تَمَشيُخ الصغار


أخرج البخاري في صحيحه من حديث عَبْدُاللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قال: قال النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْزِعُ العِلْمَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاكُمُوهُ انْتِزَاعاً، وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ العُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ
فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ، يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ، فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ
»
وفسّر رسول الله صلى الله عليه وسلم نزع العلم بنزع أهله، لأن الله أحال إليهم خلقه
ليجيبوهم عما أشكل عليهم من أمر الدين، فقال
«فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون»
وأخبر برفعتهم وعلو شأنهم، لشرف ما يحملونه ويتحملونه، فقال
«يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ».

إلا أن لبوس أهل العلم لبسه من ليس له بأهل، ممن لم يمتلك أدوات العلم الشرعي
ولم يتمكن منه، وصار بعض الكتاب شيخاً عالم دين، مع أنه لا يحسن قراءة آية
من دون لحن جلي فضلاً عن خفي، ولا يفرق بين المعضل والمرسل
بل ولا يفرق بين شرط الصحيح من الضعيف، كحاطب ليل يعتمد على روايات لا تصح
ولو سألته عن سبب نزول آية، أو الخلاف في تفسيرها لعرض بضاعة مزجاة تدل على جهل مركّب
أو اعتمد في نقله على جادة القص واللصق، حيلة من أقعدته قدراته أن يكون فقيهاً !
وجعل الصغير لنفسه سلطة على النص يخوض فيه ليؤصل لرأيه، ويسوق لأجندته وأجندة من يتبعه.

ومنهم من يكتب أو يستكتب في مسائل كبار لا يتصدى لها إلا كبير، لكنه الجهل المركب
ورضي الله عن عمر بن الخطاب حين قال : «اتقوا الرأي في دينكم»
وقال: «إيَّاكُمْ وَالرَّأْيَ؛ فَإِنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ أَعْدَاءُ السُّنَنِ، أَعْيَتْهُمْ الْأَحَادِيثُ أَنْ يَعُوهَا
وَتَفَلَّتَتْ مِنْهُمْ أَنْ يَحْفَظُوهَا، فَقَالُوا فِي الدِّينِ بِرَأْيِهِمْ
».

الغريب في أمر هؤلاء أنهم انتقائيون، يختارون من النصوص ما يتوافق مع أهوائهم
حتى لو كان التفسير جاء من وجه شاذ غير محتمل، وإذا لم يقف على وجه ضعيف تفلسف من كيسه
ويستدلون بالأحاديث الضعيفة أو المنسوخة أو بعض ما نقل عن الصحابة والتابعين مما لم يثبت
ويغضون عن صريح الآيات والأحاديث التي لا تتماشى مع أهوائهم، ويصدق فيهم قوله تعالى :
«أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
».

وفي كتاب الله تحذير من هؤلاء المتعالمين الذين يريدون أن يعبد الله بأهوائهم
لا كما جاء عن الله في كتابه على فهم السلف الصالح لا الخلف الطالح
وفي صحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى :
«فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ
بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
»
وهؤلاء المتعالمون هم الذين لا يعلمون، أهل الجهل والظلم والإفلاس، يقول تعالى :
«ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
إنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ
»
وهم عبدة الأهواء , قال تعالى :
«أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ
وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
».

المتمشيخون الجدد ركبوا موجة الاستدلال بالنص مع عدم امتلاك أدوات الاستدلال
لعجزهم عن التغيير بالفكر المستورد، ولأنه غير مقبول في مجتمع مسلم متدين
فأرادوا التغيير عن طريق الغطاء الشرعي، لكنَّ للحق نوراً لا تحجبه شبهات المتعالمين
«وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً».



كتبته : د. نوال العيد وفقها الله
نقلاً عن موقعها الرسمي :


القآئد المهآجر









jQlQadEo hgwyhv