله المذل، هو يذل كي تتوب إليه، عندئذٍ يعزك، الله عز وجل يعطي من دون سؤال، ولله المنة والفضل، ولا منة لأحد عليك، وهو المحسن إلى العبد، والمُنعم عليه، ولا يطلب جزاء.




    وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ




    ﴿ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾

    ( سورة المدثر )
    لا تمنن من أجل أن تستكثر الرد.
    أحيانا يدعي إنسانٌ الذكاء، يقول: أنا الآن أخدمه، لكن أنا لي مصلحة معه، أخدمه، لكن أنتظر منه في وقت ما أن أسترد هذه الخدمات عطاء كبيرا، هذا معنى قول الله عز وجل:

    ﴿ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾

    لكن الله سبحانه وتعالى يمنحك كل شيء، ولا يطالبك بشيء.




    حقُّ الله على عباده:




    الإمام البخاري رحمه الله تعالى روى حديثاً رائعاً عن معاذ بن جبل قال: كنت ردف النبي عليه الصلاة والسلام.

    (( قال يا معاذ: هل تدري ما حقُّ الله على العباد ؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم ـ سأله ثانية وثالثة ـ قال: فإن حقَّ الله على العباد: أن يعبدوه ))

    [ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن معاذ بن جبل ]
    أنت حينما تعبد الله تؤدي واجب العبودية، وهذا من حق الله عليك.

    ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾

    ( سورة النساء الآية: 1)
    ما حق الله على عباده ؟ أجاب النبي عليه الصلاة والسلام: أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً.
    سؤال ثانٍ:

    (( يا معاذ بن جبل، قلتُ: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: هل تدري ما حقُّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك ))
    دققوا، والله أيها الإخوة الكرام القسم الثاني من هذا الحديث يملأ القلب أمناً وأماناً، يملأ القلب طمأنينة، يملأ القلب ثقة بالله عز وجل.

    (( يا معاذ هل تدري ما حقُّ العباد على الله ))
    كيف بإله عظيم يعطي إنساناً ضعيفاً حقاً عليه ؟!
    سأله ثانية وثالثة:

    (( قال: الله ورسوله أعلم، قال: يا معاذ حقُّ العباد على الله إذا هم عبدوه أن لا يعذِّبهم ))

    أنشأ الله لك حق عليه، قال لك: اعبدني.






    خاتمة:


    قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ
    حينما ادعى من ادعى وقال: نحن:

    ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ ﴾

    ( سورة المائدة الآية: 18 )
    رد الله دعواهم.
    ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾

    ( سورة المائدة الآية: 18 )
    استنبط الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أن الله لا يعذب أحبابه، مستحيل وألف ألف أَلف مستحيل أن يُعذب الله أحبابه، فإذا أحببته، إذا أطعته، إذا أخلصت إليه، إذا نصحت عباده، ولم تبنِ مجدك على أنقاضهم، ولا غناك على إفقارهم، ولا عزك على إذلالهم، وكنت خادماً لهم، ونصحتهم، ولم تلقِ في قلوبهم الخوف، ولم تبتز أموالهم، ولم تفضح ثغراتهم، إذا كنت محسناً فإن الله يحبك، وإذا أحبك ألقى محبتك في قلوب الخلق، فلذلك:

    (( يا معاذ حقُّ العباد على الله إذا هم عبدوه أن لا يعذِّبهم ))

    ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾

    ﴿ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

    ( سورة المائدة الآية: 18 )
    فإذا قال المسلمون: نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الجواب جاهز:

    ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾







    والحمد لله رب العالمين


     



  4. رقم #32
     افتراضي  العنوان : رد: أسماء الله الحسنى
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 08 Feb 2018 الساعة : 04:23 PM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.26 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل





    بسم الله الرحمن الرحيم






    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



    من أسماء الله الحسنى: ( المسعِّر ):


    أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، وهو اسم ( المسعر ).



    1 – ورود اسم ( المسعِّر ) في السنة النبوية:


    لم يرد هذا الاسم في القرآن الكريم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم سمى به ربه جل جلاله، ففي حديث صحيح في سنن الترمذي عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
    (( غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَبِّي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ ))

    [ الترمذي، أبو داود، ابن ماجه، أحمد ]





    ما هو العلم ؟




    هذا الحديث الشريف الصحيح له أبعاد كثيرة، نبدأ بحقيقة ثابتة وهي: أن تعريف العلم ما أفضى بك إلى قانون، والقانون هو العلاقة الثابتة بين متغيرين، مقطوع بصحتها، تطابق الواقع عليها دليل، فإن لم تطابق الواقع كان الجهل، وإن لم يكن عليها دليل كان التقليد، وإن لم يكن مقطوعاً بصحتها كان الوهم والشك والظن.
    فالعلم يقيني، العلم شمولي، العلم مطّرد، علاقة ثابتة بين متغيرين، تفضي إلى قانون، هذه العلاقة مقطوع بصحتها، ليست شكاً، ولا وهماً، ولا ظناً، ولكنها يقين، مقطوع بصحتها، تطابق الواقع، لو لم تكن كذلك لكانت جهلاً عليها دليل، ولو لم يكن الدليل لكان التقليد.




    في الكون في قوانين:




    إذاً: في الكون في قوانين.
    النقطة الأولى أيها الإخوة، أن هذه القوانين التي تصل إلى المليارات ثبتها الله عز وجل، ثبتها كي تستقر حياتنا، مليارات القوانين، الفيزيائية، والكيميائية، والفلكية، ودوران الفلك، وخصائص المواد، أية علاقة ثابتة بين شيئين هي قانون، مليارات القوانين ثابتة من آدم إلى يوم القيامة.
    مثلاً: يمكن أن تقول: في عام 2700 ـ يوم 28 شباط الشمس تشرق 5 و3 دقائق، لأن الأفلاك ثابتة، بالثواني، خصائص المواد، الحديد له خصائص، أنشأنا بناء من مئة طابق، لو أن الحديد يغير خصائصه لانهار البناء، تشتري سبيكة ذهبية بمبلغ كبير جداً، لو أن الذهب يغير خصائصه لفقدت هذه السبيكة قيمتها.
    هناك نِعم لا تعد ولا تحصى، قوانين ثابتة، تزرع فاكهة معينة، ثم تأتي الثمرة من هذه الفاكهة، لأن قوانين الإنبات ثابتة، وقوانين الأفلاك ثابتة، وقوانين الدوران ثابتة، وقوانين الليل والنهار ثابتة، وخصائص المواد ثابتة، وقوانين الزراعة ثابتة، هذه نعمة لا تعدلها نعمة، فكل هذه القوانين ثابتة مطّردة، شاملة، لا تتغير، ولا تتبدل، وهي محل اتفاق في العالم كله، فقانون التمدد لا علاقة له بالسياسة، في الشرق، والغرب، والشمال، والجنوب، وقديماً وحديثاً، في بلد متخلف، وفي بلد متقدم، القانون هو القانون، هناك نِعم لا تعد ولا تحصى منها ثبات القوانين لتكون حياتنا مستقرة، والتعامل مستمرا.




    الحكمة الربانية اقتضت تحريك قانون الرزق والصحة:




    ولكن لحكمة بالغة بالغةٍ بالغة حرك الله بعض القوانين، من هذه القوانين الرزق، هذا قانون متبدل، والصحة، والإنسان حريص على صحته حرصاً لا حدود له، وحريص على رزقه حرصاً لا حدود له، ولعل الحكمة من ذلك أن الله عز وجل يريد أن يكون الرزق والصحة وسيلتين من وسائل التربية.
    هذه الطاولة مثلا صنعت لاستخدام لا يزيد على بضع مئات من الغرامات، لكن يمكن أن يقف عليها ستة أشخاص، معنى ذلك أن فيها احتياط ألف ضعف عن استعمالها، إذاً يمكن أن تعيش مئات السنين كما هي، لأنه فيها احتياطًا على مهماتها ألف ضعف.
    كان من الممكن أن يكون لكل جهاز في جسمنا ولكل عضو احتياط ألف ضعف، فلا مرض، والإنسان بالتعبير المعاصر سريع العطب، أحيانا خثرة في الدماغ تنهي حياته، أو سكتة قلبية فجأة، فكان من الممكن لإنسان أن يعيش مليون سنة كما هو شاب تماماً، لكن شاءت حكمة الله أن يكون المرض، والصحة متبدلة.
    الرزق متبدل، فنحن في بلدنا الطيب يمكن في عام مجموع إنتاج القمح 650 ألف طن، في أعوام ستة ملايين، الإنتاج متبدل.




    2 – معنى ( المسعَِّر ):


    ما معنى الله ( المسعر ) ؟ بالتعبير الاقتصادي الكم له علاقة بالسعر، فأحيانا تكون كميات المحاصيل فلكية، السعر ينخفض، وأحيانا يكون الكم قليلا، فيرتفع السعر.
    أول ملاحظة أن الله عز وجل ثبت الأشياء، وحرك أشياء، الذي حركه من أجل أن يربينا، لأن الإنسان في الأصل خلق هلوعاً، هذا ضعف في أصل خلقه، وهو ضعف لصالحه، من أجل تربيته، لو لم يكن الإنسان هلوعاً لما تاب بعد شدة، ولا ما اصطلح مع الله بعد عسر، لأن العسر يقلقه، والشدة تقلقه، والخوف يقلقه.




    الإنسان هلوعٌ جزوعٌ ضعيف:



    ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

    ( سورة المعارج )
    هكذا خلق.
    ﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

    ( سورة المعارج )
    بل الذي أراه والله أعلم إن دخلت إلى مسجد، ورأيت فيه آلافاً مؤلفة فاعتقد يقيناً أن تسعة أعشار هؤلاء جاؤوا إلى الله عقب تدبير حكيم، لاح له شبح مرض، ليس له إلا الله فأقبل عليه، وتاب إليه، لاح له شبح فقر، فاعتصم بالله، ودعا الله عز وجل، فهناك شريحة من البشر كبيرة جداً لا تستجيب إلا عقب الشدة، فالله سبحانه وتعالى بدّل قوانين الرزق، وقوانين الصحة.
    الإنسان أحياناً يسعد بصحته، فإذا لاح له شبح مرض لجأ إلى الله، وهذا من فضل الله علينا.

    ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

    ( سورة المعارج )
    وخلق ضعيفاً.
    ﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾

    ( سورة النساء )
    لأنه إذا كان ضعيفاً افتقر في ضعفه، فسعد بافتقاره، ولو خلقه الله قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه.
    أحياناً يكون الإنسان قويًا، وغنيا، يتوهم أنه مستغنٍ عن الله، وكل إنسان يعتدّ بحجمه المالي، أو بصحته، أو بمكانته، أو بقوته، أو بمنصبه، لحكمة بالغةٍ بالغة يؤتى الحذر من مأمَنه، من جهة أمنه، من جهة ثقته، من جهته قوته، قد يصاب، لذلك عرفت الله من نقض العزائم.
    أحيانًا إنسان عنده اختصاص نادر، يتوهم أنه لن يصيبه مكروه باختصاصه، يفاجأ أنه في اختصاصه أصابه مكروه، يؤتى الحذر من مأمنه.
    فكلمة ( المسعِّر ) تعني أن الله عز وجل بيده الرزق، الأمطار بيده، لو أن الله سبحانه وتعالى أصاب بلاداً بالجفاف، هؤلاء القادة الذين في البلاد، والزعماء، ليجتمعوا، وليتخذوا قرارا بإنزال المطر.
    زرت بلدا في إفريقيا فوجدت أن ما يهطل من أمطار في الليلة الواحدة يساوي أمطار دمشق في عامين، 400 مم، وفي أماكن أخرى الأمطار فيضانات مهلكة، وفي أماكن الريح مدمرة.
    بالتعبير المستخدم حديثاً الخيارات التي عند الله لا تعد ولا تحصى، الشيء الثمين جداً الذي هو قوام الحياة كالهواء يغدو مدمراً، والماء مدمر، فقلّته مدمرة، وكثرته مدمرة، بحكمة حكيم، وقدرة قدير، وعلم عليم.
    فلذلك الحديث مرة ثانية:
    (( غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ ))

    هذا أمر تكويني، وأنتم تعلمون أيها الإخوة، أن هناك أمراً تكوينياً هو فعل الله، وأن هناك أمراً تكليفياً هو أمره، الله عز وجل أمر العباد في بيعهم وشرائهم ألاّ يظلموا.




    الإسلام حريص على السعر المعتدل:




    بالمناسبة، ما من نشاط يمارسه الإنسان أوسع من نشاط البيع والشراء، فالبيع والشراء أوسع نشاط بشري، أنت مضطر أن تشتري طعامك وشرابك، وأن تشتري لباسك، وحاجاتك، وأجهزتك، فالبيع والشراء عمل مستمر يومي، وأخطر ما في البيع والشراء السعر.
    لذلك كان سيدنا عمر رضي الله عنه إذا سأل الولاة يسألهم: << كيف الأسعار عندكم ؟ >> لأن رحمة الله تتجلى في الأسعار، وقد تجد كل شيء متوفرا، لكن الأسعار فوق طاقة المشتري، كيف الأسعار عندكم ؟

    (( يا رسول الله: غَلا السِّعْرُ، فَسَعِّرْ لنا ))

    لما يضع الإنسان السعر يظلم به البائع، وأحيانا يكون السعر أقلَّ من الكلفة، فإذا باع الحاجة بسعر أعلى من الكلفة قليلاً فلأنه تحت سيف القانون، وأحيانا التسعير ظالم، وأحياناً يكون الاستيراد ممنوعا، فيغلو العيش، يغلو، ولو سمح باستيراده عاد إلى السعر الطبيعي، إلى القانون الذي يسمونه قانون العرض والطلب.
    في الإسلام مثلاً مئات الأحاديث التي تمنع الغش، والاحتكار، والإيهام، والتدليس، ومعاصي البيع والشراء لا تعد ولا تحصى، لو أننا تلافيناها جميعاً، واستقمنا على أمر الله جميعاً لفوجئنا أن السعر أصبح معتدلاً في كل شيء، لأن السعر بيد الله، بحسب الكم وبحسب الحاجة، الكم والحاجة يتداخلان، ويتفاعلان فيشكلان السعر، وهناك مواد كثيرة كان ممنوعا استيرادها فبلغت سعرا خياليا، فلما سُمح باستيرادها أخذت سعراً طبيعياً جداً، وهو سعر السوق كما يسمونه، والآن هو نظام السوق، وتجارة السوق، ففي في السوق عرض وطلب، أما إذا منعت شيئاً، أو احتكرته، أو أوهمت الناس بشيء، أو دلست عليهم السعر يغلو عندئذٍ.
    لذلك الإسلام من عظمته حرص حرصاً شديداً على أن يبتعد المسلم عن كل المعاصي في البيع والشراء، فإذا ابتعد كان السعر طبيعياً، ولا يحتاج إلى تسعير.




    3 – إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ:


    التسعير في حالات الأزمة والشدة لا ينافي أن الله هو المسعر:




    إن الدراسة المطولة حول هذا الموضوع تؤكد أن ولي أمر المسلمين في مناسبات معينة، في أيام الشدة، في أيام الحروب، من حقه أن يسعر، حفاظاً على مصالح المسلمين، هذا الاستثناء لا يلغي القانون، القانون أن الله هو ( المسعر )، لكن أحياناً تكون أزمات اقتصادية طاحنة، وهناك مخزون كبير جداً من هذه البضاعة، لكنه رهن الاحتكار وعدم البيع، وهذه معصية كبيرة.
    من منا يصدق أن المشتري أحيانا يعد محتكراً، فهناك سلعة مثلا لها إنتاج معين، فأنت حين تشتري الحاجة الطبيعية لك فسعرها معتدل، لما يكون هناك قلق، وتشتري خمسة أضعاف حاجتك، المشتري هو المحتكر، لأنه ساهم بفقد البضاعة، وبرفع سعرها.
    لذلك الوعي الاقتصادي مهم جداً، في الأزمات إذا أقبل الناس على شراء سلعة معينة يرتفع سعرها، إلى درجة جنونية.
    فلذلك الأصل أن الله هو ( المسعر ) بشرط أن ينفى الاحتكار، أن ينفى التدليس والغش، والإيهام، وهناك مئات المعاصي التي نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم في البيع والشراء، أحياناً تلقي الركبان، يخرج الإنسان إلى ظاهر المدينة يتلقى مَن يحملون بضاعة إلى المدينة، هم لا يعلمون السعر، يوهمونهم بسعر معين، فيبيعون، ويعودون إلى بلدتهم، لكنهم اشتروا البضاعة بنصف قيمتها، لذلك تلقي الركبان منهي عنه، الإيهام منهي عنه، التدليس منهي عنه، الاحتكار منهي عنه، الغش منهي عنه، فإذا تلافينا كل هذه المعاصي في البيع والشراء فوجئنا أن السعر معقول، بسعر طبيعي، سعر أساسه العرض والطلب، أساسه الكمية، وأساسه الحاجة.
    إذاً: الأصل الله جل جلاله هو ( المسعِّر )، أنت أيها الإنسان، أو أنت أيها المختص بشؤون العامة، اضبط المخالفات في البيع والشراء فقط، وانتهى الأمر، لأن السعر يحدده ربنا جل جلاله، لأنه هو ( المسعِّر ) بالكمِّ.
    أحياناً يكون الضمان لفاكهة، الشراء بأربعين ليرة، والمرجو أن يباع مئة كيلو، يباع بخمس ليرات، تأتي كميات مخيفة، في كل سنة إنتاج معين يكون فيه طفرة في الكمِّ، فصار السعر غير معقول بالرخص، فلذلك الله عز وجل هو ( المسعر ) بالكمّ.
    أحيانا يأتي صقيع فيتلف محاصيل مخيفة بالمليارات، والصقيع إذا استمر ستَّ ثوانٍ بدرجة معينة مثلاً ستّ درجات فوق الصفر، وهناك علم دقيق بهذا الموضوع، في درجة معينة إذا استمرت ستَّ ثوان تتلف المحصول كله، وتسودّ الثمار كلها.

    ﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ﴾

    ( سورة القلم )

    بالتعبير الذي يستخدمه الناس: الله عز وجل خياراته لا تعد ولا تحصى، تجد في موسم طويل مديد أمطارًا غزيرة، في أثناء انعقاد الثمر تأتي موجة صقيع تتلف كل الموسم، كل المحصول أتلفته، الأمر بيد الله عز وجل.




    الاستقامة ضمان للرزق، والمعصية سبب لتلفه وغلائه:




    لذلك:

    ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾

    ( سورة الجن )

    ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾

    ( سورة الأعراف الآية: 96 )

    ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾

    ( سورة المائدة الآية: 66 )
    أما المعاصي فتؤدي إلى هذا الجفاف، وكلما قلَّ ماءُ الحياء قلَّ ماء السماء، وكلما رخص لحم النساء غلا لحم الضأن، وكلما اتسعت الصحون على السطوح ضاقت صحون المائدة، الرزق كما قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

    (( لَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ ))

    [ ابن ماجه ]
    لذلك:
    ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً ﴾

    ( سورة طه: الآية: 132 )
    إذاً بيت تؤدى فيه الصلوات الخمس، بيت فيه معالم الإيمان، يتلى في القرآن هو بيت مرزوق، ومحل تجاري ليس فيه معاص ولا آثام، فيه غض بصر، فيه ضبط لسان هذا المحل التجاري مرزوق، الرزق متعلق بالاستقامة، هذه آيات كثيرة.
    الله هو ( المسعِّر )، وإذا أعطى أدهش، وإذا حاسب فتش، والخيارات التي بيد الله عز وجل لا تعد ولا تحصى.
    فيا أيها الإخوة، مرة ثانية الله عز وجل له فعل تكويني، وأمر تكليفي، الفعل التكويني الأمطار بيده، الإنتاج بيده.
    والله مرة رأيت قمحة في الغوطة أنبت 35 سنبلة، عددتها بيدي، أخذت سنبلة وسحقتها، وعددت عدد حبات القمح فكانت خمسين حبة، ضربت 35 بـ50 فإذا هي 1750 حبة من سنبلة واحدة.
    أحيانا الكميات تكون فلكية، وأحيانا تكون الكميات شحيحة، هذا معنى قوله النبي الكريم:
    (( إنَّ اللهَ هُوَ المُسَعِّرُ ))

    بفعله التكويني، فعله التكويني هو المسعّر، بالكمّ، بالأمطار.
    في مرة شحت الأمطار في هذه البلدة إلى درجة حتى أن الخبراء في حوض دمشق قالوا: دمشق مقدِمة على جفاف، والله حدثني طبيب عضو في هذه اللجنة، قال لي: يمكن أن يموت النبات كله، في العام القادم نزلت أمطار لم ينزل مثلها من خمسين عامًا، 350 ميلي في السنة، 30 ـ 40 نبعا جف من 20 سنة تفجر، مياه بعض الأطراف وصلت إلى الشام، الله عز وجل الأمر بيده.




    تقدير الله للأرزاق مقرون بالتأديب، وتقنين العبد مقرون بالعجز:




    الفكرة الدقيقة جداً: لا يمكن أن يكون تقنين الله تقنين عجز، نحن أحياناً نقنن الكهرباء، تقنين عجز، يقول لك: المولدات معطلة، في نقص بالطاقة الكهربائية، الإنسان حينما يقنن، يقنن تقنين عجز، لكن خالق الأكوان حينما يقنن، يقنن تقنين تأديب فقط، تقنين الله عز وجل لا يمكن أن يكون تقنين عجز، لقول تعالى:

    ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾

    ( سورة الحجر )
    قلت لكم سابقاً: إن سحابة اكتشفت في الفضاء الخارجي يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة في اليوم الواحد بمياه عذبة، فالشح في المياه تأديب، النقص في المياه تأديب، الفيضانات تأديب، نقص الرياح تأديب، اشتداد الرياح تأديب، فالعبرة أن نستفيد مما يحصل، لأنه من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر.
    فالله عز وجل له فعل تكويني في التسعير، وله فعل تكليفي، منعك من الغش منعك من الاحتكار، منعك من التدليس، منعك من الكذب بالبيع والشراء.

    (( من عامل الناس فلم يظلمهم، وعاملهم فلم يكذبهم ))

    [ مسند الشهاب عن علي بسند فيه مقال كبير ]
    منعك من مئات المعاصي، فإذا انضبطت بها، وابتعدت عنها جاء السعر طبيعيًا جداً ومريحًا، وكما قلت لكم: أوسع نشاط بشري هو البيع والشراء، وأخطر ما في البيع والشراء هو السعر، والسعر بيد الله عز وجل، والله هو ( المسعِّر )، وباستقامتنا ترخص الأسعار، وببعدنا عن الله عز وجل ترتفع الأسعار.
    كان عمر بن الخطاب يسأل ولاته عن الأسعار رحمة بهم، ومرة سأل أحد ولاته، قال له: << ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ قال: أقطع يده، فقال له: فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، قال له: يا هذا، إن الله استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيانهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية >>.




    والحمد لله رب العالمين


     



  5. رقم #33
     افتراضي  العنوان : رد: أسماء الله الحسنى
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 08 Feb 2018 الساعة : 04:25 PM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.26 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل





    بسم الله الرحمن الرحيم





    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





    من أسماء الله الحسنى: ( السيد):


    أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "السيد" .




    تعظيم الناس بعضهم بعضاً من أعظم الأخطاء التي يقع بها المسلمون:



    ورد هذا الاسم في السنة المطهرة، أحد الصحابة الكرام وهو: مطرف بن عبد الله بن الشخير قال:
    (( قال أبي: انطلقتُ في وفَدِ بني عامر إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: أنتَ سَيدنا ؟ فقال: السيد الله، قلنا: وأفضلُنا فَضلا، وأعظمُنا طَوْلا، فقال: قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يَستَجْرِيَنَّكم الشيَطان ))

    [ أخرجه أبو داود عن مطرف بن عبد الله بن الشخير ]
    لذلك مزلق خطير أن يعظم الناس بعضهم بعضاً، النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق، وأحب الخلق إلى الله، وسيد ولد آدم، ومن بلغ سدرة المنتهى، ومن كان الوسيلة العظمى إلى الله عز وجل، قال:
    (( السيد الله ))
    أيها الأخوة، سيدنا عمر رضي الله عنه كان مع أصحابه في جلسة، فقال أحدهم: والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله، فغضب غضبة وأحدّ فيهم النظر، وخافوا إلى أن قال أحدهم: لا والله، لقد رأينا من هو خير منك، فقال: من ؟ فقال: أبو بكر، قالوا: كذبتم جميعاً وصدق، عدّ سكوت أصحابه على قول من قال ما رأينا خير منك بعد رسول الله عدّ سكوتهم كذباً، فقال: كذبتم جميعاً وصدق، والله كنت أضلّ من بعيري، وكان أبو يكر أطيب من ريح المسك.
    فلذلك ورد في بعض الأحاديث:

    (( إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب ))

    [ أخرجه الطبراني عن عطاء بن أبي رباح ]
    أحدهم مدح أخاه أمام رسول الله، قال له: ويحك قطعت عنق صاحبك
    (( أنتَ سَيدنا ؟ فقال: السيد الله ))



    النبي الكريم ربى أصحابه على الطاعة و العمل لله :

    كلكم يذكر أنه حينما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ماذا قال الصديق ؟ قال قولاً يلفت النظر، قال: من كان يعبد محمداً (هكذا فقط) وأنا أعتقد أنه ما على وجه الأرض إنسان يحب إنساناً كما أحب الصديق رسول الله ولكنه كان موحداً.
    أيها الأخوة الكرام، سيدنا خالد وهو في قمة نجاحه، قائد جيوش المسلمين عزله سيدنا عمر، لمَ ؟ لا أحد يعلم، وهو قائد الجيوش رجع جندياً في بعض المعارك وتسلم القيادة أبو عبيدة الجراح، لما جاء إلى المدينة، سأل سيدنا عمر، يا أمير المؤمنين لمَ عزلتني ؟ قال: والله إني أحبك، قال: لمَ عزلتني ؟ قال: والله إني أحبك، قال: لمَ عزلتني ؟ فقال سيدنا عمر: والله ما عزلتك يا بن الوليد إلا مخافة أن يفتتن الناس بك لكثرة ما أبليت في سبيل الله، هناك رواية أخرى:
    أن سيدنا عمر جاءه جندي من جنود خالد، فقال هذا الجندي: إن معركة فيها خالد لا يمكن أن تُهزم، فخاف عليهم من الشرك الخفي، خاف عليهم أن يتوهموا أن الناصر هو خالد، أراد أن يعزله، و ينتصروا بعد عزله، لأن الناصر هو الله.
    وفي هذه الرواية الثانية جاء من يهمس في أذن سيدنا خالد، أنك قائد الجيوش، وأن القوة بيدك، وأن الجيش بيدك، اذهب إلى المدينة واعزل عمر، وتولى مكانه قال: والله ما كنت لأفعل، لأنني جندي لله، وسواء أكنت قائد أو جندياً الأمر عندي سيان.
    هكذا ربى النبي أصحابه، رباهم على الطاعة، رباهم أن يضعوا حظوظهم تحت أقدامهم، رباهم أن يعملوا لله.




    من تذلل لله رفعه: على كلٍ هذا الصحابي قال:



    (( قال أبي: انطلقتُ في وفَدِ بني عامر إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أنتَ سَيدنا ؟ فقال: السيد الله، قلنا: وأفضلُنا فَضلا، وأعظمُنا طَوْلا، فقال: قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يَستَجْرِيَنَّكم الشيَطان ))

    [ أخرجه أبو داود عن عبد الله بن الشخير ]
    أيها الأخوة، خطيب خطب أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ما شاء الله وشئت، قال النبي الكريم: بئس الخطيب أنت، قل ما شاء الله كان، وما لم يشاء لم يكن جعلتني لله نداً ؟!.
    أخوانا الكرام، كلما تذللت لله رفعك الله، كلما كنت عبداً له أعزك الله، كلما مرغت وجهك في أعتابه رفعك الله، وأنا لا أعتقد أنه على وجه الأرض إنسان رفعه الله كما رفع رسول الله، هل يعقل أن يقسم خالق السماوات والأرض بعمر إنسان ؟ لقد أقسم الله بعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:
    ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

    ( سورة الحجر )



    عدم مخاطبة الله عز وجل النبي الكريم باسمه مباشرة بل ورد اسمه مخبراً عنه:

    ما خاطب الله النبي باسمه إطلاقاً.
    ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ ﴾

    ( سورة الأحزاب الآية: 59 )

    ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾

    ( سورة المائدة الآية: 67 )
    ما خاطبه باسمه إطلاقاً، بينما خاطب الأنبياء:
    ﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾

    ( سورة مريم الآية: 12 )

    ﴿ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي ﴾

    ( سورة المائدة الآية: 116 )
    ما خاطب الله نبيه باسمه مباشرة بل ورد اسمه مخبراً عنه:
    ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﴾

    ( سورة الفتح الآية: 29 )

    أما الخطاب يتميز النبي عليه الصلاة والسلام بأن الله خاطبه بالنبوة والرسالة.




    النبي بشر تجري عليه كل خصائص البشر لذلك فهو سيد البشر:



    فيا أيها الأخوة الكرام، أن نعرف قدر النبي صلى الله عليه وسلم لا يعني أن نرفعه فوق بشريته.
    (( إنما أنا بشر، أرضى كما يرْضى البشر، وأغْضَبُ كما يغضب البشر ))

    [ أخرجه مسلم عن أنس بن مالك ]
    ولولا أن النبي بشر، تجري عليه كل خصائص البشر، لما كان سيد البشر هو بشر قال:

    (( لقد أُخِفْتُ في الله ما لم يُخَفْ أَحدٌ، وأُوذِيت في الله ما لم يُؤذَ أحد، ولقد أتى عليَّ ثلاثون من يوم وليلة، ومالي ولبلال طعامٌ إِلا شيء يُواريه إِبطُ بلال ))

    [أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
    مرة ثانية: لولا أنه بشر يشتهي كما نشتهي، ويخاف كما نخاف، ويتمنى كما نتمنى، ويطلب السلامة كما نطلبها، لولا أنه بشر، تجري عليه كل خصائص البشر، لما كان سيد البشر.


    الحكمة من الهامش الاجتهادي الضيق الذي سمح الله به للنبي الكريم:

    لماذا سمح الله للنبي الكريم بهامش محدود جداً، ضيق جداً أن يجتهد ؟ فإذا اجتهد وأصاب أقره الوحي على اجتهاده، وإن كان الأولى بخلاف ما اجتهد الوحي صحح له هذا الاجتهاد.
    ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ﴾

    ( سورة التوبة الآية: 43 )

    ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ﴾

    ( سورة عبس )
    لماذا ؟ أليس من الممكن أن لا يدع له هذا الهامش إطلاقاً ؟ قال بعض العلماء: هذا الهامش الاجتهادي الضيق جداً الذي سمح الله له به من أجل أن يكون هناك فرق بين مقام الألوهية، ومقام النبوة، هذا من حكمة الله عز وجل.
    ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾

    ( سورة الكهف الآية: 110 )
    ولولا أنه بشر لما كان قدوة لنا، لأنه انتصر على بشريته، ولحكمة بالغةٍ بالغة في كل عصر، وفي كل مصر، هناك أناس من بني البشر ينتصرون على بشريتهم ويكونون حجة على غيرهم، في هذا العصر، في عصر الفساد، في عصر التفلت، في عصر يصدق فيه الكاذب، ويكذب فيه الصادق، في عصر يؤتمن الخائن، ويخون الأمين في عصر القابض على دينه كالقابض على الجمر، في عصر:

    (( يكون الولد غيظاً والمطر قيظاً وتفيض اللئام فيضاً ويغيض الكرام غيضاً ))

    [ أخرجه الطبراني عن عائشة أم المؤمنين ]

    في عصر يوسد الأمر إلى غير أهله، في عصر تعد الفضائل مغرماً، والنقائص مغنماً، في هذا العصر لابدّ من أن تجد إنساناً انتصر على بشريته، واستقام على أمر ربه وركل الدنيا بقدمه.



    من تواضع لله رفعه و من تكبر وضعه :

    أيها الأخوة ، لمَ لا يكون أحدنا شيئاً مذكوراً ؟ لمَ لا يكون أحدنا بطلاً ؟ لمَ لا ينتصر على بشريته ؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام كان بشراً لكنه كان سيد البشر، كان بشراً لكنه أحبّ الله حباً تفوق بهذا الحب، حتى صار سيد الأنبياء والمرسلين.
    إذاً العلاقة عكسية، كلما تواضعت لله رفعك، وكلما تكبرت وضعك، كلما قلت الله تولاك الله، فإذا قلت أنا تخلى عنك.
    الصحابة الكرام في بدر قالوا الله، افتقروا إلى الله، تذللوا إلى الله فانتصروا.

    ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

    ( سورة آل عمران الآية: 123 )
    أما في حنين اعتدوا بقوتهم، اعتدوا بعددهم، فقال قائلهم: (وهم الصحابة الكرام وفيهم سيد الأنام):

    (( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

    [أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]

    فلم ينتصروا، قال تعالى:

    ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

    ( سورة التوبة )




    من هان أمر الله عليه هان على الله:


    إخوانا الكرام، المسلمون في أشد الحاجة إلى هذا الدرس، تقول الله يتولاك الله ، تقول أنا بخبرتي، بقوتي، بجماعتي، بأسرتي، بمالي، بسطوتي، بسلطتي، بمنصبي ، تقول أنا يتخلى الله عنك، إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
    (( إن الله تبارك وتعالى اختارني واختار بي أصحابا ))

    [ أخرجه الحاكم عن عويم بن ساعدة ]
    هو قمة البشر وأصحابه نخبة البشر، ومع ذلك في أُحد لم ينتصروا، لأنهم عصوا، فلو انتصروا لسقطت طاعة رسول الله، وفي حنين لم ينتصروا لأنهم وقعوا في شرك خفي.

    (( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

    [أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]

    فلم ينتصروا، ولو أنهم انتصروا لسقط التوحيد، فإذا عامل الله أصحاب رسول الله الذين بذلوا الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، إذا عامل الله أصحاب رسول الله، وهم قمم في مجتمعاتهم هكذا، نحن لماذا نطمع أن يأتينا النصر على طبق من ذهب، ونحن غارقون في المعاصي والآثام ؟ لماذا نطمع ؟ والله طمعنا سذاجة، طمعنا جهل كبير.

    ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

    ( سورة محمد )

    هان أمر الله على الناس فهانوا على الله، لذلك العلاقة عكسية، كلما تذللت لله رفعك، ما الذي يمنعك أن قول في السجود يا رب أنت ربنا، ورب كل شيء، يا رب نحن بك، أنت القوي يا رب، أنت الغفور، أنت الرحيم، تذلل لله.




    السيادة المطلقة لله لأن السيد الحقيقي هو الله:


    السيادة المطلقة لله، لكن السيادة النسبية لم تنفع من مخلوق، الله عز وجل عليم وهناك إنسان عالم، لكن علم الإنسان شيء، وعلم الله شيء آخر، تقل السيد فلان، ما في مشكلة، سيادة نسبية، تفوق الإنسان.
    (( واللهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ ))

    [أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

    تفوق، كان كريماً، أخلاقياً، عمله طيباً، ضحى بالغالي والرخيص، والنفس والنفيس، له سيادة نسبية، النبي قال: قوموا لسيدكم (سيدنا سعد)، يعني الإنسان يتفوق لكن السيد الحقيقي هو الله، السيادة المطلقة لله، "السيد" هو الله، "السيد" حقيقة هو الله، هو الرب، هو المالك، مالك كل شيء، مالك السماوات والأرض، الخلق كلهم عبيده، فالسيادة المطلقة عدا الحقيقية لا تكون إلا لله.




    الله تعالى سمح لذاته العلية أن توازن مع مخلوقاته كي تعرف من هو الله:


    الخلق كلهم عبيده، الإنسان سيد سيادة مقيدة، نسبية، بل مجازية، للتقريب حينما قال الله عز وجل:
    ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

    ( سورة المؤمنون )
    هل هناك خالق إلا الله ؟ أما الإنسان إذا صنع شيئاً، إذا صنع شيئاً من كل شيء على مثال سابق الله عز وجل سماه مجازاً خالقاً، لكن الله خالق السماوات والأرض صنع كل شيء من لا شي، وعلى غير مثال سابق، وهو الخالق، أما إذا قال الله عز وجل:
    ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

    أن يوصف الإنسان خالقاً مجازاً، هكذا بالآية الكريمة.

    ﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾

    ( سورة الأنعام )

    ﴿ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾

    ( سورة الأنبياء )

    أي سمح لذاته العلية أن توازن مع مخلوقاته، كي تعرف من هو الله.




    كل مخلوق مهما كان قوياً عبد لله: أيها الأخوة الكرام، الآية الكريمة التي تؤكد هذه السيادة المطلقة "السيد" الله:


    ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً ﴾

    ( سورة مريم )

    كل مخلوق مهما كان قوياً، ولو كان ملحداً، ولو كان كافراً، هو عبد لله، هو عبد القهر، الإنسان كل قوته، وهيمنته، وقوة شخصيته، وأمواله المنقولة، والغير منقولة، ومنصبه منوط بضربات قلبه، فإذا توقف القلب لسبب أو آخر أصبح خبراً على الجدران، المرحوم فلان، كل قوته، وهيمنته، وكل حجمه المالي، وكل رفعة منصبه، منوط بقطر شريانه التاجي، فإذا ضاق هذا الشريان دخل في متاعب كبيرة جداً، كل هذه المكانة ، والقدرة، والهيمنة، والعظمة المتوهمة منوطة بنمو خلاياه، فإذا نمت نمواً عشوائياً انتهت حباته، حتى هذه اللحظة ليس هناك علاج للورم الخبيث، يصيب كل الأعمار، يصيب معظم الناس، هذا المرض تحدى بني البشر.




    عبد القهر و عبد الشكر: لذلك هناك عبد جمعه عبيد، هناك عبد القهر الذي جمع هذا العبد عبيد.


    ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾

    ( سورة فصلت )
    وهناك عبد الشكر، هذا العبد الصالح، الذي عرف الله عز وجل، الذي تفكر في خلق السماوات والأرض فعرف الله، هذا العبد الصالح الذي خضع لله، هذا العبد الصالح الذي أحبّ الله، هذا العبد الصالح الذي شكر الله، هو عبد، لكن جمعه عباد.
    ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ ﴾

    ( سورة الفرقان الآية: 63 )

    ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾

    ( سورة الحجر الآية: 42 )
    فرق كبير بين أن تكون في قبة الله، وفي أية لحظة تنتهي الحياة، في أية لحظة يتوقف القلب، في أية لحظة سكتة دماغية، في أي لحظة احتشاء قلب، في أي لحظة حادث سير، بين أن تكون عبداً في قبضة الله، هذا عبد القهر، وبين أن تكون عبداً لله عرفته وأطعته، وتقربت إليه، وأحببته فرق كبير جداً.
    لذلك العلماء قالوا: هناك عبد القهر، وهناك عبد الشكر.

    (( يا محمد إن الله يخيرك بين أن تكون نبياً عبداً أو نبياً ملكاً ؟ فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل عليه السلام كالمستشير، فأومأ إليه: أن تواضع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نبياً عبداً ))

    [أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

    أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره.




    الله عز وجل مع كل الخلق :


    لذلك ننتقل إلى شيء مناسب جداً ننتقل إلى شيء مناسب جداً: المعية، حينما قال الله عز وجل:

    ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

    ( سورة الحديد الآية: 4 )
    مع كل الخلق، مع المؤمن والكافر، مع الصالح والطالح، مع القريب والبعيد
    ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

    أي معكم بعلمه.



    الله تعالى مع المؤمنين بالنصر و التأييد و الحفظ بشرط طاعتهم له:


    أيها الأخوة، لكن هناك معية خاصة، المعية العامة الله مع كل البشر، مع الكفار مع المؤمنين، مع الملحدين، مع الطائعين، مع العصاة، مع الفجار، مع أعدائه، بعلمه وفي قبضته، لكنه مع المؤمنين معية خاصة، معهم بالتوفيق، معهم بالنصر، معهم بالتأييد معهم بالحفظ، إذا قال الله عز وجل :
    ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

    ( سورة الأنفال )
    معهم بالتوفيق، معهم بالتأييد، معهم بالنصر، لكن هذه المعية مقيدة، لها ثمن باهظ.
    ﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾

    ( سورة المائدة الآية: 12 )
    أنا معكم بثمن، الثمن الطاعة.
    ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

    ( سورة محمد الآية: 7 )

    فالنصر، والـتأييد، والتوفيق، والحفظ، هذه لها ثمن أن تكون مطيعاً لله عز وجل .




    الله تعالى يحب التفوق و يحب أن يكون الإنسان متميزاً بين بني البشر:


    أيها الأخوة، إن لم تكن عبداً لله، إن لم تكن عبداً لله فأنت شئت أم أبيت عبد لعبد لئيم، ومسافة كبيرة جداً بين أن تكون عبداً، ومن كان عبد لله فهو حر، وبين أن تكون عبداً لعبد لئيم، يتفنن بإذلالك، يتفنن في التخلي عنك، يتفنن في قهرك، إما أن تكون عبداً لله، أو أن تكون عبداً لعبد لئيم.
    سيدنا إبراهيم قال:


    ﴿ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ﴾

    ( سورة الشعراء )
    أيها الأخوة الكرام، "السيد" الله، هو "السيد" مطلقاً، وإذا قلنا فلان سيد مجازاً شيء محدود، في مهمة محدودة جداً، سيد نسبي، والله عز وجل يحب التفوق، يحب أن تكون متميزاً بين بني البشر.




    والحمد لله رب العالمين



     



  6. رقم #34
     افتراضي  العنوان : رد: أسماء الله الحسنى
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 09 Feb 2018 الساعة : 03:55 PM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.26 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل





    بسم الله الرحمن الرحيم





    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.




    من أسماء الله الحسنى: ( المؤمن ):


    أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو (المؤمن).


    1 – ورودُ اسم ( المؤمن ) في القرآن الكريم:

    وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في موضع واحد في الآية الكريمة:
    ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ﴾
    ( سورة الحشر الآية: 23 )



    2 – معنى ( المؤمن ):

    كلمة مؤمن اشتقاقاً هي اسم فاعل مِن آمَن، يؤمن، فهو مؤمن، أما الثلاثي: أمِن يأمن، آمن.
    ماذا تعني بالضبط كلمة مؤمن ؟ تعني كلمة مؤمن المصدق، آمن أي صدّق، وتعني كلمة مؤمن الذي ينفذ الأمر بحذافيره، صدق الآمر فأتمر، صدق الآمر في أمره فأتمر، هذا من أوجَه معاني كلمة مؤمن، والدليل قوله تعالى:
    ﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾
    ( سورة يوسف )
    أي ما أنت بمصدق
    ﴿ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾
    فالمؤمن هو المصدق، والمؤمن المنفّذ، والدليل الحديث الشريف في البخاري:

    (( أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ ))
    [ متفق عليه عن ابن عباس ]
    أيها الإخوة، المعاني كثيرة، لكن أوجَه معنى لكلمة مؤمن أنه صدق وأطاع، صدق عقيدة، وأطاع عملاً، المنطلق النظري صدق أن هذا حق، والتطبيق العملي نفذ هذا الأمر.



    من لوازم السماع التطبيق:



    لكن في القرآن الكريم ملمح دقيق في قوله تعالى:
    ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾
    ( سورة الأنفال )



    فمن لوازم السماع عند الله التطبيق:


    ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾
    شاهد آخر:
    ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾
    ( سورة التحريم الآية: 4 )



    علامة صحة السماع الحركة، التطبيق:


    ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾
    ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾


    قانون هام: إدراك ـ انفعال ـ سلوك:




    للتوضيح: لو أنك قلت لواحد من الناس: على كتفك عقرب، فبقي هادئاً، والتفت نحوك، وابتسم، وقال لك: أشكرك على هذه الملاحظة، وأسأل الله أن يمكنني أن أكافئك عليها، هل سمع ما قلت له ؟ ما سمع إطلاقاً، لو سمع ما قلت له لقفز، وصرخ، وخلع معطفه.
    فلذلك بعض العلماء يرى أن علاقتك بالمحيط وفق هذا القانون، إدراك، انفعال سلوك، فإن سمعت كلاماً، ولم تدرك فحواه ثم لا تنفعل، وإن لم تنفعل لا تتحرك، هناك قانون دقيق جداً.
    أوضح مثل لهذا: كنت تمشي في بستان فرأيت ثعباناً، علامة صحة إدراكك انفعالك الشديد، والخوف، والصراخ، علامة صحة إدراكك انفعالك، وعلامة صحة انفعالك إما أن تقتله، وإما أن تهرب منه، فانفعال بلا حركة انفعال كاذب، وإدراك بلا انفعال إدراك كاذب، تدرك فتنفعل فتتحرك.
    إذا أدرك أحدنا حقيقة يوم القيامة، وأن كل عمل تعمله سوف تحاسب عليه لا يمكن إلا أن تطيع الله، لكن فينا ضعف في الإدراك، يلزمه ضعف انفعال، يلزمه ضعف تطبيق:
    ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾
    ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾



    التكذيب العملي أخطر من التكذيب بالقول:



    أيها الإخوة، مثل آخر: زرت طبيباً، وعالجك، كتب لك وصفة، لك أن تقول له: شكراً لك على هذا الاهتمام، وأنا معجب بعلمك، وأرجو الله أن يمكنني أن أكافئك على هذا الاهتمام، دقق، لمجرد أنك لم تشترِ الدواء، فأنت كذّبت علمه عملياً، المجاملات ما لها قيمة، إن لم تشترِ الدواء، وإن لم تستعمل الدواء وفق تعليماته الدقيقة فأنت مشكك في علمه .
    أخطر شيء في حياة المسلمين التكذيب العملي، ولا تجد في العالم الإسلامي مسلماً واحداً يقول لك: ليس هناك آخرة، لكن هناك التكذيب العملي، تلاحظ كسب الإنسان، كسب ماله، إنفاق ماله، بيته، عمله، علاقاته، حله، ترحاله، سفره، أفراحه، أتراحه، لا يلتزم بها بمنهج الله، ولأنه لا يلتزم فهو مكذب عملياً بالآخرة.
    الإيمان بالآخرة إن صح ينبغي أن تنعكس مقاييسك 180 درجة، إن لم تنعكس مقاييسك 180 درجة فالإيمان بالآخرة غير صحيح، إيمان شكلي، إيمان تصديقي، تصديق بغير تحقيق.
    أيها الإخوة، أخطر شيء في حياة المسلمين التكذيب العملي، على اللسان لن تقال كلمة خلاف القرآن، الآخرة حق، الجنة حق، النار حق، لكن الكسب حرام ! والبضاعة محرمة ! والعلاقة ربوية ! والاختلاط محرم ! فكيف يستسيغ الإنسان أن يرتكب كل هذه المعاصي وهو يقول: هناك حساب، وهناك جنة، وهناك نار.
    أخطر شيء في حياة المسلمين لا أن يكذبوا بألسنتهم اليوم الآخر، بل أن يكذبوا بأفعالهم.
    أيها الإخوة، ما إن تستقر حقيقة الإيمان في نفس المؤمن إلا وتعبر عن ذاتها بحركة، المؤمن حركي، الإيمان السكوني غير صحيح، مؤمن لا يقدم، ولا يؤخر، ولا يفعل ولا يلتزم، ولا يَصِل، ما لم تصل لله، وتقطع لله، وترضى لله، وتغضب لله، وتعطي لله، وتمنع لله، ما لم يجدك الله في مكان أمرك أن تكون فيه، ما لم يفتقدك في مكان نهاك الله عنه، ما لم تتحرك، ما لم تعطِ، ما لم تلتزم، ما لم تطبق، ما لم تجعل من حركتك وفق منهج الله، فالإيمان غير صحيح، وهذا يسمى التكذيب العملي.
    لذلك كلمة مؤمن تعني مؤمنًا صادقًا ما جاء به القرآن الكريم، وطبق أوامر القرآن الكريم، وصدق ما جاء به النبي الكريم، وطبق سنة النبي الكريم، الإيمان تصديق وتطبيق، الإيمان اعتقاد وسلوك، الإيمان ما أقره اللسان، وصدقه العمل، وآمن به القلب هذا عن كلمة معنى مؤمن، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن تتحقق فينا معاني كلمة مؤمن ، لأن الإيمان مرتبة عالية جداً.


    الإيمان مرتبة عالية:




    كيف أن الإنسان إذا قيل: له دكتور ؟ حقيقة معه ابتدائية، وإعدادية، وثانوية، وليسانس، ودبلوم عام، ودبلوم خاص، ماجستير، دكتوراه، حرف الدال قبل اسمه يعني كل هذا.
    كلمة مؤمن أعلى مرتبة يبلغها مؤمن، يعني آمن بما جاء به وحي السماء، وطبق ما جاء به وحي السماء، أما الإيمان بلا تطبيق فهو تكذيب عملي، لكن ليس تكذيباً لفظياً، بل هو تكذيب عملي، هذا عن معنى كلمة مؤمن.





    3 – كيف نفهم اسم ( المؤمن ) ؟


    ولكن كيف نفهم أن الله هو ( المؤمن )، كيف نفهم أن ( المؤمن ) اسم من أسماء الله الحسنى ؟



    لا يُظلَم عند الله أحد :



    من معاني كلمة مؤمن حينما تنسب لله عز وجل، وحينما تكون اسماً من أسماء الله الحسنى أنه أمن الناس أن لا يظلم أحد من خلقه، والإنسان لا يطمئن إلا إذا وحّد، وحينما ترى أن الأمر بيد الله وحده، وأنه:
    ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
    ( سورة هود الآية: 123 )
    وأنه:
    ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
    ( سورة الزخرف الآية: 84 )
    وأنه:
    ﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾
    ( سورة الكهف )
    وأنه:

    (( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))
    [ أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم ]
    ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾
    ( سورة فاطر الآية: 2 )
    ما لم تر أن يد الله تعمل وحدها، ما لم تر أن الله بيده كل شيء، ما لم تر أن الله هو الفعال، هو المعطي وحده، هو المانع، هو الرافع، هو الخافض، هو المعز، هو المذل، ما لم توحد فلن تستطيع أن تطمئن إلى وعود الله، ولن تخاف من إنذاراته.
    لذلك ( المؤمن ) أمن الناس ألا يُظلم أحد في خلقه من ملكه، الدليل، دقق:

    ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾
    ( سورة النساء الآية: 40 )
    آية ثانية:
    ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
    ( سورة النساء )
    في نواة التمرة خيط بين فلقتي النواة، هذا الخيط هو الفتيل ما قيمته ؟ ما قيمة مليون من هذا الخيط، بلا سبب

    ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
    ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾
    ( سورة النساء )
    النواة لها رأس مؤنف كرأس الدبوس، هذا الرأس ما حجمه ؟

    ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾
    ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
    ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾
    ﴿ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ﴾
    ( سورة فاطر )
    القطمير غشاء يغلف النواة.
    ﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
    ( سورة غافر الآية: 17 )
    ﴿ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾
    ( سورة الأنبياء الآية: 47 )
    عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:

    (( يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))
    [أخرجه مسلم والترمذي ]

    لا تتهم الأقدار، لا تقل: لا حظ لي، لا تقل: أضربها يمينا فتأتي شمالا، لا تقال: قلَب لي الدهرُ ظهر المجن، لا تقل: القدر يسخر مني، هذا كله كلام شيطاني:

    (( فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
    أيها الإخوة، الله عز وجل صفاته مطلقة، معنى مطلقة أن عصفورًا في ملك الله من آدم إلى يوم القيامة يُظلم فهذا الظلم يتناقض مع اسم العدل، الله عز وجل مطلق، والإنسان نسبي، فالقاضي قد يحكم ألف حكم، عشرة أحكام منها غير صحيحة، يسمى عادلا عند الناس، الخطأ محتمل عند الإنسان، أما عند الله غير محتمل:

    ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
    ولا من:

    ﴿ قِطْمِيرٍ ﴾
    ولا:

    ﴿ نَقِيراً ﴾
    ولا:

    ﴿ ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
    ولا:

    ﴿ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ﴾
    ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾
    ( سورة العنكبوت الآية: 40 )



    نفي شأن الظلم عن الله :



    هذه آية دقيقة جداً، هذه الصيغة أيها الإخوة، تنفي أكثر من عشرة أفعال سماها علماء اللغة نفي الشأن، لو سألت إنسانا ـ لا سمح الله ـ: هل أنت سارق ؟ إن كان من عِلية القوم، وقال لك: لا، فالإجابة غير صحيحة، يقول لك: ما كان لي أن أسرق، أي مستحيل أن أفكر، أو أن أدعم، أو أن أرضى، أو أن أفعل، وقد عدَّ علماء اللغة عشرة أفعال تنفى بهذه الصيغة، الله عز وجل قال:
    ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾
    مستحيل !
    أيها الإخوة، الله عز وجل صفاته مطلقة، لا تحتمل أي خطأ، لكن قد يقول قائل: وهذه الحروب ؟ وهذه الاجتياحات ؟ وهذا الفقر ؟ وهذه المجاعات ؟ وهذا الزلزال ؟ وهذا الفيضان ؟ وهذا البركان ؟ كيف نفسر ذلك ؟ الجواب: لا يمكن أن تستطيع إثبات عدل الله بعقلك، إلا في حالة مستحيلة، أن يكون لك علم كعلم الله، ولكن تستطيع أن تؤمن أشد الإيمان بعدل الله المطلق حينما تصدق ما جاء به القرآن:

    ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾
    ولا:

    ﴿ فَتِيلاً ﴾
    ولا من:

    ﴿ قِطْمِيرٍ ﴾
    ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾
    ولا:

    ﴿ ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
    ﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ﴾
    هذا خبر عن الله، فإن شككت في هذه الآيات فأعد إيمانك بالقرآن، قف وراجع حساباتك، لن تستطيع أن تؤمن بعدل الله بعقلك وحده، لأن عقلك محدود المهمة، أما إذا كان عندك علم الله عز وجل لأن هذا مستحيل يمكن.
    أيها الإخوة، الله عز وجل غني عن تعذيبنا، وغني عن ظلمنا.

    ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾
    ( سورة النساء الآية: 147 )
    لكن إن صدقت خبر الله أنه لا يظلم هذا هو الإيمان، يعني مثلاً: قال تعالى:
    ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾
    ( سورة الفيل )
    بربكم هل شاهدتم هذه الحادثة ؟ من شاهدها ؟ ماذا قال علماء التفسير ؟ قال: ينبغي أن تأخذ إخبار الله وكأنك رأيته بعينك، الحد الأدنى بالإيمان أن تأخذ خبر الله وكأنك رأيته بعينك، وأن تأخذ وعيد الله وكأنه وقع.
    ﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾
    ( سورة المحل الآية: 1 )
    معناها ما أتى،
    ﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾
    ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ﴾
    ( سورة المائدة الآية: 11 )
    قال: فعل ماضٍ، لم يقل: بعد، فيجب أن تأخذ إخبار الله وكأنه وقع، ويجب أن تأخذ أيضاً إخبار الله وكأنك تراه بعينك، فالمؤمن الذي آمن أن هذا القرآن كلام الله ، وعشرات الآيات تنفي أدق أنواع الظلم:

    ﴿ فَتِيلاً ﴾
    و:

    ﴿ نَقِيراً ﴾
    و:

    ﴿ قِطْمِيرٍ ﴾
    و:

    ﴿ ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
    و:

    ﴿ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ﴾

    هذا هو الإيمان بالقرآن، أما أن تملك علماً كعلم الله فهذا مستحيل !
    شيء آخر، هذه الدنيا أمام الآخرة لا شيء، تصور الرقم واحد في دمشق وأصفار لا أقول: إلى حلب، بل إلى الشمس، واحد أمام 156 مليون كيلومتر أصفار، لا كل ميليمتر صفر، وواحد في دمشق، وأصفار إلى الشمس، وكل ميلي صفر، كم هذا الرقم ؟ أول ثلاثة أصفار ألف، 3 أخر مليون، 3 أخر ألف مليون، 3 رابعة مليون مَليون، الآن كل ميلي صفر لـ156 مليون كم للشمس، هذا الرقم ضعه صورة، ومخرجه لا نهاية، قيمته صفر، فالدنيا لو عشت 130 عاما، ملكت مئة مليار دولار، مليار مِليار ِ، مليون مليار مِليار، وعندك في كل مدينة قصر، مهما فعلت فالدنيا أمام الآخر صفر، فإذا وعد الله عز وجل المظلوم بالجنة، فيلزم منه عدم الظلم:

    ﴿ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
    البطولة أن تربح الآخرة البطولة أن تضحك آخراً، لا أن تضحك أولاً، الموت ينهي كل شيء، لا يليق بعطاء الله العظيم أن يكون في الدنيا فقط، الموت ينهي قوة القوي، ينهي ضعف الضعيف، ينهي غنى الغني، ينهي فقر الفقير، ينهي وسامة الوسيم، ينهي دمامة الدميم، ينهي صحة الصحيح، ينهي مرض المريض، ينهي كل شيء، لا يليق بعطائه أن يكون بالدنيا فقط، فإذا ادخر واحد الله عز وجل للعبد عطاء في الآخرة فحينما يرى عطاء الله بعد الموت يذوب محبة لله.



    ليس هناك ظلم مطلق في الكون:



    أيها الإخوة، لا يمكن لا أن تثبِت عدل الله بعقلك، إلا أن تصدق خبر الله في القرآن، وهذا شيء مستحيل ؛ أن يكون لك علم كعلم الله، وفي النهاية الشر المطلق لا وجود له في الكون، لكن هناك شر نسبي موظف للخير المطلق، والظلم المطلق لا وجود له في الكون، لكن هناك ظلم ظاهري، يندرج تحت بند التربية، الدليل:
    ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
    ( سورة الأنعام )
    من أعان ظالماً سلطه الله عليه، من أعان ظالماً كان أول ضحاياه، في ظلم ظاهري، أما حقيقي ما في، ولو دققت كما أقول لك: في ظلم ظاهري صارخ، لكن هذا الظلم موظف لتربية النفوس.



    4 – ( المؤمن ) هو مَن يجير المظلوم:



    أيها الإخوة الكرام، المؤمن هو الذي يجير المظلوم من الظالم، وتروَى في هذا قصة رمزية: أن ملِكًا في القديم توعد شيخ النجارين بوعيد لا يحتمل، طلب منه مئة كيس نشارة خلال ساعات، يعمل سنتين لا يخرج معه كيس نشارة، وشيخ النجارين مثل نقيب الآن، أيقن هذا أنه مقتول لا محالة، فودع أولاده، ودع زوجته، كتب وصيته، أنهى كل شيء، بعد الفجر جاء أتباع الملك ليأخذوه إن لم يؤدِ هذا العدد، فقيل له: مات الملك تعال فاصنع لنا تابوتاً.
    أحياناً يجير الله المظلوم من الظالم، هذا معنى اسم ( مؤمن )، الدليل:
    ﴿ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾
    ( سورة المؤمنون الآية: 88 )
    من الذي يجير ؟ هذا الذي هدم 70 ألف بيت في غزة، هذه السنة الثالثة ما مات ، والله يمد بعمره، الله عز وجل إذا أخذَ كان أخذُه عزيز مقتدر، وإذا أخذ الظالم لم يفلته.
    ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾
    ( سورة هود )




    الخاتمة:


    أيها الإخوة الكرام، اسم ( المؤمن ) اسم دقيق جداً، لكنه يتصل أشد الاتصال بالحياة الدنيا، هو ( المؤمن ) الذي يؤمنك، علاقتك معي يا عبدي:
    ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
    لو أنه أسلمك إلى غيره كيف يأمرك أن تعبده ؟ مستحيل ! قال لك:

    ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
    حياتك بيده، والرزق بيده، والأقوياء بيده، والضعفاء بيده، ومن فوقك بيده، ومن تحتك بيده، وزوجتك بيده، وأولادك بيده، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ويا رب ماذا فقَد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء.
    نحن في أمسّ الحاجة إلى هذا الاسم، الناصر الذي يجيرنا من الظالم، نحن في أمسَ الحاجة إلى أن نطمئن إلى وعد الله، الله عز وجل أنشأ لنا حقاً عليه إن عبدناه كانت المكافأة ألاّ يعذبنا.

    ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾
    ( سورة الأنفال )









    والحمد لله رب العالمين


     



  7. رقم #35
     افتراضي  العنوان : رد: أسماء الله الحسنى
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 09 Feb 2018 الساعة : 03:57 PM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.26 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل





    بسم الله الرحمن الرحيم





    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.




    مِن أسماء الله الحسنى: ( الملِك ):


    أيها الإخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، واليوم مع اسم الله تعالى: ( الملِك ) .


    1 – ورودُ اسم ( الملِك ) في القرآن والسنة:

    أيها الإخوة، ورد هذا الاسم كثيراً في الكتاب والسنة، ففي القرآن الكريم في قوله تعالى:
    ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ﴾
    ( سورة الحشر الآية: 23 )
    وفي صحيح مسلم عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ:

    (( وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ... ))
    [ أخرجه مسلم وأبو داود و الترمذي والنسائي ]
    وفي صحيح مسلم أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
    (( يَنْزِلُ الله تعالى إِلى السماءِ الدُّنيا كُلَّ لَيلةٍ حين يَمضي ثُلُثُ الليلِ الأولُ فيقول: أَنَا الملكُ، أنا الملكُ، مَنْ ذَا الذي يدعوني فأستجيب له ))
    [أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود و الترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
    لذلك:

    (( وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ))
    [أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود و الترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
    ساعات الفجر ساعات مباركة، ساعات الإجابة.
    ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ﴾
    ( سورة الإسراء )



    2 – مِن لازمِ اسم ( الملِك ) نفاذُ أمرِه في مُلكِه:

    أيها الإخوة، ( الملك ) أمره نافذ في ملكه، قد يكون الإنسان مالكاً، وأمره ليس نافذاً في ملكه، أما ( الملك ) فأمْرُه نافذ في ملكه، لذلك في بعض الآثار القدسية:
    (( أنا مالك الملوك، وملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك، وادعوا لهم بالصلاح، فإن صلاحهم بصلاحكم ))
    [أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]


    3 – لا ملِك حقيقةً إلا الله:

    أيها الإخوة، العلماء يؤكدون أنه لا ملِك إلا الله حقيقية، الذي يملك كل شيء خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً، لكن هذا لا يمنع أن يسمى إنسان ملكاً، قال تعالى:
    ﴿ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ﴾
    ( سورة الكهف )
    أما ( الملِك ) الحقيقي فهو الله الذي يملك كل شيء.
    بشرح مفصل: كل شيء يُملَك يملكه الله، سمعُك بيده، وبصرك بيده، وقوتك بيده، ومَن حولك بيده، ومن فوقك بيده، ومن تحتك بيده، والتوفيق بيده، والنصر بيده، والحفظ بيده، وحينما توقن أنه لا إله إلا الله، وأنه ( الملك )، أمرُه نافذ في ملكه، تتجه إليه وحده.



    4 – لابد للمسلم من التوجُّه للملِك الحقيقي:

    دائماً وأبداً أضرب هذا المثل: لو أن لك معاملة لها أثر مصيري في حياتك، والمفوّض بالتوقيع على الموافقة رجل واحد في كل هذا البناء، والبناء من عشرة طوابق، فيه ألف موظف، الذي هو مفوّض بالموافقة على طلبك هو المدير العام، هل تبذل ماء وجهك لغير هذا المدير العام ؟ مستحيل ! هل تتضعضع أمام موظف صغير ؟ ما دام هذا الأمر بيد مدير العام، إذاً تتجه إليه وحده.
    حينما تؤمن أن كل شؤونك بيد الله.

    ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾
    ( سورة هود الآية: 123 )
    متى أمرك أن تعبده ؟ بعد أن طمأنك أن الأمر كله بيده، فحينما تؤمن أنه لا إله إلا الله، ولا معطي، ولا مانع، ولا خافض، ولا رافع، ولا معز، ولا مذل، ولا موفق ولا حافظ، ولا ناصر إلا الله، تتجه إليه.
    المشكلة الأولى في حياة المسلمين أن توحيدهم ضعيف، فلما ضعف توحيدهم وقعوا فيما هم فيه، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
    أيها الإخوة، الله عز وجل ملكٌ مطلقاً، يملك كما قلت خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً، وأنت كإنسان قد تملك شيئاً ولا تنتفع به، وقد تنتفع بشيء ولا تملكه، وقد تنتفع وتملك، لكن المصير ليس إليك، لك بيت تملكه رقبة، وتملك منفعته، أي تسكنه، لكن قد يأتي قرار تنظيمي للمدينة يؤخذ منك بأبخس الأثمان، فقد تملك ولا تنتفع، وقد تنتفع ولا تملك، وقد تنتفع وتملك، والمصير ليس إليك.
    أما إذا قلنا: الله ( الملك ) يعني أن ملكه مطلق، خلقاً، تصرفاً، ومصيراً.



    5 – من لوازم ( الملِك ) استغناءه عن المخلوقات:

    معنى ( الملك ) أنه يستغني في ذاته، وصفاته، وأفعاله عن كل موجود، أما الإنسان فوجوده مرتبط بإمداد الله له، ففي أية لحظة يقطع الله عنه الإمداد يموت، فما هو الموت ؟ الموت انقطاع المدد الإلهي، وفي أي لحظة يفقد الإنسان حياته، يكون شخصاً مهماً فيصبح خبراً، يكون ذا هيبة وسلطان فيصبح قصة، يكون شخصاً يركب طائرة فيعود بضاعة في نعش لها معاملات معقدة في التخليص.
    فالله عز وجل ملِك حقيقي، لأنه يستغني عن كل موجود، ووجوده ذاتي، مِن هنا كان هناك عبد القهر، وجميع بني البشر عبيد لله عز وجل، بمعنى أنهم في قبضة الله ، في أي لحظة تنتهي الحياة، لأتفه الأسباب، سكتة دماغية، سكتة قلبية، حادث طارئ، فهم عبيدُ قهرٍ، أما المؤمنون لأنهم عرفوا الله اختياراً، وأطاعوه اختياراً، وأحسنوا إلى خلقه اختياراً، وأقبلوا عليه اختياراً فهم عباد، جمع عبد الشكر، وعبد القهر جمعه عبيد.

    ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
    ( سورة فصلت )
    وهناك عبد الشكر جمعه عباد.
    ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾
    ( سورة الفرقان الآية: 63 )
    الفرق كبير بين أن تكون عبد قهر، وبين أن تكون عبد شكر، وإذا قال الله عز وجل:
    ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
    ( سورة الحديد الآية: 4 )
    هذه معية عامة، أي معكم بعلمه، أما إذا قال:
    ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
    ( سورة الأنفال )
    هذه معية خاصة، والمعية الخاصة تعني شيئاً كثيراً، تعني أن الله مع المؤمن بنصره، وتأييده، وحفظه، وتوفيقه.
    معنى ( الملك ) أنه مستغنٍ عن كل موجود، ويحتاجه كل موجود، الآية الدقيقة:

    ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
    ( سورة آل عمران الآية: 26 )



    الإعزاز والإذلال والمنع والعطاء من الله خيرٌ كلُّه:



    الآية ليس فيها: بيدك الخير والشر،
    ﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
    لذلك قالوا: الشر المطلق لا وجود له في الكون، لأنه يتناقض مع وجود الله، هناك شر نسبي موظَّف للخير المطلق، والدليل هذه الآية:

    ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
    ﴿ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
    ( سورة آل عمران الآية: 26 )
    إيتاء الملك خير، وأحياناً نزعه خير، إعزاز الإنسان خير، وأحياناً إذلاله خير، لكن علماء العقيدة يرون أنه لا ينبغي أن تقول: الله ضار، مع أنه من أسمائه، ينبغي أن تقول: هو الضار النافع، لأنه يضر لينفع، لا ينبغي أن تقول: الله خافض، قل: الله خافض رافع، لأنه يخفض ليرفع، لا ينبغي أن تقول: الله مذل، هو يذل، قل: الله مذل معز، يذل ليعز.
    ورد في بعض الآثار:

    (( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي ))
    [ ورد في الأثر ]
    ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
    ( سورة الأعراف الآية: 180 )
    ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة المنع عاد المنع عين العطاء، حينما تكشف الحقائق، وحينما ينكشف سر القضاء والقدر يذوب المؤمن كالشمعة تماماً محبة لله عز وجل لِما ساقه له من شدائد، ولولا هذه الشدائد لما كان كما هو.
    قطعة فحم بحجم البيضة ما قيمتها ؟ لا شيء، وهناك قطعةٌ من الماس في استنبول قيمتها 150 مليون دولار، بحجم البيضة، أكبر قطعة ألماس في العالم في متحف توبي كبي، هذه القطعة ثمنها 150 مليون، لأن الماس أصله فحم، من شدة الضغط والحرارة أصبح ماساً.
    للتقريب: إذا كان هناك ضغوط، ومعالجات إلهية دقيقة، وشدة، هذه تصقل الإنسان المؤمن، واللهُ تعالى يتولى تربيته، ويحاسبه، فبطولتك أن تكون ضمن العناية المشددة، ضمن المتابعة الإلهية، ضمن التربية الإلهية، فإذا أعطيتَ الدنيا وأنت على غير طاعة الله فهذا مؤشر خطير جداً، معنى ذلك أن هذا الإنسان خارج العناية المشددة، إن رأيت الله يتابعك، ويحاسبك، ويسوق لك بعض الشدائد عند بعض الأخطاء، حينما تسرف، يقلّ دخلك، حينما تستعلي يأتي مَن يحجمك، حينما ترى أن الله يتابعك فهذه نعمة كبرى، هذا معنى قوله تعالى:

    ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾
    ( سورة البقرة )
    مصائب المؤمنين مصائب دفع إلى الله ورفع، ومصائب العصاة والفجار مصائب ردع وقصم، أما مصائب الأنبياء فمصائب كشف، لأنهم ينطوون على كمال لا يظهر إلا بالمصائب، فَعَنْ سَعْدٍ قَالَ:
    (( قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ))
    [ أخرجه الحاكم عن سعد بن أبي وقاص ]



    علاقة المؤمن باسم ( الملِك ):

    أيها الإخوة، الله عز وجل يقول:
    ﴿ رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾
    ( سورة يوسف )



    المُلكُ الحقيقي أن تمنع تملك عند فورة الشهوة:

    لبعض المفسرين لفتة رائعة، أن المُلكَ الذي أتاه الله لسيدنا يوسف ما هو ؟ إن كان الملكُ المألوف أنه عزيز مصر فهناك ملوك في الأرض كُثر، وهم أحياناً فجّار منحرفون طغاة، فهل هذا هو العطاء الحقيقي ؟ بعضهم قال: العطاء الحقيقي أن تملك نفسك، حينما دعته امرأة ذات منصب وجمال، والعلماء أشاروا إلى عشرة أشياء ترغب هذا الشاب الوسيم بالفاحشة، وقال:
    ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾
    ( سورة يوسف الآية: 23 )
    هذا هو الملك، أن تملك نفسك، أن تملكها عند الغضب، أن تملكها عند الشهوة ، أن تملكها عند المغريات، ما كل إنسان يصمد أمام هذه الفتنة، فالذي يملك نفسه، ولا تملكه، يملك هواه ولا يملكه، الذي يملك أن يتصرف وفق منهج الله في الشدائد، وفي الصعوبات هو الملِك.
    أيها الإخوة، الحياة فيها صوارف، وفيها عقبات، وهذه الصوارف والعقبات من أجل أن يرقى الإنسان عند الله، فإذا استطعت أن تنجو من الصوارف إلى غير منهج الله وأنت تتجاوز العقبات التي وضعت على الطريق إلى الله، فأنت بطل.
    فلذلك:

    ﴿ رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ﴾
    أي آتيتني سيطرة على نفسي، يقول أحد زعماء بريطانيا: ملكنا العالم، ولم نملك أنفسنا، حتى إن أجمل كلمة تلخص الحضارة الإسلامية أنها سيطرة على الذات، فحينما فتحت القدس من قِبل الفرنجة ذُبح 70 ألف إنسان في يومين، أما حينما فتحها صلاح الدين الأيوبي رحمه الله لم يهرق قطرة دم، بسبب السيطرة على الذات، وأعظم شيء في المؤمن أنه منضبط، مسيطر على ذاته، هذا هو الملك الحقيقي، أن تملك نفسك.



    الإيمان مرتبة علمية أخلاقية جمالية:

    قالوا: الإيمان مرتبة، مرتبة علمية، أخلاقية، جمالية، نحن الآن نستهين بكلمة مؤمن.
    مثلاً: فلان دكتور، معه إتمام مرحلة ابتدائية، معه شهادة إعدادية، معه شهادة ثانوية، معه شهادة ليسانس، أو بكالوريوس، معه دبلوم عام، دبلوم خاص، ماجستير، دكتوراه، والدكتوراه فيها بحث جديد لم يسبق إليه، وناقشه مجموعة علماء كبار، واعتمدته الجامعة، وأصبح كتابًا، إن وجد اسم د. قبل اسم الشخص يكون قد مرَّ بكل هذه المراحل.
    للتقريب: إن وجدت إنسانًا مؤمنًا فيعني أنه يتمتع بمرتبة أخلاقية، وليس هناك مؤمن كاذب، ولا مؤمن محتال، ولا مؤمن متكبر، ولا مؤمن وصولي، ولا مؤمن منافق، والمؤمن مرتبة أخلاقية، ومرتبة علمية، وهو مَن عرف الحقيقة الكبرى في الكون، عرف الله، عرف سر وجود الإنسان وغاية وجوده، ومرتبة جمالية، فله أذواق عالية جداً، منغمس في سعادة لو وزعت على أهل بلد لكفتهم، فالإيمان مرتبة جمالية، أخلاقية، علمية.
    قالوا: المؤمن إنسان متميز يرى ما لا يراه الآخرون، له رؤية عميقة، فهِم حقيقة الحياة الدنيا، فهم حقيقة الوجود، حقيقة الكون، حقيقة الحياة الدنيا، حقيقة الإنسان، طبيعة المهمة التي أنيطت به.



    المؤمن همُّه كبير، ورسالته نبيلة:

    المؤمن يرى ما لا يراه الآخرون، ويشعر بما لا يشعرون، وهناك أقوياء وضعفاء في العالم، وأغنياء وفقراء، الضعفاء والفقراء مسحوقون، لكن هناك موقف للنبي عليه الصلاة والسلام خلاف هذا فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
    (( أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ، أَوْ شَابًّا، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَ عَنْهَا، أَوْ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي ؟ قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، أَوْ أَمْرَهُ، فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ، فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ ))
    [ متفق عليه ]
    لا تكون إنساناً كامل الإنسانية إلا إذا شعرت بمن حولك، هذا الذي يعيش لشهواته، وحظوظه، ولا ينتبه إلى البؤساء، والفقراء، والضعفاء، هذا إنسان بعيد عن منهج الله عز وجل، المؤمن يرى ما لا يراه الآخرون، ويشعر بما لا يشعرون، يتمتع بوعي عميق، وإدراك دقيق، وله قلب كبير، هذا القلب يكبر، ولا ترى كبره، فيتضاءل أمامه كل كبير، ويصغر، ولا ترى صغره، فيتعاظم عليه كل حقير.
    صدقوا أيها الإخوة، كلمة من القلب: المؤمن أكبر من أكبر مشكلة في الدنيا، بينما غير المؤمن أصغر من أصغر مشكلة في الدنيا، مشكلة طفيفة تسحقه، تقلبه إلى يائس، إلى محبط، إلى مستسلم لمصيره، أما المؤمن فأكبر من أكبر مشكلة تحيط به، له قلب كبير، وعزم متين، همته عالية، وإرادة صلبة، هدفه أكبر من حاجاته، هناك إنسان حاجته بيت، حاجته زوجة، حاجته دخل، هذه كل أهدافه، فإذا تزوج وكان له دخل، وله بيت انتهت كل أهدافه، يحس بالفراغ، يحس بالتفاهة، أما المؤمن فيحمل هم أمته، أهدافه أكبر من حاجاته، رسالته أسمى من رغباته.
    إخوتي الكرام، هناك صفة في العالم الغربي، أنا أضع يدي عليها تماماً، الصفة أن الإنسان هناك بلا هدف، هدفه نفسه، هدفه دخله، هدفه شهواته، هدفه حظوظه، هدف كبير يسعى له، والإنسان لا يتقدس إلا بهدف كبير، لا يسعد إلا إذا كان له رسالة وهدف يحمله، رسالته أثمن من رغباته، يملك نفسه.

    ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾
    ﴿ رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ﴾







    خاتمة:



    الملك يملك نفسه، ولا تملكه، يقود هواه، ولا ينقاد له، تحكمه القيم، ويحتكم إليها من دون أن يسخرها لمصالحه، أو يسخر منها.
    الحقيقة أيها الإخوة، الإيمان مرتبة عالية جداً، الإيمان يعني إنسانا حقق الهدف من وجوده، الإيمان يعني أن الإنسان حقق الهدف الذي خُلق المؤمن من أجله، عرف الله عز وجل، وعرف منهجه، وانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، فسلم وسعد في الدنيا والآخرة.
    فلذلك:

    ﴿ رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ﴾
    علاقة الإنسان بهذا الاسم أن يملك نفسه عند الغضب، عند العقبات الكأداء، عند الصوارف المغرية، والمؤمن رجل مبدأ، المؤمن رجل قيم، لأنه اتصل بـ ( الملك )، فملك نفسه، وأعظم مرتبة تملكها أن تملك نفسك، وأكبر سيئة تصيب الإنسان أن يتفلت من منهج الله، أن يثيره موقف استفزازي يخرجه عن طوره وعن مبادئه وعن قيمه.
    سبحان الله ! هذا الاسم له تطبيقات رائعة جداً، أرجو الله سجانه وتعالى في لقاء قادم أن نتابع هذا الموضوع.




    والحمد لله رب العالمين



     



صفحة 5 من 15 الأولىالأولى ... 34567 ... الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. [®][ شرح أسماء الله الحسنى ][®]
    بواسطة ميدووو في المنتدى نفحآإتَ إيمآنيةِ
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 27 Jun 2007, 12:53 AM
  2. أسماء الله الحسنى مع الشرح
    بواسطة | كويتيه | في المنتدى نفحآإتَ إيمآنيةِ
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 29 Jul 2006, 01:10 AM
  3. صور لسماء الله الحسنى
    بواسطة عاشق الحب في المنتدى Gallery آلطَيبّ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 05 Jul 2006, 05:40 PM
  4. شرح أسماء الله الحسنى..
    بواسطة عاشق الحب في المنتدى نفحآإتَ إيمآنيةِ
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 25 Jul 2005, 04:14 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •